حكايات أبي (٣)

، بقلم سعيد مقدم

البخل

بالأمس ولأسباب خاصة لم أزر والديّ؛
اليوم عندما دخلت البيت وسلمت عليهما، اعتذرت لهما.
قال أبي مبتسمًا: البارحة (غدت الغيبة للهامة)،
ثم قالت أمي: أبوك يمزح، لا نذكرك إلا بالخير.
فحمدت الله وشكرته. ثم طلبت منهما أن يأتيا معي إلى بيتي لتناول الغداء معًا، فقبلا دعوتي.
وعندما جلسنا في بيتي، بدأ أبي يحكي عن الماضي:

في تلك السنة، تزوج عاصي في قرية (العقلة) وهي إحدى قرى الجراحي.
لدى عاصي غنم كثيرة ولكنه بخيل...بخيل جدًا!
في ليلة زواجه تسلف (دشداشة) من أحد الجيران! لأن دشداشته خرقة بالية ولا تصلح لليلة الزفاف.
ثم في صباح عرسه أعادها إلى صاحبها.

وذات مرة زارنا فقير يستعطي؛ هذا أعطاه صوفة، وذاك أعطاه سمنة، وذلك حنطة أو شعير أو رز.
عندما دق هذا الفقير باب عاصي، اعتذر منه وقال:
لو جئت في الشهر الماضي، لأعطيتك؛ في هذا الشهر أنا (مكلوف). وكان يقصد أن تكاليف الحياة أتعبته.
ومن يومها عُرف بـ (المكلوف) في القرية.

لم يسمح لزوجته أن تشرب الشاي، الشاي الموجود في البيت له وحده فحسب.
فزوجته المسكينة تسرق حفنة من شايه وتخبئها في الخرائب، ومتى ما سنحت لها الفرصة تسللت إلى الخرائب وهيأت لنفسها شايًا وشربته هنالك بين الحشرات والنمل والأفاعي!
وقد تراها أم عاصي فتخبر ابنها (ليؤدبها) بسبب سرقتها!
وكانت طريقة تأديبه لها بالعصا والضرب على الرأس حتى تسيل منها الدماء!
في الغداء والعشاء والإفطار، يراقبها حتى لا تأكل كثيرًا، وقد ينبهها إن كبرت لقمتها أو أوشكت على الشبع.

ثم أطلق أبي آهة عميقة وتابع فقال:
اليوم جميعهم ذهبوا إلى رحمة ربهم، الله يرحمهم ويسامحهم ويغفر لهم.
ثم توجه صوبي وقال: الناس نفوس يا ولدي، لكلٍ نفسه:
منهم كريم، سخي، معطاء؛ يجود على أهله وعلى جيرانه وعلى الفقير والعائز.
ومنهم بخيل، شحيح، دنيء؛ لا يهون عليه شرب الماء.
ثم أنهي حكايته وهو يقول:
البخل نقيصة يا بني،
البخل ليس من شيم العرب؛
على العربي أن يكون أريحيًا، كثير العطية، لا يسد بابه في وجه سائل.

المكلوف: ليس من أتعبته تكاليف الحياة؛ إنما نقلتها مثلما استخدمها عاصي.