كن شاعرًا... كن محاربًا جـودت عيـد

قراءة في كتاب منتصر منصور

في زمن يحتكر النفاق ويعتمد الفساد والبغض واستغلال الانسان لأخيه الانسان وغياب فكر حضاري ثقافي وقيادة اجتماعية، يحتاج الانسان بأن يقف أمام مواقف عديدة ويتعامل مع تداعيات عديدة لحالات من الفراغ والضياع المجتمعي ليستطيع البقاء. في زمن يحتاج أن يكون الشاعر فيه محاربا... يدعوك الشاعر منتصر منصور أن تحارب ولكن بمفاهيم مختلفة يضعها في ديوان "كن محاربا" الجميل التصميم والجذاب ونشير هنا إلى أنّ لوحة الغلاف من تصميم الفنان التشكيلي (محمد نصر الله) اللاجئ الفلسطيني في عمان، اصدار دار راية للنشر في حيفا لصاحبها الشاعر بشير شلش الذي عوّدنا على مستوى متميّز في اخراج العمل بشكل فنّي راقٍ.

اسم الشاعر يحمل دلالة النصر ليأخذك مباشرة إلى معادلة معركة ما... يشغله الوطن كثيرا وتشغله معاركه، كما انشغاله في الشطرنج، فوجدته في هذا الكتاب محاربًا متأهبًا لكن لم تكن الأرضية سوداء أو بيضاء... لقد كانت ملوّنة جدًا، بحضور وكرامة واحتفال لا ينتهي بالحُريّة. نرى في قصائد هذا الديوان تنوعًا من ناحية المبنى والأسلوب ونرى في بعضها مَواطن ضعف من مباشرة وصور متشابكة في جمل طويلة ولكن نرى مَواطن قوة في أخرى من حيث الرَّمزية والفكر الفلسفي. قصيدة "لستَ بشاعر" تأخذك إلى رمزية جميلة جذابة و"تثمل" كقارئ بالصور المعروضة، لكن أحيانا تنتزعك بعض الاستعمالات المباشرة من جمالية الكلمة وترميك في عرض تقريري مباشر يسلخ ذاتك ويسلخ الشاعر عن هُويّته، كذلك في "كن محاربًا" فبعض الصور المباشرة في الجمل الطويلة تُفقد موسيقى وشاعرية الّلوحة ولكن يكدّس الشاعرُ عيونَك بكمٍّ كبيرٍ من صور جذابة لحالة النصر والخسارة/ حالة أخرى من عالم "الشطرنج"! ونرى ذلك أيضا في "وشم على كتفي"، باستعماله مفردات ودلالات واسعة "أبخّر من محابر الوقت في أروقة الذاكرة".

في "أكذوبة العصر" هناك بعض مواطن السَّردية التي قد تشكل مصدر قوة ولكن في ذات الوقت قد تضعف المبنى وذلك لطول جملها "ليلي اكثر توهجا ورمادا في ظل القمر كنار أوقدها الغريب بعود ثقاب سلَّه من عباءة العتمة المطرزة حول خصر جدتي فسقطت كالغبار على نعل الحرية..."، لكنه يكثّف البعد الفلسفي في الحالة الشِعرية بشكل لافت للنظر كما في "حيّز من الموت": "الحياة هنا حيّز من موت كالحلم على وسادة الذاكرة" "للذاكرة هنا وشم الحاضر على كتف الغد". في "صالات الهيلكون" يوجّه الشاعر استفهاما بقدر ما يوجّه نقدًا، بقدر ما يوجّه فكرة وقولا واضحًا نحو محاولات التماهي والانسجام في الهيلكون" التي تمثل أحد جوانب السلطة، ومن خلالها يحاول أن يجد له مكانًا في عيون ذلك الآخر. انه بروح محارب، بروح تحدّ وجرأة يدعوك أن تكون من أنت، كما أنت وتفتخر بما لديك، لا أن تكون مستسلمًا ولا تعاني من التبعية أو التخاذل. "قف واحمل كل هُويتك وحضورك وتاريخك وانطلق" " من أنا في صالات الهيلكون؟! خروج عن النص/علكة تُمضغ/ من أنا في حضرة عدوّي؟" يخرج الشاعر من استفهامه ويعلن حضوره: "أنا ابن الزغرودة والزيتونة" "رائحة البارحة في الفجر". الكرامة حاضرة بقوّة... الوطن، الأنا، الكبرياء حاضرون هنا.
يشدّد الشاعر في "عنقاء تونس"، على مفهوم الحُريّة كما هو الحال في سياق كل الديوان، يحاول التّحرر من قيود معينة، يقلقه العدوّ، يجعل منه حالة مستديمة من التّحدي ويجعله في بحث لا ينتهي عن الحُريّة... "ليست الحُريّة اشارة مرور تنظم حركة السيّر هي الّلون الأبيض على جناح الغراب". كما نجد الحضور المكثّف للحُريّة والوطن والانسان في حالات انكساره ومواجهته وحالات انتصاره... لتشكل نهضته، "كن انت كبصمة اصبعك ولوّن الغد بريشة احلامك، كن للحلم طائرًا يحلّق بجناحيك".

في قصيدة "عربوش" نجد الّلونين الأسود والأبيض في ساحة المعركة "الشطرنجية"، قصيدة تروح ما بين المباشرة وما بين الابداع المتميز "لون حلمي أبيض... في سماء سوداء" أنا الـ- هُنا غدوت اتقن الحياة بصمت ألوان الغياب على لوحة أنا زيتها ولونها"... مليئة بالألوان لكنها تضج بالأسود والأبيض كحالة كلاسيكية في بقائنا وألعابنا ومعاركنا وأحلامنا...أما الأبيض (يشمل كل الألوان) أو الأسود بكل ما يشمله الّلون من حضور وهيمنة... حيث نراه مرة أخرى في "العنكبوت الأسود" ونجد معه القلم والممحاة أيضا في أكثر من قصيدة ولها تداعيات كبيرة تدعونا إلى التفكير بالعمق الذي يدعونا إليه الشاعر!

تعود الحُريّة مرة أخرى في "سقط الغراب"، بالأحرى لم تتركنا... "سيف يصدأ بدم الحرية النازفة من صدور رجال الوقت" ويأخذنا لأجواء معركة جديدة "وحش يسيّر شعبه إلى مملكة العدم" "يرتدي الأمل رداء الأميرة"...شخصيات "شطرنجية" في معركة يُلبسها "صدى الزغرودة" فيتداخل عالم القصيدة مع عالم المعركة..."هنا يخسر اللاعبون المحترفون قلاعهم فالجنود قمح الحُريّة، هنا يُعجن الغد حاضرا بدم البارحة كفكرة تحرّر من الأسر... هنا مات الشاه الأسود كأن لم يكن... فالحُريّة مجرى النهر إلى البحر". مرة أخرى في "أسطول الحُريّة" نرى الحُريّة وكأنها هَوس الشاعر، ويلبسها هنا دلالة جديدة ولونًا جديدًا وسجنًا جديدًا وموتًا جديدًا وحياة جديدة "ايّها البحر سعالك يورث الارض موتك حُريّة" "طفل وفتاة وشيخ يسقون البحر ملح عيونهم" "ليست الحُريّة مداد قلم الحُريّة دم رماده كلما نثرته اشتعل في عيون سجّانك" (مرة أخرى كما في مواقع أخرى في الديوان يعطي الشاعر تعريفا آخر للحرية).

يأخذنا الشاعر في "درس في الساديّة" إلى منطق معين لسيناريو مدروس وشخصيات وأدوار كما في المعركة التي فيها نجد الخاسرين والرابحين والمضطهدين والدبابات والأوامر وأغنياءَ الحرب. درس لطيف وفيه عبرة لافتة للانتباه وفيه شيء من الفكر السّاخر، رغم مباشرته وابتعاده عن الحس الشّعري. "لن تسقط يداي يا ابي" قصيدة كأنها تتماهى مع "أنا يوسف يا أبي" لمحمود درويش" ويحاول هنا الشاعر أن يتسع في رقعة الوجع الواحد، ومرة أخرى يجد للحُريّة مرفأ آخر في "وفاء الأحرار" "أيها المولود حرّا خذ حقك من العدم وقُصّ على الفلسفة سرّ الحكاية" "فنحيك للحُريّة بذلة الحُريّة" وصارت الحُريّة زوجة وحبيبة وانسانا وحلُمًا وكل شيء.

يلخص في قصيدة (كُنْ محاربًا) العناصر المركزية التي وردت في أغلب القصائد لتتحد هنا في جسد هذه القصيدة وتشكل لوحة كاملة لفكره، الذي يدعو إلى النهوض من الموت الذي تكرر في قصائد عدة بدلالات مختلفة وكأنه مفهوم الحالة التي نعيشها، ويأخذك إلى مفهوم شمولي أكثر اتساعا يدعوك من خلاله إلى ان تحارب وتنهض... فكن محاربًا لأجل قضية، معركة، وطن، تحدٍّ، مواجهة، فكرة... كل شيء. "وما الحياة سوى ندى النهاية/ يسقط على جناح الفراشة المُهجّرة بجميع الوانها" نرى هنا بُعدًا فلسفيا.../ أيّها المحارب كُنْ محاربًا واستمع لصدى الحياة/ كي تزهر الوردة من رماد العودة كُنْ محاربًا/ أيها المحارب كُنْ محاربًا وكُنْ للعلم محاربًا.../ أيها المولود على رمل الحلُم... كُنْ محاربًا"

"الليل أنهك الليل" يقول الشاعر ويعتمد ذلك المبني في سياق القصيدة ويقول "الحاضر أدمى الحاضر" ويلوّن النص بوصف حالة مضطهدة أخرى ولها "مخلب حلم يجرح نار البندقية" "للحكمة حقيقة واحدة ويدان ولعقارب الساعة حلُم كلّما سجنته، قتلته، نهبته، رفعت من حوله الجدار أفلتَ وحلّق بجناحين من نار"، ونراه يحضر جدّه وجدّته في القصيدة وكأنهما جذور ذاك الحلُم، وتجدر الاشارة أننا نراهما في قصائد أخرى خلال الديوان. يستمر في ذات النَّفس الشعري والفكري في "بنت الحُريّة" كما يبدو من تجربته كانسان وكسجين وكمحارب في روحه ليمنحنا مرة أخرى مساحة كبيرة للحلُم والحُريّة، كما ورد أيضا في "وردة نمت من جسدي" "جئت إلى جرح يغسل ثيابه بين يديك فتشت عن رائحتي في أحلام ترسو فوق جفنيك فنمت على جسدي وردة تودعني وبين يديها ذاكرة صور جلست على رصيف الالم كأني أسير البارحة". وكان لا بد أن نرى أخيرًا "يافا البرتقال" استعمال جذاب للعنوان، يقول "يافا تملأ من البحر دمعَ زهرة تنمو في الركام" أستطيع اعتبارها نشيدا مباشرا وكأنه أراد أن يكون قصرا قصيدة ليافا! منها يروح في "ربما هُزمت" إلى الاستنتاج والدخول إلى دائرة الواقع بكل موته وأسره واضطهاده وعدوّه وأحلام الساديّة وهامشيته... ليقوم في القصيدة الأخيرة في الديوان، "إنّا هُنا باقون"، بأمل حاضر قوي كما في كل قصائده، "أيتها الرصاصة الممتلئة بي أيها الموت العائم في دمي آن للحُريّة أن تصلي".

يعود الشاعر لينهي الديوان على صفحة الغلاف بمقطع من قصيدة "كن محاربا" ليلخص كل رؤيته وحساسيته وأمله وحلمه كانسان وكمحارب حتى النصر! كن محاربا... أيدعوني الشاعر المرهف الحساس أن أحارب؟! كن محاربا... ويحمِّلني الشاعر بوابل من كلمات وأغانٍ ويتكدّس الياسمين في مركّبات المواجهة... فأقوم وأحمل عِنبي وكرومَ الفرح وأحارب للمجد وأنهض بالكلمة للعلى... تحية لك الشاعر منتصر منصور، دمت بكل خير وابداع وانتاج حر...