هل يمكن أن نقتدي

بعصر النهضة الأوربية?

، بقلم محمد زكريا توفيق

النهضة الأوربية، أطلقت قوتين هائلتين، قامتا بتغيير العالم. الواقعية والفردية. مهما كانت صورهما المختلفة أو أماكنهما المتعددة، وجودهما يعني شئ واحد، هو سقوط ثقافة العصور الوسطى وبداية عصر الحداثة.

نظرية كوبرنيق التي تقول بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس، وليس العكس، غيرت تصورنا لهذا الكون، وقوضت ما تقوله الكتب السماوية عن مركزية الأرض وعلاقتها بالكواكب والنجوم.

اكتشافات فيسكو دي جاما وماجلان وكولومبس، لم تدع مجالا للشك في كروية الأرض، وحولت طرق التجارة من البحر الأدرياتيكي إلى المحيط الأطلسي. تدفق أنهار الذهب من أمريكا والأراضي المكتشفة حديثا، أفسح الطريق لظهور الرأسمالية.

اختراع الطباعة في ألمانيا، ساعد على تداول الأفكار، وساعد أيضا على تداول أسعار العملة وشيكات البنوك والنشرات التجارية. عائلات مثل: المديشي، فوجرز، وتشيجي، أقامت مراكزا للفنون في فلورنسا، أوغزبرج، وروما. تشجع التعلم وتدعم الفنانين والأدباء والشعراء والموهوبين، بالرعاية والمال والكلمة الطيبة.

الواقعية بالنسبة للإيطاليين، تعني نظرة جديدة بسيطة للطبيعة والعالم من حولنا، والعودة للحياة الهيلينية وافرة الثراء الفني والفكري.

زيوس أم يهوا، إيزيس أم ماري، شعائر وثنية كانت أم مسيحية، تآلفت كلها في إيطاليا المديشية، (نسبة إلى عائلات مديشي الحاكمة).

ابتسامة الموناليزا الغامضة لدافنشي، سهام كيوبيد الجارحة لرفائيل، مشاهد الطبيعة وأجساد جميلات البندقية العاريات، لوحات مايكل أنجلو أو أشعار أريتينو، كلها دلائل واضحة على أننا نشاهد ثورة عظيمة على قيم وأخلاقيات العصور الوسطى الراسخة.

في هولندا، ترجم الفنانون والشعراء الواقع إلى لوحات وقصائد، تصور الحاضر وتعبر عن الإنسان، بعيدا عن الكنيسة أو العقيدة. ثم سرت العدوى إلى دول الشمال، وتطورت إلى شعور وطني وثورة دينية. تقطع جل صلاتها بالماضي.

هذه كانت روح النهضة، التي كانت السبب في مولد الطبقة المتوسطة. جاءت لتمجد الفرد ولتعضد الثقة في قوانين الطبيعة. فبذغ نور العلم واستخدام العقل. إيذانا بسقوط دولة المطلق، واعتلاء سلطان فلسفة النسبي.

عصر النهضة الأوروبية والإصلاح، يمتد من عام 1350م إلى 1700م. خلال هذه الفترة، تم التحول من حياة العصور الوسطى إلى الحياة الحديثة. من السلطة الطاغية إلى الحرية.

هنا بدأ نبض الإحساس بالإنسان والإصلاح. في عالم العصور الوسطى، كانت قيمة الفرد مساوية للصفر، وكانت سلطة الكنيسة الكاثوليكية المطلقة، تمتزج وتعضد النظام الإقطاعي.

الإنسانية تعني التعبير عن الإنسان وعن النفس بالفنون والآداب. رفائيل ومايكل أنجلو ودافنشي، خرجوا على التقاليد المرعية الصارمة التي كانت تفرضها الكنيسة، وقاموا بالتعبير بفرشهم وألوانهم عن مجتمعهم وأنفسهم كأفراد. إراسموس ورابيلياس وميراندولا وفيسينو، كانوا نفوسا حرة، كالطيور البرية، لا يحجبها شئ عن التمتع بمباهج الحياة بكل أطيافها، والتعبير عنها بدون خوف أو وجل.

المنادون بالحرية والإنسانية كمذهب، حاولوا إعادة اكتشاف أسلوب الإغريق في الحياة. هذا يعني إعادة اكتشاف تراث الإغريق الثقافي. فبحثوا عن مؤلفاتهم في الفلسفة والعلوم والآداب، الزاخرة بالعقلانية، والتي يفوح منها عبق الحرية الشخصية.

لكن الحرية الشخصية لها مخاطرها بالطبع. منها: الضرر والإضرار والإفراط والفوضى والقسوة، إلخ. لكن، لابد من المحاولة. من حق الإنسان أن يخطئ لكي يتعلم من خطئه.

الحرية أفضل من الطاعة العمياء للسلطة. أفضل من تعطيل العقل والعيش في كنف الخرافت والخوف والجهل. أفضل من الأمان تحت مظلة نظام صارم فاسد مستبد.

أتباع الحرية والمذهب الإنساني، قاموا بدراسة اللغة اليونانية وتنقيح مخطوطاتها. قاموا أيضا بإنشاء نظام تعليمي جديد، مبني على آداب الإغريق والرومان القدماء، حتى يدرأوا عن كاهلهم إرث العصور الوسطى الثقيل من التعاليم الجامدة المتخلفة.

كان رابيلياس يقول: "بدون اللغة اليونانية، لا يحق لأحد منا أن يدعي أنه عالم". لكن محاولة إحياء لغة ميته، كان عملية منهكة للقوى، تستلزم الاهتمام بالقواعد والأصول والتراكيب. كانوا يعتبرون الآداب والفنون الإيطالية والفرنسية في ذلك الوقت، عبارة عن تعابير بربرية بالمقارنة بمثيلاتها الإغريقية .

إحياء اللغة اليونانية القديمة، هو إحياء للعظام وهي رميم. كانوا يعتقدون أن الآداب والعلوم اليونانية القديمة، هي أكثر حياة من ثقافة المجتمع المعاصر المليئة بالخرافات. في نظرهم، بعث أفلاطون أهم من بعث المسيح. كان إراسموس يقول: "أيها القديس سقراط، صلي من أجلنا".

أسطورة هيلين وحرب طروادة، أرقى عندهم من أساطير العهد القديم. كان الرهبان في إيطاليا يعظون في المناسبات الدينية بأشعار هومير. رهبان باريس، قاموا بترجمة كتاب "أوفيد" عن فن الحب.

أتباع الأفلاطونية الجديدة بقيادة ميراندولا (1462-1494م)، وفيسينو (1433-1499م)، قاموا بإحياء أفكار كليمينت وأوريجانوس، الخاصة بمزج المسيحية بالثقافة والفلسفة الإغريقية. كانوا يرددون أن الدين والعلم لا يتعارضان، وأن الدين والفلسفة متكاملان، بمعنى أن كلا منهما يكمل الآخر.

لورينزو ميديشي، الذي كان يحتضن هذه الأفكار، تتبع خطى جده، وقام باستبدال أفلاطون بأرسطو. ثم جعل لورينزو ميديشي مدينة فلورنسا بيتا للعلم والأدب والفن. هو ككاتب وفنان، أحاط نفسه بعباقرة عصره: مايكل أنجلو، غيرلاندايو، بوتشيللي، رابيا، فيروتشيو، بوليزيانو، فيسينو، وبيكو. كلهم، كانوا يأكلون على مائدته ويسبحون بحمده.

لورينزو ميديشي، هو أروع وأذكى حاكم مطلق في تاريخ فلورنسا. هو تجسيد حي للنهضة الإيطالية، في إطلاقها للطاقات الخلاقة والإبداع. كان مثل عامة الشعب. كريم ذو طبيعة منفتحة، يمكن الوصل له والتحدث معه بدون تكلفة.

كان يستسلم للعقل والحواس، وكان يحرص على إرسال السفراء لفحص مكتشفات مخطوطات الإغريق الجديدة. يقوم بمناقشة أفكار الفلاسفة الإغريق مع ضيوفه، وكان أيضا يشترك في رحلات صيد مع أصدقائه.

بوليزيانو، الصديق المفضل للورينزو، كان أحسن شعراء عصره، وأنجحهم في تقليد القدماء. كان أيضا خبيرا في اللغات القديمة مما جعله يتقلد وظيفة أستاذ اللغات اليونانية واللاتينية في جامعة فلورنسا. خلال هذا المنصب، قام بتطوير التعليم بصفة عامة واللغات بصفة خاصة.

فيسينو، أحد أصدقاء لورينزو، كرس جهده في ترجمة محاورات أفلاطون. لحسن الحظ، تمت الترجمة مع اختراع الطباعة. يختلف عن بوليزيانو، في أنه أفلاطوني حديث، أي من أتباع مدرسة أفلوطين الصوفية في الإسكندرية. ميراندولا وفيسينو وبوليزيانو، كانوا القوة المحركة للأكاديمية الأفلاطونية في فلورنسا.

في فرنسا، نجد رابيلياس (1490-1553م). صديق وتلميذ إراسموس. كان تعليمة في البداية دينيا مثل إراسموس. لكنه تحول عن الدراسة الدينية إلى دراسة الطب، ثم كرس وقته لنقد الخطاب الديني في عصره، مثل إراسموس وفولتير فيما بعد. أدخل دراسة التشريح في الجامعة قبل فيساليوس.

بعد ذلك، تم تعيينه مديرا لمستشفى بونت دو رونيه. كان يسمي الثيولوجيا، علم اللاهوت، ب نثنجولوجيا، وتعني حرفيا علم اللاشئ. وكان يصف الطقوس الكنسية بأنها طقوس وثنية.

بوديه، رونزارد، وهوتين، في ألمانيا. فالا وأدلوس في إيطاليا. كوليت وتوماس مور في إنجلترا، تكمل قائمة أعلام عصر النهضة، والمنادون بالحرية الفردية والمذهب الإنساني.

جهود هؤلاء في بداية القرن السادس عشر، كانت قد أثمرت. وتسببت في بداية العصر الحديث. العقل حل محل الوحي. العلم والمعرفة، كانا البديل للإيمان الأعمى بعالم المعجزات. لكن هذا التبدل من حال إلى حال، من العصور الوسطى إلى النهضة، لم يكن ممكنا بدون الثورة العلمية. لذلك، هي أيضا جزء لا يتجزء من عصر النهضة.

نبي عصر النهضة، هو روجر بيكون (1214-1294م). في القرن الثالث عشر، سبق الجميع ورفض الإيمان الموروث الذي لا يخضع للعقل والتحقيق. كتب يقول أن العلوم التجريبية هي الأصح بين كل العلوم. لأنها تحقق نتائجها وتصححها بالتجربة. إذا رغبنا في معرفة حقيقية، علينا بالعلوم التجريبية.

بعد ذلك، جاء كوبرنيق وفرانسيس بيكون (وهو فيلسوف إنجليزي وعالم رياضي غير روجر بيكون). كوبرنيق (1473-1543م)، لم يكتشف مركزية الشمس عن طريق الملاحظة والاستنتاج، وهذا شئ عجيب. ولكن عن طريق جنون أصحاب المذهب الإنساني بعلوم الإغريق والرومان.

كان أفلاطون يقول بأن العلوم الرياضية، هي سر هذا العالم. ربما أخذ الفكرة من فيثاغورث الذي كان يقول بأن الأرقام هي أصل كل شئ. سيسرو كان يقول بأن الأرض تدور حول محورها مرة كل 24 ساعة. أرستارخوس، العالم الإسكندري، كان يقول بأن الأرض تدور حول الشمس.

ما فعله كوبرنيق، هو الاستفادة من علوم الإغريق القديمة وعلماء الإسكندرية، وصحح مفهوم مركزية الأرض الشائع، الذي جاء في كتاب المجسطي لبطليموس القلوذي الإسكندري.

كوبرنيق، الفلكي البولندي، وجد أن ترتيب الكواكب بما فيها الأرض حول الشمس، يجيب على أسئلة كثيرة، لم يكن من السهل الإجابة عليها من قبل. من هنا جاءت نظرية مركزية الشمس.

تحقيق نظرية مركزية الشمس ودوران الكواكب حولها بما فيها الأرض، جاء عن طريق علماء وفلاسفة تجريبيين: كيبلر، ديكارت، إسبينوزا، واسحق نيوتن.

مركزية الأرض ومعها سلطة الكنيسة الطاغية، تلقيا ضربة قاضية لم يفيقا منها أبدا. مركزية الشمس، كان تأثيرها على الفكر الديني الثابت في ذلك الوقت، يماثل تأثير نظرية التطور لدارون، بعد ذلك بثلاثة قرون.

ثم جاءت هزيمة أخرى على يدي جاليليو (1564-1642م). في عام 1590م، قام بعمل تجربة الأجسام الساقطة من برج بيزا المائل. أعلن جاليليو الشاب، أنه سوف يلقي جسمين مختلفين في الوزن من أعلى البرج، وتنبأ بوصولهما معا إلى سطح الأرض. هذا يخالف ما نعرفه سابقا.

ماذا يعني هذا؟ يعني أن التجربة أثبتت خطأ ما كنا نعرفه نظريا بدون تجربة. التجربة يجب أن تأتي أولا، ثم بعدها يأتي الاستنتاج والنتيجة المبنية على المعادلات الرياضية. نتائج أعمال جاليليو كانت هائلة. قوانين حركة الأجسام، هي التي تشكل العالم. تتحرك بالنسبة للمكان والزمان.

تايكو براهي وكيبلر، بمعادلاتهما الرياضية وحساباتهم الفلكية، أثبتا صحة نظرية مركزية الشمس بدون شك. جاليليو بعد أن اخترع التليسكوب، اكتشف أن كوكب المشتري له أقمار خاصة به تدور حوله.

إذا كانت الأرض هي مركز الكون، لماذا لا تدور هذه الأقمار حول الأرض بدلا من دورانها حول كوكب المشتري؟ ألا يعني هذا أن مركزية الشمس هي الأصوب؟ التفكير يأتي أولا. ثم المعادلات الرياضية. بعد ذلك تأتي التجربة.

دعاة الحرية والإنسانية يرون أن خلاص الإنسان في العقلانية والقوانين الطبيعية. الإصلاح الدينيي ليس له مكان هنا. لأن الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر، ترك الغيبيات كما هي، وحول فقط سلطة البابا إلى سلطة الكتاب المقدس.

لكن حركة الإصلاح الديني لا يمكن فصلها عن روح النهضة. لأنها تمثل ثورة على سلطة الكنيسة المطلقة، وثورة على التعصب الأعمى والتجارة بالدين وفساد رجاله ومحاربة الخرافات. كان من رواد هذا الإصلاح، "هوس" و"ويكليف". كانا ليبراليين بالنسبة للإصلاح الديني، مثلما كان جون بول بالنسبة للأمور الاقتصادية وجاليليو بالنسبة للعلم.

الإصلاح الديني، هو مجرد تغيير لأسلوب طلب الخلاص. ميل البروتستانت لحق الاختلاف الديني، كان الأساس الذي بنيت عليه الديموقراطية. كل مسؤول عن نفسه. الاعتقاد بالديموقراطية له مخاطره. لكن البديل هو غياب الحرية وعدم قبول الآخر كلية.

الإنسان لا يحتاج لوساطة رجال الدين للوصول إلى الله. الإصلاح الديني، كما يقول راندال، عبارة عن تبسيط للعقيدة المسيحية، علاقة مباشرة بين العبد والرب، وإسقاط لقداسة كنيسة العصور الوسطى وسلطاتها الطاغية. لكن الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر لم يبدأ من فراغ. فقد سبقته محاولات ومقدمات.

كان فرانسيس أسيسي أثناء وعظه للناس، يبسط الإنجيل. وكان الصوفيون الألمان أمثال إيخاردت (1260-1327م) وجون تولير (1300-1361م)، يعضدون تجربة الفرد الروحية لمعرفة الخالق بعيدا عن الطقوس الكنسية. الخلاص يتطلب شيئا أكثر من مجرد طقوس وثنية.

بطل الإصلاح الديني قبل مارتن لوثر، هو جون ويكليف (1324-1384م)، الأستاذ بجامعة أكسفورد. كان ويكليف معارضا لسلطة الكنسية المادية وسلوك الرهبان.

سلوك الملك هنري الثامن الخطير، في تحديه لسلطة الفاتيكان، كانت له سابقة من 150 سنة، عندما شجع ويكليف الملك إدوارد الثالث على عدم الامتثال لأوامر وتعليمات البابا في روما.

الكنيسة، في رأي ويكليف، يجب أن يكون نشاطها تطوعي وأن تهتم بالوعظ والإرشاد، لا بالطقوس الوثنية. عبادة العادات القديمة وزيارة الأضرحة والأماكن المقدسة يجب أن تتوقف.

سلطة البابا المطلقة، هي مجرد اغتصاب للسلطة في البلاد المختلفة، الكهان ما هم إلا سياسيين طامحين. كما أن ويكليف قد أدان نظام الاعتراف وشراء الغفران بالنقود. الكنيسة كانت تمتلك نصف عقارات وأراضي إنجلترا كلها.

الإمتثال يكون لتعاليم المسيح لا للبابا. إذا كان لدينا مئة بابا وعدد لا نهائي من الكرادلة، فلا يهمنا ما يقولون إلا ما يوافق الإنجيل. ثم قام ويكليف بترجمة الإنجيل (العهد الجديد) من اللاتينية (نسخة فوجات) إلى الإنجليزية. هي أول ترجمة للإنجيل يستطيع عامة الناس فهمها.

أصبح الإنجيل المترجم أداة في يد عامة الناس. شجعهم على التمرد ضد الحكومة والكنيسة معا. كانوا يطالبون بحقوقهم بقيادة بول ووات تيلور. ثم ساروا في ثورة إلى مدينة لندن، وقاموا بحرق قصر دوق لانكستر. قام النبلاء بالإنضمام للرهبان في مقاومة الثورة.

بسبب هذه الأحداث، فصل ويكليف من جامعة أكسفورد بسبب آرائه. لكن السبب الحقيقي هو علاقته بثورة الفلاحين. لم يعدم ويكليف، لكن أتباعه تم تصفيتهم بنفس الطريقة التي أبيدت بها الجماعة الولدينيسية المسيحية في فرنسا في القرن الثاني عشر.

بأسلوب، "اقتلوهم جميعا عن بكرة أبيهم فالله يتعرف على عباده الصالحين". وهي إجابة السفير البابوي عند سؤاله عن كيفية التفرقة بين المؤمن والزنديق. ثم صدر قانون من البرلمان البريطاني، يجرم قراءة ترجمة ويكليف للإنجيل، وتم إحراق كل النسخ التي وجدت في حوزتهم.

الإستعداد للإصلاح الديني والتمرد على سلطة الكنيسة الكاثوليكية كان ناضجا في بوهيميا، كما كان الحال في إنجلترا. كان ذلك بقيادة جون هاس، أستاذ الفلسفة بجامعة براغ. أفكار هاس كانت منتقاه من كتابات ويكليف.

لكن هاس دفع ثمنا غاليا لهذه الأفكار. خطأه الأكبر، هو اعتقاده بأن السلطات سوف تحميه وتوفر له محاكمة عادلة. بعد رحلة شاقة استغرقت 18 يوما، لم يجد نفسه أمام محكمة ومحلفين يستمعون لدفاعه عن آرائه، لكن وجد نفسه في قبو مظلم في أحد الأديرة، حيث قضى هناك سبعة شهور بدون محاكمة.

طلبت منه السلطة الرجوع عن غيه ونقض أفكاره. لكنه لا يعرف ما هي تهمته وما هي هذه الأفكار التي تغضب السلطة ويجب أن يرجع عنها. بعد ذلك، أخذ لكي يمتثل أمام الامبراطور والأمراء والكرادلة ورئيس الأساقفة والأساقفة والقساوسة والرهبان.

عندما صدر الحكم عليه بالإعدام، سقط هاس على الأرض يبكي وهو يقول: "يا إلهي، إغفر لأعدائي". بعد ذلك، تم شلحه ووهبت روحه إلى الشيطان.

بينما كان يقف وعنقه مربوطا بسلسلة حديدية في عمود المحرقة، أعطي فرصة أخيرة للتراجع عن غيه. قال: "التراجع عن ماذا؟ لقد قلت كل ماعندي بصدق، ولم أخف شيئا من الحقيقة. اعتقدت أنني أعلم الناس التوبة والغفران وفقا لتعاليم السيد المسيح...أنا لست خائفا من الموت".

التمرد ضد سلطة الكنيسة مع تزايد الشعور بالقومية، يجعلان من السهل التنبؤ بالإصلاح الديني الذي قام به مارتن لوثر فيما بعد. بعد استشهاد هاس على المحرقة، الإخوة البوهيميون، كما كانوا يسمون، أسسوا دينا جديدا يلتزم بالكتاب المقدس بدلا من المؤسسة الكنسية.

يرفضون السلطة المطلقة للبابا، وكذلك صكوك الغفران، وإقامة القداس للأموات، وكل البدع التي تخالف الإنجيل. استمرت هذه الجماعة الدينية تحت اسم "الكنيسة المورافية".

أما الإصلاح الديني الذي أدى إلى شطر الكنيسة إلى كاثوليك وبروتستانت، فقد جاء عندما تحققت عوامل أخرى. منها النمو التجاري وانبعاث القومية الوطنية.

بذوغ عصر الرأسمالية، قضى على نظام الإقطاع. الثورة الدينية، كانت أداة الملوك والنبلاء في طلب الاستقلال عن سلطة روما. من هنا جاءت العوامل الاقتصادية والقومية. الاقتصاد هو المسئول الأول والأخير عن الإصلاح الديني.

يعتقد الكثيرون أن الديموقراطية والحرية الفردية قد أتيا كنتيجة للثورة الصناعية في القرن الثامن عشر. لكن الجذور الحقيقية للديموقراطية، كما يقول إيرنست سيزرلاند بيتس، نجدها في محاولات العودة للمسيحية الأصولية التي قامت بها الطبقات الفقيرة، وأشعلت بسببها ثورة الإصلاح الديني، التي انتقلت من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

فكرة الحكم الذاتي، جاءت إلى أمريكا عن طريق المهاجرين. فصل الكنيسة عن الدولة، جاء من المعمدانيين، حرية الرأي والحرية الفردية جاءت عن طريق البروتستانتي روجر ويليامز والكويكر وليام بين، المساواة التي جاءت في إعلان الاستقلال الأمريكي، جاءت من ممارسة الكويكرز للمساواة.

ويكليف، هاس، ولوثر كانوا أساتذة فلسفة. معارضتهم كانت معارضة أيديولوجية، وجودهم كان ضروريا لنجاح الإصلاح الديني. كما أن الإصلاح الديني كان يعتمد على عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية وسياسية.

فساد الرهبان والتجارة بالدين، وهما أيضا آفتي مجتمعاتنا الإسلامية، كانتا السبب المباشر في الثورة الدينية. جشع وفساد بعض باباوات عصر النهضة مثل إسكندر السادس ويوليوس الثاني، ضخم الإحساس بضرورة الإصلاح الديني وتغيير النظام البابوي.

ممارسة بيع المناصب الكنسية وبيع صكوك الغفران، وسياسة البابا في فرض إتاوات على البلاد الأوروبية الأخرى بالضرائب الباهظة أو ببيعهم صكوك الغفران، أدى إلى حالة عدم رضاء واسعة النطاق. استمرت لمدة قرنين في شمال أوروبا، قبل هبوب عاصفة مارتن لوثر الإصلاحية.

ما قام به مارتن لوثر، هو الدعوة إلى تحجيم سلطة البابا ورفض الطقوس الكنسية كوسيلة للخلاص. الخلاص بالنسبة للوثر، يأتي عن طريق الإيمان الشخصي والامتثال بما جاء بالكتاب المقدس.

من وجهة نظر القرن العشرين، النهضة والإصلاح الديني، لا يمثلان حركة كاملة، إنما عبارة عن مرحلة تحول من حال إلى حال. تأثير البروتستانت على العلوم والفلسفة والتعليم كان واضحا، بالرغم من إيمان لوثر بالغيبيات وعدم ثقته في العقل.

الإصلاح الديني وعصر النهضة، أفسحا الطريق إلى عصر الأنوار. لوثر وكيلفن، كانا ضروريان لظهور بيل ولوك. بالرغم من عدم اكتمال عصر النهضة، ونعته بالعنف وعدم التسامح، إلا أنه كان يمثل ميلاد فكر ديني جديد.

أما الحرية والديموقراطية بمفهومهما الحديث، فقد تركا لحركة الأنوار الفرنسية والإنجليزية. ثم جاء بعد ذلك في القرن التاسع عشر، عصر العلوم والنقد بدون خوف لثوابتنا وكل الأمور التي لها علاقة بحياة الإنسان.

ماذا أريد أن أقوله في هذا المقال، هو أننا نشبه الحالة الأوروبية أيام العصور الوسطى، قبل عصر النهضة والإصلاح الديني. نحن نحتاج إلى ثورة حقيقية وإصلاح جذري في الفكر الديني، تنتشلنا من قاع المستنقع الذي نخوض فيه حتى آذاننا.

قد ننتصر أمنيا على قوى الظلام والتطرف، لكن بذور الشر سوف تظل كامنة في قلب المجتمع، تتحين الفرصة المناسبة لكي تصحو لتنهش في جسد الدولة من جديد.

هذه المرة، كما تخبرنا نظرية التطور لدارون، لن نستطيع مقاومتها مهما حاولنا. مثل دودة القطن التي تكتسب مناعة من رش التكسافين، ومثل الباكتيريا التي تتحصن ضد المضادات الحيوية.

العلاج يكون بأخذ جرعات المضاد الحيوي كاملة غير منقوصة، بالإضافة إلى زيادة مقاومة الجسم الطبيعية. أي يجب عدم التهاون في معالجة هذه البؤر الإجرامية أو التاسامح أو التصالح معها بأي حال من الأحوال. أي يجب القضاء عليها بالكامل.

بالإضافة إلى ثورة حقيقية في الفكر الديني. لأنه يتعارض مع العلم والمنطق والعقل. فنحن نعلم جميعا أن الخطاب الديني لم يعد يواكب العصر. ملئ بالإسرائيليات والفكر الساذج المتخلف الكارثي والطقوس الوثنية. الإصلاح الديني ينادينا كما كان ينادي مارتن لوثر في عصر النهضة. فهل من مجيب؟