سوس الحالمة بامرأة جميلة

، بقلم مصطفى أدمين

من بار أبي نواس بفندق صحراء إلى بار روايال ومنه إلى بار أدرار، ثم إلى بار فندق آنزي في طايقه العاشر القريب جدا من سماء أكادير الليلية المثقلة بالنجوم الباهتة ومنه إلى بارات أخرى: الموريسكيون، لا بامبا، بار الكاياص، بار الأفغان المسمى كذلك بار المُصلّى؛ تلك هي الجولة الليلية للطبيب الطيب أزلماض بعدما ينتهي من خدمة مرضاه بمدينة بنسركاوْ.
الطيب في حالة الصحو قليل القامة والكلام؛ خدوم بالنية الصادقة لمرضاه وأسرته الصغيرة ومناضل قديم. ولكنه في حالة السكر رجل طويل الكلام والعضلات، ويظهر من خلال هدره الكلامي أنه أمّي إلى أبعد الحدود. بالكاد يتعرف فيه نديمه على بقية من الدكترة. وهو في حالة الهيجان، أمّي عالمي.
أنا عمر أمليل، المستخدم بمكتب الترجمة لمالكه الأستاذ عزالدين زايو بشارع مراكش، أنا الوحيد الذي يحترم في الطبيب الطيب تلك البقية من الإنسان عندما يستحيل إلى حثالة: أتجرّع كلامه في صمت وأصغي ـ بصبر النبي أيّوب ـ إلى شكاواه وأحلامه وعندما تنفد بطاريته، أستوقف له سيارة أجرة وأوصي به إلى بيته.
عرفته بتوصية من صديق مشترك لنا يقيم بالمحمدية. إذ قال لي:" أزلماض رجل يُعَوّل عليه. ستجده بسهولة فهو معروف عند ساكنة أكادير. قدِّمْ له نفسَك وقل له إنك من طرفي وسيقوم بالواجب". فوجدته بدون صعوبة في أول بار.
دخل وهو يترنح في قصره إلى بار أبي نواس في السادسة زوالا بالضبط؛ ساعة الهابي ـ آور وبين أصبعيه سيجارة أطول منه، ومعه رجلان مثمنان. فهرول إليه الجرسون العربي مصافحه مرحبا به وذاكرَه باسمه.
تقدمتُ مستوقفا إيّاه وسائله:
ـ الدكتور الطيب أزلماض؟
ـ أنا هو.
ـ أنا عمر أومْليل من طرف دانْ آبْ...
ـ كيف حاله؟
ـ بخير. هل تتفضل عليّ ببعض من وقتك؟
ـ بكل سرور.
اعتذر الرجلان للطيب وتوجها نحو الكونطوار وجلسا في مكان يبدو أنه مخصص لهما. واستدعاني الطيب إلى الجلوس حول طاولة حادرة مؤطرة بالنحاس المنقوش في ركن ضئيل الإنارة.
وجدتُ أن لدينا العديد من الأصدقاء المشتركين. وتعجب هو من كونه لم يعرفني من قبل حتى قلت له بأن مقامي في المحمدية لم يدم أكثر من سنة ومع ذلك كان غنياً بما قدمه لي أهلها.
عند البيرة الثالثة والنصف اقترح عليّ الطيبب أزلماض أن نذهب ـ بعكس عادته ـ إلى بار لابامبا حيث "العاهرات المحترمات". وهو ضمن صف من البارات: لوبانيي، الكدرة، وأنوال. وكلّها مطلة على ساحة توجد خلف متجر أوني بري الشهير بمقتل مواطن فرنسي بيد شاب مغربي في قضية "شرف".
الحمد لله، ففي أكادير عدد البارات لا يقل عن عدد المساجد. وبإمكان الذي أضاعته أوهام الأولى أن يلجأ إلى الثانية... أو العكس.
عندما قرعنا البيرة الحادية عشرة قام صديقي الجديد للرقص مع "المحترمات" على إيقاعات الأغاني الشعبية. ثم جاءني بواحدة في "جمال" مونليزا سوداء بثديين ضخمين وأقعدها بجانبي وهو يقول بلهجة البلد:
ـ أيْكا أمدّاكولْ إنو... يسماس عمر أوميل.
فشدت على يدي بيد مطاطية ومدت نحو وجهي شفتين تتسعان لثمان قبلات "طولا" وقبلتين ونصف "عرضا"، فتراجعت:
ـ يقول دان آب إنك شلح متفتح، قلت للسيد أزلماض، فردّ بصرامة:
ـ نكّي أشلح ولكنني لا أعرف ما إذا كان أجدادي البعيدين أمازغيين أم عرب، مسلمين أم يهود، لهذا دعني أقول لك... Je suis marocain et je suis fier d’avoir une culture richement diversifiée وكل ما أريد هو العيش بسلام. وما أريد الساعة هو الشرب والنسيان.
قالت المحترمة:
ـ أشكو من ألم فضيع بأسفل ظهري، أعطني دواء يا دكتور.
ـ إذا أردتِ الدكتور اذهبي إليه إلى العيادة... أنا هنا مجرّد رجل يشرب، ردّ عليها السيد أزلماض بفظاظة. فقامت من مجلسها محاولة جرّي إلى الرقص متى انطلقت أغنية للرايسة تيحيحيت الصغيرة. لكنني تشبثت بمجلسي.
رأيتُ في تلك الليلة في بار لابامبا رجلا ببشرة نحتتها الفلاحة وشموس سبعين سنة. رأيته يسحق بيد حجرية فرج فتاة في الثلاثين ويتلذذ. فقلت لصديقي:
ـ أرأيت ما يفعل هذا البني آدم؟
ـ لا تتدخل... أما رأيتها تصطبر على قوتها... ليس لك الحق في ما تنوي فعله، ولو فعلت، لحرضت الحاجة مديرة البار فيدوراتها أولائك وضربوك وطردوك...
رأيتهم أشرس من الكلاب الضالة في وقفة القوادة الذين عليها. وبالأخص واحد منهم بطول زرافة شاذة جنسيا وبعرض بقرة مجنونة.
ـ قد تظن بأنني هنا من أجل العمل والعيش ولكنني هنا لرصد أحلام سوس.
الواقع هو أن أزلماض لم يعر اهتماما لما قلت للتو. أو أنّه تأثر به لدرجة أنه أودعه سحيق لاشعوره ثم تناساه لسبب من الأسباب.
ـ تأخر الوقت، قال، في أيّ مكان تبيت الليلة؟
ـ أنا في فندق سندباد، قلت.
ـ طيب؛ سأراك لاحقا.
في ليلة أخرى وجدتني في نفس المكان معه وصديق له كتوم اسمه عبد الله إضكام وهو أستاذ جامعي يدرس مادّة التاريخ ولا يعير أيّ اهتمام لكتل اللحم النسوي الحائرة هناك والمبعثرة هنا. فيما راح الطيب أزلماض "يخوّرُ" هذه و"يبزّل" تلك، وفي الأخير يجرّ إلى مجلسنا ثريا تاكّاوْتْ المرعبة بأسنانها الأفقية البارزة ومنخاريها البغليين ووشفتيها الحماريتين وبشرتها المعزية.
حاول الطيب معانقة مؤخرتها فلم ينجح بسبب عظمتها من جهة، وبسبب قصر يديه من جهة أخرى فعالجها بصفعة جعلتْ يده تتورّط في شقّ المؤخرة لبضع دقائق.
ـ ما رأيك في هذه الغولة؟
تقزز إضكام من السؤال وهمس في أذني:
ـ أنا لا أحب النساء.
قال هذا وانسحب يحمل بيرّته إلى مجلس آخر قريب من صخب مكبرات الصوت ومطرب شاب مخنّث.
ـ ألا تقدّم لي صديقك هذا؟ سألتْ تاكاوْت.
ـ ليس لك ما تفعلين به، أجابها الطيب وهو يدسّ فمَه الصغير في فمها الأحمق.
ـ جرسون؛ ثلاث بيرات من فضلك؛ نادى الطيب بعدما نجح في استلال فمه من فمها.
الطاولة ملأى ومع ذلك زادنا الجرسون أطباق الحمص والكاوكاو والخيار المخلل والزيتون المنسّم بالبقدونس والفشار.
بعدما تعب الكوميسير أكايو من الرقص بين الكراسي الحمراء وقيء بعضهم، ارتمى على الكارثة السوداء تاكواوْتْ وشرع يسحق نهديها الضخمين فما كان منها إلا أن صرختْ تألما بدعوى أن نهديها "الفتيين" لا يتحملان سحق الساحقين. والواقع أنهما يقدران على مقاومة الرحى التي يهرسون بها بذور الآركان الصلدة؛ بل مقاومة حتى آلة الجرش Le concasseur.
فجأة يسقط الكوميسير بضربة من الطيب. يهرع الفيدورات لإسعافه ويستمر الطيب في الرقص وكأنه لم يفعل شيئا إلى أن أتى ذلك المرد ذو الكشمير المزيّف وجرجره خارج البار وهو يشنف أذنيه ببعض عبارات الاحترام والتحقير.
أنا عمر أومليل لا أتخلى أبدا عن أصدقائي؛ ولتعميم الفوضى، قلبت الطاولة وصفعت من صفعت فألقوني خارج البار على طريقة الكوبوي، ثم نفضواْ ملابسي وسوّواْ وقفتي وطالبوني بالرحيل.
لم يعلّق الطيب على ما جرى. نفض سترته ثم أشعل سيجارة وتوجّه نحو المنحدر المؤدي إلى الشارع. هناك، نادى على طاكسي واستسرعني للركوب رأسا إلى بار تيوبيبي المعروف بالقطعة السمكية التي يقدّم إلى زبائنه لتحريضهم على المزيد من الشرب.
ـ يمكن أن تستصدر لك شهادة طبية ب21 يوما ليتم اعتقال ذلك الفيدور اللعين.
ـ لا داعي لذلك فالحق عليّ، ردّ الطيب.
أعجبتني حكمته؛ فهو من شرب وسكر واعتدى على الكوميسير.
المكان ضيق لكن جميل. والموسيقى هادئة. إنه خولويو إيكلاسياس من كان يغني "أنتهن يا نساء..."
عند الساعة 12 بيرة ونصف، طلب الطيب قنينة نبيذ بولَعْوان. أراه يشرب في صمت ويفكر في أمر مّا. بعد حين، اغرورقت عيناه بالدموع. لم أحب أن أرى صديقي يبكي. تمنيت أن تتراجع عيناه عن سكب الدموع وأن يحدثني عمّا يبكيه بجرأة وصراحة. فجأة قال:
ـ صديقي أومليل... قد غدرت بي النقابة... والحزب... والأصدقاء... وزوجتي.
لم أعرف كيف أواسيه. الموضوع متشعب. أعرف أن المؤسسات تعود إلى أفراد وأن هؤلاء يخطئون، ولكن موضوع الزوجة شيءٌ آخر. قد تكون هي السبب في جميع أنواع أحاسيس الضياع. لذا قلت:
ـ زوجتك؟ فرد:
ـ تزوجتها تحت ضغط العائلة. هي ابنة عمّي. أنجبت لي طفلين ضعيفي البصر... قلت لهم بأن زواج الأقارب يورث الأمراض ولم يسمعوا لي...
ـ آه
ـ ماذا؟
ـ آه لو استطعت التحرر منها... ثلاثون سنة من التمني وأنا ما زلتُ أنفي نفسي في الخمور.
ـ الإنسان مجبر على الاختيار.
ـ ماذا تريدني أن أختار؟
ـ اختر ما تريد. فكر. قرر. حقق حلمك.
ـ حلمي؟... حلمي... امرأة تضيء بجمالها الروحي والجسدي العتمة الساكنة في روحي... لما سأجدها سأتوقف عن الشرب... سأسافر بعيدا وأبني حياة جديدة...
ـ والأطفال؟
ـ لقد كبروا وباستطاعتهم تدبّر أمورهم... أريد أن أستريح.