جمال الثورة..

، بقلم فؤاد وجاني

الثورة...كلمة جميلة براقة، والجمال حين ترى إشراق الشمس فتنطق جوارحك: يا الله! أو ترى وُريقات قد أينعت من تُويْج زهر أول الربيع فتبتسم وقد رضيت نفسك.

الثورة... تحمل بين ثناياها قلب الحرية النابض، ودما زكيا قانيا، وريحا من ريح الفردوس الأعلى، وتاريخا يذْكر أصحابها في مجلدات ذهبية. إنها نحت للذاكرة الإنسانية، قد لا يخلو من نرجسية وتفرد واستعلاء، بيد أن عاملين في صمت هناك، لا تصيبهم أضواء التاريخ الكاشفة ، يموتون مكفنين بالنسيان إلا عند مجز قد وعدهم أحسن الجزاء في دار البقاء.
فيها شاعرية الإنسان الحالمة تواجه واقعا قد صُنع بأيدي غرباء عن الأرض والإنسان. فيها تلاحم القيم بالعمل الصادق، فيها تتحرك الأفكار نحو ساحة النزال بين الحق والباطل، فيها تقطر الكتب ثانية لتصبح مدادا بشريا يسيل في الشوارع، وبها تصحو أبدان المفكرين الموتى المتقدمين لتغشى حية الطرقات، مهرولة تطرق أبواب السلطان: "الأفكار تتكدس في الرفوف، يعلوها الغبار، تأنفها الأنوف، لكنها لا تموت... إنا قد جئناك اليوم على مضض لاسترجاع عرش الشعب الذي علوته وحقه الذي نهبته".

إنْ حللنا كلمة الثورة في مختبرات الحكمة وجدناها مركبة من عناصر الثقافة والتنوير، وضخ دم جديد في حياة الشعب، وإعادة بناء الأرض، وإقامة ما اعوج بعد قرون الظلام. هي كموسم الحرث السابق لحصاد النهضة، شاق للأبدان الثورية، خلاله تتعرض للسجون والتعذيب والتضييق، مضن للفكر المتفحص لأركان الاستبداد، فيه تُجرب مناهج وتفشل، لكن العثرات لا تمنع خطى السائرين عن الإصرار على التقدم مسلحة بالسلم والإيمان نحو الهدف النبيل، والزرع بذور حرية لطيور لا تخشى فزاعات جهاز الاستبداد .

إنها جذوة من نور إلهي ، تُبعث إلى الغياهب كي تنقذ الإنسان من براثن الاستبداد، فمن يحمل وهج تلك الشعلة يحظى باسمه منحوتا في ذاكرة التأريخ، يصبح كزيوس، معلما خالدا للأجيال.

والفكر الثوري يكشف عن سيقان الاستبداد الهشة التي لا تستمد عروقها من الأرض إنما من الجشع والاستغلال ، متوكئة على عصى الاستعمار. هو فكر يثور على المسلمات والبديهيات، ويدعو إلى التحقق من صحتها، يرفض القضاء والقدر الظالمين للإنسان مادام الإله عادل، يمحص التأريخ المكتوب مفندا الروايات الرسمية المخطوطة بأقلام ديوان القصر، جامعا لرفات المنسيين، معيدا المجد للكتب المحروقة، ناشرا السطور الممنوعة.

هي صديقة الفقراء والمحرومين، خليلة المظلومين والكادحين، غريمة المستبدين. لا تًنسى مهما فات من زمن، ولا تُنسئ إذا أقبل الأجل. ليست عروسا كي تقبل بقفازات من حرير، إنما تحضر بسواعد العادلين.

باعثها القمع الماكث تحت سطح النفوس، المتراكم حتى الانفجار. لا تضرب موعدا ، ولا يتنبأ لها كهنة السلطان، فحروفها اشتقت من البطولة، وأصلها روح الطبيعة المتمردة .

فتيلها ظل متقدا عبر الأجيال، أحرق الظلم في الجبال والسهول، وفي عرض المحيطات، من عصر جوبا وأكسيل وفتوحات بن زياد وبن تاشفين ومقاومة جيش التحرير وأنوال عبد الكريم الخطابي إلى حركة العشرين من فبراير.
الله حر وكذلك الإنسان، وإنهم لقادمون بسلام ليحملوا الشعلة ويدخلوها آمنين. هم باقون ما بقيت الأرض، وسيُزيلون الاستبداد مهما بهظ الثمن.