خارطَةٌ للفَرَحْ... عبد الناصر صالح

تَمُرّينَ، رغمَ انْتشار الحَواجِزِ،
حاوَلْتُ رَسْمَكِ خارطةً في فَضاءِ عُيوني
وسُنْبُلَةً تَتَفَتَّحُ في بَيْدرِ القَلْبِ
في قَطراتِ الدّمِ المُتَفَجّرِ مثل البراكينِ
حاولتُ رَسْمك شمساً تَبُثُّ الشُّعاعَ،
لتُرْضِعَ أطفالَها فوقَ ليلِ الحدودِ
وحاوَلْتُ،
كانَ سقوطُ الجَماجمِ
يَنْحتُ في الصَّخْرِ فَجْراً
وكَوْكَبَةً من تُراب الوطَنْ.
وأشهدُ أنّي أحبُّكِ
أشهدُ أنّي تداخَلْتُ في صَدْرك المَرْمَريّ،
بُعِثْتُ،
وكانَتْ على دَمِها الأرضُ تَرْقصُ
تَصْنعُ في الزَّمنِ الصَّعبِ
مُعجِزَةَ المُعجزاتِ
النّجومُ من الليلِ تَطْلُع
والعُشبُ يَنْبُتُ فوقَ السُّهولِ
سَنابلَ قَمْحٍ
سأنتظرُ الآنَ
أشْهدُ ميلادَ شمسِ الظَّهيرةِ
أفتحُ في البحرِ نافذةً
في السّماءِ مَداخل للفرحِ الغَضِّ
أنتظرُ الآنَ
في راحتي يُثْمِرُ اللَّوزُ
في جَبْهتي تَطْبعُ الأرضُ زَنْبَقَها
والرّياحُ مواعيدَها
كنتُ أعلنُ فيكِ ابتداءَ القصيدةِ
أبْعَثُ في ضَوءِ عينيْك سِرَّ اقتحامي
وأبْذرُ في روحكِ البِكْرِ
بارقَةَ الأملِ البِكرِ
قُلْتُ: الطَّريقُ ضميري إلى البحرِ
والحُلْمُ أجنِحتي
كُنْتُ أصعدُ من جَسَدٍ يَتَقَمَّصُ موتي
ويَقذِفُني خِلْسةً لنشيدِ الحجارةِ
يأخُذُني لنُضوجِ العبارةِ
أصعَدُ:
يَمْلِكُني النَّبْعُ والشَّجَرُ المتورّدُ
أخرجُ من جَسَدٍ يَتَقَمَّصُني
وأشيّدُ في البحرِ بوابةً للحياهْ.
* * *
تَمُرّينَ، رغم انتشارِ الحواجزِ
تَخْضَرُّ زَيْتونةٌ في عُبورِكِ
تورِقُ سُنْبلةٌ
يَتَراجع ظِلُّ الجنودِ على النَّهرِ
يَسْكُتُ صوتُ الرّصاصِ
فألتاحُ
أفتحُ للشّوقِ شريانَ عُمري
يُلاحِقُني الشَّوقُ
أدْخُلُ في الغَيْمِ، في المَطَرِ الخَصْبِ
( هل يَصِلُ الصُّبْحُ ؟
هل يَبْرَأُ الجُرْحُ ؟
هل تَتَجَمّع حولَ مُحيطِ السّماءِ الكواكبُ ؟ )
كُنتِ الهواءَ الذّي يَتَناسَلُ
في وَرْدَةِ الدَّمِ
تَخْتَصرينَ المسافةَ بين الصهيل
المدوّي بأوردتي والقصيدةِ
تنتشرينَ على ساحلِ الإنتظارِ،
أكاليلَ عِشْقٍ
وتَبْتَسِمينْ.
* * *
وحاوَلْتُ رَسْمكِ شارةَ نَصْرٍ
على حائط الرُّوحِ
قُلْتُ: العيونُ انْتمائي
وخارطتي جِسْمُكِ الأبديُّ على الشَّطِّ
والوَجْدُ من دَمِكِ الأرجُواني يَصْعَدُ
ينطفئ الحزن بين جناحيْكِ
قُلْتُ: وأطْلَقْتُ في أرضِ روحِكِ أغنيةً
للفَرَحْ.
* * *
وحاوَلْتُ رَسْمكِ في القَلْبِ زيتونةً تَتَمرَّدُ،
قافلةً تَتَوحَّدُ
مَوْجاً بذاكرتي يَتَجَدَّدُ
أشْهَدُ أنّي أحبُّكِ
ما بينَ وجهي وبينَ التّلالِ المُنيفةِ خارطَةٌ
قُلْتُ: كانَتْ على السّاعِدَيْنِ تَحُطُّ النَّوارِسُ
يَفْتَرشُ النَّهرُ أصدافَهُ،
يَتَفَتَّحُ في هدأة الماءِ زهر جفونك
يسبحُ
يَتَشَكَّلُ وَجْهُكِ في قَفَصِ الصَّدرِ
تُثْمِرُ أشجارُ خَدَّيْكِ
أشْهدُ أنّي اكْتَشَفتُكِ
لُغَةً محفورةً في دَمي
فاحْتَمَلْتُ،
تَسَلَّقَني الوَعْدُ
والمُدُنُ المُستَرَقَّةُ حَطَّت على الأرض خاتَمَها
كانَ وَجْهُكِ شجراً طالعاً في دَمي
قُلْتُ: وَجْهُكِ ذاكرتي
قُلتُ: أصْعَدُ
كَيْ أوصِلَ الوَجْه في الوَجْهِ
والجُرْحَ في الجُرحِ
والنَّبْضَ في النَّبْضِ
قُلْتُ: انْتَظَرتُكِ
صَوْتُك أغنيتَي
ـ هل غَرَّبَتْنيَ أوتارُ صَوتِكِ
أمْ أدْرَكَتْني الرُّؤى؟
* * *
ألا أيُّها العِشْقُ كُنْ زَمني
أيُّها العِشْقُ كُنْ غُرْبَتي.. وَدَليلي.