نحتاجُ إلى مَوْتٍ أقَلّ

، بقلم طلال حماد

دَمُ القَتيلِ
نَبيدُ القاتِلِ
والكَأس مُرُّ
بَكَتْ دَمْعَةٌ
على وَجْنَةٍ بِلا وَجْهٍ
هل ذي صورَةٌ
منْ خيالٍ
أمْ خَبَرٌ
في صحيفَةِ المَذْبَحَة؟
بماذا يَتَغَطّى القَتْلى في الحُروبِ
عندما ينهَمِرُ المَطَرُ كالرَصاصِ مِنَ السَماءِ
أو عنْدَما يَشْتَدُّ البَرْدُ مِثْلَما يَشْتَدُّ الظُلْمُ
وَيَحْلُكُ في الأنْظارِ الظَلامُ
أو تَحْتَ حَرّ الهَجيرِ إذا ما الشَمْسُ اٌحْتَرَقَتْ
وَرَمَتْ مِنْ عَلْيائِها اللَهَبا؟
دمٌ ينزف من جبين المساء
من أطلق النار عليه؟
سأشرَبُ كأسَيْنِ
وأذْرِفْهُما
سأحتاجُ إلى البكاء
لأنِيَ حَيٌّ
وَلَمْ يَقْتُلَني غادِرٌ
في الحروبِ التي مَضَتْ
كَالغُروبِ عَلى الغَرْبْ
ولنْ يَقْتُلَني حاقِدٌ
في الحُروبِ التي
تُمَزِّقُ الشَرْقْ
أنا حَيٌّ وقَدْ رَأيْتُ دَماً يَنْزِفُ مِنْ جَبينِ المَساءْ
فمَنِ الذي أطْلَقَ النارَ عَلَيْه؟

سَنُغْلِقُ مائِدَةَ المُفاوَضاتِ على دمي
ـ قال القتيلُ
سَنَجْتَمِعُ بَعْدَ عَشاءِ الفَرْقِ
خَلْفَ المَقْبَرة
لِنَقْتَسِمَ التَرِكَة
ـ قال القَتَلَة
أليسوا واحِداً؟ سَألَتْ فَراشَةُ دَمِهِ وَطارَتْ
كُلُّهُمْ شُرَكاءُ
قالَتْ حَلاوَةُ روحِهِ وَلَمْ تَطْرِ
نحتاج إلى قتل أقلّ..
نحتاج إلى حياةٍ بدون خديعَةٍ
فالخديعَةُ حربٌ
والحربُ مَوتْ
ولِكَيْ نَنْجو
أقْتُلوا الحَرْبْ
نَحْتاجُ ـ كَمْ نَحْتاجُ
إلى مَوْتٍ أقَلّ
لم يتوقف القصف منذ أشهر عدّة.
لم يبق شيء لم يصبه الدمار.
لا يذكر قتيل البارحة بأنّ أحداً ظلّ على قيد الحياة.
احتار في أمره وتساءل: لماذا يستمر القصف؟
لم يكن قتيل البارحة الأخير
يعلم بأنّ جاره القتيل مثله، في وقتٍ سابقٍ على مقتلِهِ،
يمكن أن يسمع تساؤله،
حتى سمعه يقول: لأنّ أحداً من الطرفين لم ينتصر بعد!
في اليرموك يجتاحنا الموت
في اليرموك يحاصرنا القتلة
من اليرموك نخرج بحثاً عن نجاتنا
نلجأ كناجين من الموت إلى ما يُنْقِذُنا
يحضنُنا الموجُ في عُرْضِ البَحْرِ
يَضُمُّنا كأحبَّةٍ حتّى الموتِ
حتّى الموت
فلِماذا نَتْرُكُنا
في اللامكانِ
لِنَموتَ
في كُلّ مَوْت؟
لا نُريدُ شيْئاً منْ أحَد
خذوا مناديلَكُمْ
خُذوا تعازيكمْ
لا أحَدَ هنّا منّا يبكي
لا أحَدَ يَموتْ
هذه الشمّاعَةُ انْكَسَرَتْ
منْذُ زَمَنٍ
لا أحَدٌ منْكُمْ يَذْكُرُهُ
لا أحَدٌ منْكمْ يَعْرِفُهُ
أو يَعْتَرِفْ
بِما اقتَرَفْ
تَرفٌ مَوْتُنا
قَرَفٌ عزاؤكُمْ
خُسارَةٌ
وَمَبْذَرة
مَنْ أغْلَقَ باب الخُروجِ الآمِنِ
منْ أوسَعَ في باب المَقْبَرة؟
لم يَعُدِ القَتيلُ مَجْهولاً
لَم يَعُدِ القاتِلُ آمِناً
أمّا الأداةُ فهْيَ النِظامُ
والنِظامُ فَوْضى
تَتَعَثَّر
بِدَمٍ ما يَزالُ طازَجاً
عَلى وَجْهِ الصَباحِ
في العَتْمَة!!!!
حين سقطوا مضرجين بالدماء
لم ينزع الشهداءُ قمصانهم
فلمن كلّ هذه القمصان
المشرعة الآن
باسمهم؟
لم يُمسك أحدٌ بالقاتل
القاتل فصُّ ملحٍ في كأس ماءٍ ذاب
للقاتل شُرَكاء
اشتروا نصيبَهُ
وعلّقوا على نوافذهم قمصاناً ملطّخةً بالدماء
ـ دماءُ منْ؟
أحدٌ لا يَعْرفْ؟
دمُ البلاد ـ
وطالبوا بالقصاصِ من القاتل
قاتلٌ لا يعْرِفُ أحدٌ من
يختبئُ إنْ دقّقتم
تحت جلودهم
دمُ الشُهَداء
منهم براء
هؤلاء الشركاء
في اغتيال البلد
وزعيمُهُم سيُرشَّحُ نَفْسَهُ
مَرّةً أخرى
فلا تَنْتَخِبوه
حين أصابته الرصاصة الفاجرة وهوى
سمع من يصرخ فيه: ارفع إصبعك!
فرفع الوسطى وابتسم
كانت سبابته
قد انقطعت
في انفجار قذيفةٍ
في حربٍ سابقة!!!!
إلى قتيلٍ لا أعْرِفُهُ
لماذا قُتِلْتَ؟
إلى قاتِلٍ يَعرِفُني
أعْرِفُ لماذا قَتَلْتَني
فلا تَهْنَأ
سيَظَلُّ السَبَبُ
يُطارِدُكَ
إلى قتيلٍ لا أعْرِفُهُ
لم تُقْتَلْ خَطَأً
الرصاصَةُ فَقَطْ
كانَتْ طائِشَةً
إلى قاتِلٍ لا أعْرِفُهُ
لَوْ أعْرِفُ فَقَطْ
مَتى سَتَقْتُلُني
لأرَتِّبَ الفِراشَ
وأروي النبتاتَ على الشُرْفَةِ
وأكْمِلَ فِنْجانَ قَهْوتي
وأبولَ،
وأرتَدي مَلابِسي
وأخْرُجَ للشارِعِ
(في الشارِعِ سأكْتَشِفُ بِأنّني حافي القَدَمَيْنِ،
ولا أعْبَأ،
فَهَلْ يُهِمُّ أن أقْتَلَ مُنْتَعِلاً حذاءً أم حافي القَدَمَيْنِ؟)
سَيَذْهَبُ الجَميعُ إلى النَوْم
إلاّ القتلى من الأبرياء
فسيَجْتَمِعونَ اللَيْلَةَ
لِتَدارُسِ المَصيرِ
في غِيابِ الأحْياء