الخميس ١٥ أيار (مايو) ٢٠١٤
بقلم غزالة الزهراء

موقف نبيل

المقهى المتواضع يعج بالرواد من مختلف الأعمار ، جلبة صاخبة تعلو وتهبط إذ يحدثها هؤلاء لكسر الروتين اليومي ، السجائر تأبى مفارقة الشفاه ، مواضيع متشعبة تتداولها الألسن ، غلاء المعيشة الفاحش ، البطالة التي تنخر لب المجتمع ، هجرة الشباب السرية إلى ما وراء البحار ، وغيرها من الأمور الأخرى التي لا تقل أهمية عن سابقاتها .
سحب عبد القادر من جيبه علبة صغيرة منمقة بشريط حريري لزج ، تفحص الخاتم مليا ، إنه باهظ الثمن ، وشديد اللمعان
تلفت في كل ناحية كأنما يخشى من أن تختلسه يد عفريت منه ، حدث نفسه بصوت منخفض لا يكاد يسمع : سأهدي لها هذا الخاتم الذهبي دلالة على احترامي وتقديري لها .

أقفل العلبة ، وأعادها بكل حذر إلى جيبه لتستقر فيه ، سعل بشدة ، كادت أنفاسه تتقطع ، وأضلاعه تتفتت ، زوابع الدخان تصاعدت من هنا وهناك مؤلفة سحبا كثيفة تغلغلت عبر خياشيم أنفه ، وتسربت سريعة إلى حنجرته .
كشف له الطبيب عن مرضه ذات يوم قائلا له : إنك مصاب بداء الربو ، نصيحتي لك أن تنآى تماما عن كل ما يؤذي صحتك ، التدخين مثلا تنجم عنه عواقب وخيمة .

فجأة اشتط به الخيال بعيدا إلى والديه اللذين افتكا بهما الداء المزمن ، وفارقا الحياة وهو لا يزال طري الجذع .
سأله والده بلهجة مفعمة غضبا : من أين جلبت هذه السيجارة الملعونة يا ولدي ؟
ـــ اختلستها من جيب معطفك لأدخن مثلك ، ولأكون رجلا .
عنفه وكاد يلطمه على خده : تدخن مثلي !؟ لتكون رجلا !؟ ما هذا الهراء الذي يتدفق من شفتيك ؟ أنت لم تتجاوز العاشرة بعد .
نكس عبد القادر رأسه خجلا ، ورد عليه بصوت يرتجف : لن أفعل هذا ثانية ، أعدك .
ـــ أتفي بوعدك ؟
ـــ سأفي به ما دمت حيا .

عاد إلى واقعه من جديد ، تحسس تلك العلبة بأطراف أصابعه ، تنفس الصعداء بارتياح ، غدا سيكون زفاف أخته بشيرة ، سيهديها هذا الخاتم لأنها ناضلت من أجل تنشئته ، سيرد لها ولو جزءا من صنيعها .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى