النكبة ومناسبة الحديث عن مآلاتها

، بقلم فراس حج محمد

بدأ الكتابُ بالكتابة حول نكبة الشعب الفلسطيني، كتاب عرب وغير عرب، فلسطينيون وغير فلسطينيون، وسيسيل حبر كثير، كما سال دمع كثير، وأُهْدِر مال كثير، وسفح دم كثير، وأفني عمر طويل، والكتاب يكتبون، كتابٌ بارعون ومتمرسون، وكذلك متطفلون مبتدئون، سيكتبون الشعر والنثر، ويمجدون القتيل ويشتمون القاتل، ولكن....

ماذا سأكتب أنا عن النكبة، نكبة الشعب الفلسطيني، التي كانت نتيجة وسببا، كانت نتيجة تفرقنا، وضعفنا وبدائيتنا، وسذاجة شعوبنا، تلك السذاجة التي تعمقت وترسخت أكثر، نحن الشعوب العربية قاطبة، بالأمس القريب، كان هناك منشور عن "السيسي" على الفيس بوك، ينتقده في أمور كثيرة، ما أثارني ليس المنشور، فالرجل له من يحبه، وله من يكرهه، ولكن ما علقت به بعض القارئات، إذ قالت: "السيسي عميل، خائن، غير وطني، دكتاتور، بحبه وح انتخبه" هذه السذاجة ليست حكرا على زمان دون زمان، إنها موجودة في شعوبنا العربية، ولم يحل التعليم والثقافة ومحو الأمية تلك السذاجة، لأن الفرق واضح بين الوعي واللاوعي، وهذه الحالة من عدم الوعي هي التي أودت بفلسطين وبكل وطننا العربي الكبير، وهي ذاتها التي جعلت النكبة أكبر وأوضح وأشمل.

ماذا سأكتب عن النكبة، وأنا أرى نكبات متتالية في شعبنا الصغير، وشعوبنا العربية قاطبة، أرى النكبة الكبرى في سوريا وليبيا وتونس ومصر واليمن بلاد الربيع العربي القارس، أراها في المخيمات المعدة للاجئين الفلسطينيين والسوريين وتزايد أعداد اللاجئين في العالم الذين يعانون ويلات الحرب ويقاسون مرارة التشرد، أراها في الموقف الرسمي والفصائلي الفلسطيني حيال ما يجري للفلسطينيين في سوريا ولبنان، أراها في الحال المتردية التي وصل لها الأسرى في سجون المحتل، إذ لم تعد تؤثر في المحتل أي إجراءات، ولو مات الأسرى جوعا ومرضا، فمن سيحاسب إسرائيل؟؟
أراها في البهرجة الإعلامية، وفي التضليل السياسي الفلسطيني وتهديد إسرائيل في الانضمام إلى تلك المؤسسات الدولية الراعية لحقوق الإنسان سلما وحربا، وكأنها العصا التي تحاول دويلتنا الموهومة أن تضرب بها على رأس إسرائيل فتخضعها، وهي تعرف أن مثل هذه المؤسسات وتلك الانضمامات ما هي إلا هوشة في معمعة كبرى، لا تؤثر لا سلبا ولا إيجابا في صالح القضية الفلسطينية، حتى ولو ادعت إسرائيل معارضتها، فإسرائيل تريد أن تتعثر مسيرة السلام بأي شيء وبأي مناسبة لتزيد من إحباطنا، ولنقتنع أننا فعلا قد حققنا نصرا عليها، ونحن في نهاية المطاف نضحك على أنفسنا، إننا أشبه بعباس "أحمد مطر" الذي كان يغافل العدو ليخرج من الدائرة التي رسمها له من يسيطر عليه واحتلّ بيته، وهو في النهاية، لم يكن يضحك غير على ذاته الهبلة!!

أراها في حالة الفقر المدقع التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني نتيجة سياسات اقتصادية كارثية أفقرت الشعب وجعلت أكثر من ثلاثة أرباع الموظفين يعيشون رفاهية مزيفة، بعد أن استولت البنوك على معاشاتهم مقابل سيارة فارهة ومنزلا مشيدا بحجارة تغرس صاحبها في الطين!

ماذا سأكتب عن النكبة وأنا أراها تفرغ نكبات صغرى وكبرى في حياة هذا الشعب المقهور، فأصابه العفن والوهن؛ ففي كل شيء حدث ولا حرج، في الثقافة والتعليم والتدهور الحاصل فيهما، وشواهده رأيناها في المعرض الدولي للكتاب، ونشاهدها في مخرجات النظام التعليمي كل يوم.

حدث ولا حرج عن الوضع الاجتماعي المتفسخ نتيجة لهاث الكل وراء تحصيل لقمة الخبز، ولا يستطيعون إليها سبيلا إلا بشق الأنفس، المرأة تعمل والرجل يعمل، والأولاد في الشوارع، لا ألفة تجمعهم، ولا عائلة دافئة تحتضنهم، فقط يريدون مالا، فالمتطلبات أكبر من أن يستمتعوا بالحياة، فخرج أو سيخرج جيل بلا مشاعر ولا ثقافة ولا علم، وهذه هي النكبة الكبرى، جيل مفرغ من كل القيم إلا القيمة المادية، جيل مفرغ من قيمة المقاومة وكراهية المحتل، لأن القادة والساسة أقنعوه بالدليل الذي لا يقبل الشك أن المحتل هو أمّنا وأبونا ولولاه لن نحصّل القوت، وغدونا نشهد نوعا من التطبيع المخفي مع العدو، وشيئا فشيئا يصبح الأمر عاديا، بعد أن أفرغ الجيل من روح المقاومة وأصبح لاهثا وراء المتعة العابرة عبر التكنولوجيا الرقمية والصورة المحنطة هنا وهناك!!

ماذا سأكتب عن النكبة والنكبة الحقيقية ليست بضياع الوطن، إننا نشهد نكبة ضياع الإنسان المتسلح بحقه وبمبرر وجوده على هذه الأرض، هنا علينا أن نقف فنتأمل قهرنا وضياعنا وتيهنا الذي أكمل ستا وستين دائرة، مرشحة للتوالد إن لم نفق ونعد للثورة الشاملة، بدءا من الإنسان الفرد وانتهاء بهذا المنطق الذي يحكم حياتنا، يكفينا ست وستون طعنة!!


فراس حج محمد

ناقد وشاعر فلسطيني

من نفس المؤلف