عودة حسن لشهب

كل خطوة يخطوها في اتجاه الحرية تصبح عبارة عن جمرات تحرق قدميه... يلتصق الجلد الدامي بالأحجار، جوانبها المسننة تمزق لحمه، تفتح مسارات لسيلان الدم مدرارا...
مع كل خطوة فوق التراب ينتابه شعور بالارتياح... تختلط الدماء بالتراب فتغدو عجينا يلتصق بالجراح... يصبح مانعا لها من السيلان.

يتوسل لبقايا إرادة جريحة ويناجي نفسه، لا أريد أن أنسى... أريد أن أحيا لأتذكر...

لكأنه ساع لاسترداد شيء عزيز ضاع منه...

ويصر قائلا "مؤكد أنني لن أنسى"

لأكثر من عشرين سنة عاش أسيرا ، قضاها مع رفقاء حولهم السجانون إلى عبيد، تفننوا في إذلالهم وكسر عزيمتهم.
يجمع قبضة يديه بعزم ويواصل السير، "مؤكد أنني لن أنسى".

كانت الزنازين عبارة عن غرف طينية ضيقة وخانقة. تملؤها روائح البول والغائط، ونتانة أجساد متسخة؛ بل هياكل آدمية توشك على الهلاك جراء الهزال والجروح غير المندملة والقمل الذي يتغذى على ما تبقى فيها من حياة.
كائنات لم تعد تملك من شيء بارز غير اللحي والشعر الكثيف، ونتوءات العظام في كل مناحي الجسد. يخال من رآهم أنهم موتى خارجون لتوهم من القبور، يبدون في سيرهم إلى حيث يجبرون على العمل وكأنهم في يوم الحشر، ولا يتوانى حراسهم عن ضربهم والبصق عليهم وكأنهم ينفسون عن حقد دفين تراكم في قلوبهم قرونا خلت.
مؤكد أنهم ليسوا بشرا، وليس بإمكانهم أن يكونوا كذلك...

يواصل السير... يمزق الأفق بعينيه...

وحين يجن الظلام، لا يسود شيء آخر غير الصمت والظلال المخيفة، وموجة برد قارس.
الريح الباردة تفسح لنفسها الطريق بين الأشواك والأحجار. بالنهار تظهر كائنات وبالليل تخلي الفضاء لأخرى لا مرئية تسمع لها أصوات تملأ الذات رعبا وخوفا.

يتذكر الأرانب المختبئة في مغاراتها، دافئة متعانقة فيما بينها، وكل ذكر يحتضن أنثاه نائما قرير العين في مأمن من كل شر.

تذكرها حاول استعادة ملامح وجهها، وصور أبنائه... تعذر عليه ذلك... أطرافه متجمدة من شدة التعب، والإنهاك...
يشعر بالبرودة لأنه جائع، ولأنه وحيد في العراء،

يشعر بالبرودة لأنه منهك من شدة الجوع،

منهك إذ لم يعد يملك غير ذكريات قديمة لم تعد كافية لتعطيه القوة للأمل في الغد.
وحتى فكرة الدفء لم تعد تشعره بالدفء، فنام...

نام وكأنه ينفلت من وطأة ما يشعر به من ألم ووحدة، وعزلة، وخوف، كل شيء إلى زوال ولا يبقى غير ذلك الإحساس المدمر باليأس القاتل.

توقظه الأصوات مبكرا... ويواصل السير... كل خطوة تدمي القدمين...
تدمي القلب...
تفتح جراح الذاكرة...
لم يعد يطيق الانتظار....
يزداد الأمل مع ظهور ملامح مركز المراقبة الحدودي، تظهر ملامح الراية الحمراء ونجمتها الخضراء مع أولى أشعة الشمس...
يخاطبها مناجيا،
يتذكر صورة أبنائه...
أنا عائد يا أحبائي
افتحوا نوافذ البيت عسى أن تداعب أنفي روائح الدفء...
عساكم تسمعون صياحي...
عساكم ما تزالون بالانتظار...
عساني أجد بينكم مساحة للدفء
والأحلام...