التواجد هناك (١٩٧٩)

دراما كوميدية حافلة بالمضامين!

، بقلم مهند النابلسي

("عندما لا امثل اصبح لا شيء"! بيتر سيلرز)

يعيش شانس (بيتر سيلرز) بالبيت الريفي لرجل عجوز ثري ومريض بجوار واشنطن، انه بسيط العقل والتفكير وقد عاش حياته كلها بهذا المنزل، حيث كان يعمل كحدائقي مطيع ومخلص، وتنحصر كل معرفته بالحياة بما يشاهده يوميا على جهاز التلفزة، حيث يقوم احيانا بتقليد الحركات ميكانيكيا ! وعندما يموت مستخدمه يجبرشانس على مغادرة المنزل واكتشاف العالم الخارجي. وبينما كان يتجول تائها بلا هدف مرتديا ملابس قديمة باهظة، يمر بالصدفة على محل بيع اجهزة التلفزة ويشاهد نفسه عبر كاميرا المحل يتراجع عندئذ مذعورا حيث تصدمه حينئذ سيارة فارهة يملكها رجل اعمال ثري اسمه راند(الممثل ميلفين دوغلاس)، وتبادر زوجته الجميلة ايف التي تجلس بالمقعد الخلفي (شيرلي ماكلبن) لتوصيله لمنزلها لمعالجة الرضوض البسيطة التي اصابته وللتعافي...حيث يقوم بشرب الكحول بالسيارة الباذخة لأول مرة بحياته، وتتوقع ايف من هدؤ تصرفاته وملابسه انه "رجل اعمال" من الطبقة العليا عندما تفهم اسمه بالخطأ...كذلك فهي تفسر أقاويله حول الحدائق والطقس وكانها حكم مجازية بليغة، ولا تفهم أنها تعكس واقع عمله البومي المتواضع!
هكذا يحوز بفضل صمته الغامض وأقواله المكررة على ثقة رئيس الدولة (جاك واردن) وتتحول مقولاته لحكم حياتية واقتصادية وسياسية ...ويتقدم "شانس جاردنز" الذي يصبح اسمه الرسمي ويصبح من مشاهير الاعلام والميديا والتلفزة، وتتم استضافته ببرامج الحواريات الاستعراضية المتلفزة ويقفز بسرعة لواجهة مجتمع واشنطن المنافق! ولكنه يبقى شخصية غامضة حيث لم تفلح اجهزة البوليس السرية (أف بي آي) بالاطلاع على ملفاته وتاريخه الحقيقي، كما ينال بسرعة اعجاب الرأي العام بارائه البسيطة المجازية المعبرة...

كما تحاول شيرلي ماكلي اغرائه جنسيا ولكنها لا تفلح لأنه يبدوكالطفل الذي يقلد الأوضاع التي يشاهدها على جهاز التلفزة! وقبل ان يموت راند بالأنيميا الحادة ينصح زوجته ايف بالبقاء قرب "شانس" والحفاظ عليه بالمنزل، وبجنازته الفخمة المهيبة وبينما كان الرئيس يلقي كلمة عزاء ووداع، كانت الاشاعات تدور بين الحضور حول فرصة نجاح شانس بأن يصبح خلفا للرئيس الأمريكي!

ونرى بالمشاهد الأخيرة شانس وهو يتجول بمهابة بأرجاء وممتلكات راند وحدائقه متمكنا من السير فوق البحيرة ماشيا وكأنه يحقق معجزة عصية على التفسير لابهار الحضور، وتبدوهذه اللقطات بالغة الدلالة وغامضة وكأنها تفسر معجزة وصول شانس لقمة الهرم السياسي والاجتماعي بتلقائيته وسذاجته "وكاريزميته" الغريبة!

وربما تركت هذه المشاهدالسينمائية الأخيرة بلا تفسيربقصد لكي تحرك مخيلةالمشاهد وتصيبه بالذهول والدهشة !
صنفت هذه التحفة السينمائية كواحد من أحسن مئة فيلم امريكي، ورشح سيلرز لجوائز الكرة الذهبية والاوسكار ولكن داستن هوفمان سرق الاوسكار منه بفيلمه اللافت "كرامرضد كرامر".

أبدع سيلرز و أشبي مع باقي فريق التمثيل واخرجوا عملا سينمائيا خالدا لا يفقد بريقه مع مضي عشرات السنين!