حواس تائهة

، بقلم زياد يوسف صيدم

ما ان وصل نهاية جريانه..والتحم بطريق الساحل الجميل.. وبدا له الازرق صافيا منعشا..هذا المتنفس الوحيد له حين تعصف بكيانه رياح تؤرق ماضيه.. وتوجع حاضره وتشل تفكيره..لكن شيء يعلمه علم اليقين قد الهب نيران قلبه فاستدار عائدا؟ ركن حصانه الحديدى جانبا وتابع سيره وسط زحام بشرى.. يمر بأشياء كثيرة تباع..وأيادى تلتقط وتشترى.. وأخرى تغادر متذمرة..ينظر..يتفحص اكداس من الهياكل مختلفة الاحجام والقوام.. لا يأبه بها.. يسترق النظر خجلا كمن يبحث عن بضاعة فلا يجدها..يكمل سيره..لا يشتم رائحة يعرفها ويميزها رغم الغبار المتطاير الذى يختلط مع رائحة العرق المنبعثة من تزاحم الاجساد فى أجواء حاره.. وهذا الضجيج فى رأسه والوجوه الكالحة الباهتة تثير اعصابه..يتسلل اليه القهر اكثر...يبدأ اليأس فى الانتشار فى طيات عقله.. يصر على المسير عبر هذا البحر المتلاطم من الاجساد المكتظة..وما تزال رائحة ذاك الشيء مختفية.. لم يشتمها بعد...يزداد الزعيق.. وتعلو اصوات الباعة.. يتنافسون على ترويج بضائعهم المكدسة على بسطات فى خيام مرصوصة..تتسع طبلة اذنيه اكثر وأكثر..فيسمع الاصوات والهمسات كأنها فى أذنيه.. يركز حواس الشم والسمع والبصر دون جدوى.. تبدأ حواسه الثلاثة فى الارهاق والتعب والنفور.. يصل نهاية السوق بصعوبة..يلتف بجسده المهموم عائدا.. يقف ليشعل سيجارته.. يفكر قليلا.. يقرر بان يقطع الطريق نفسها عائدا.. فقد يظهر له ذاك الشيء؟ لكن دون جدوى..يذوى رجاؤه.. يفقد احساسه بالأمل لأول مرة.. تتبعثر حواسه..وتغرق فى شتات الأفكار.. كأنه فقد اسباب الحياة فى تلك اللحظات الخانقة.. يسعفه شريط من الذكريات القريبة..كأنها تغاريد كروان فى بساتين الخيال.. فتلفحه نبضات قلب ما يزال يخفق مدويا يعلن صموده !!