موقف نبيل

، بقلم غزالة الزهراء

المقهى المتواضع يعج بالرواد من مختلف الأعمار ، جلبة صاخبة تعلو وتهبط إذ يحدثها هؤلاء لكسر الروتين اليومي ، السجائر تأبى مفارقة الشفاه ، مواضيع متشعبة تتداولها الألسن ، غلاء المعيشة الفاحش ، البطالة التي تنخر لب المجتمع ، هجرة الشباب السرية إلى ما وراء البحار ، وغيرها من الأمور الأخرى التي لا تقل أهمية عن سابقاتها .
سحب عبد القادر من جيبه علبة صغيرة منمقة بشريط حريري لزج ، تفحص الخاتم مليا ، إنه باهظ الثمن ، وشديد اللمعان
تلفت في كل ناحية كأنما يخشى من أن تختلسه يد عفريت منه ، حدث نفسه بصوت منخفض لا يكاد يسمع : سأهدي لها هذا الخاتم الذهبي دلالة على احترامي وتقديري لها .

أقفل العلبة ، وأعادها بكل حذر إلى جيبه لتستقر فيه ، سعل بشدة ، كادت أنفاسه تتقطع ، وأضلاعه تتفتت ، زوابع الدخان تصاعدت من هنا وهناك مؤلفة سحبا كثيفة تغلغلت عبر خياشيم أنفه ، وتسربت سريعة إلى حنجرته .
كشف له الطبيب عن مرضه ذات يوم قائلا له : إنك مصاب بداء الربو ، نصيحتي لك أن تنآى تماما عن كل ما يؤذي صحتك ، التدخين مثلا تنجم عنه عواقب وخيمة .

فجأة اشتط به الخيال بعيدا إلى والديه اللذين افتكا بهما الداء المزمن ، وفارقا الحياة وهو لا يزال طري الجذع .
سأله والده بلهجة مفعمة غضبا : من أين جلبت هذه السيجارة الملعونة يا ولدي ؟
ـــ اختلستها من جيب معطفك لأدخن مثلك ، ولأكون رجلا .
عنفه وكاد يلطمه على خده : تدخن مثلي !؟ لتكون رجلا !؟ ما هذا الهراء الذي يتدفق من شفتيك ؟ أنت لم تتجاوز العاشرة بعد .
نكس عبد القادر رأسه خجلا ، ورد عليه بصوت يرتجف : لن أفعل هذا ثانية ، أعدك .
ـــ أتفي بوعدك ؟
ـــ سأفي به ما دمت حيا .

عاد إلى واقعه من جديد ، تحسس تلك العلبة بأطراف أصابعه ، تنفس الصعداء بارتياح ، غدا سيكون زفاف أخته بشيرة ، سيهديها هذا الخاتم لأنها ناضلت من أجل تنشئته ، سيرد لها ولو جزءا من صنيعها .