مُشْكِلَاتُ تَدْرِيسِ عِلْمِ الصَّرْفِ

، بقلم محمد جمال صقر

مُقَدِّمَةٌ

وكثير من مشكلات تدريس علم العروض هو من مشكلات تدريس علم الصرف، وإنما تقدم بتقدم حدوث العروض في الشعر؛ إذ تُغالب الشاعرَ دندنتُه ولحنه ليخرجا في كلماته وجمله.

ولولا فضل الشعر على اللغة ما حُكِّم ترتيب أعمال الشاعر في ترتيب أحداث المشكلات؛ إذ هو عصبها المشدود الذي يهتز لكل سر دفين، وبيانها المقطر الذي يشتمل على بوح شجي.

ولا ريب عندي في اتحاد علوم العربية في إهاب ثقافتنا الواحدة، بحيث إذا اختل منها علم تداعى له سائر العلوم بالاختلال والاضطراب. ولكن الذي حَمَلَ الأطباءَ على تمييز أجهزة جسم الإنسان الواحد وتقاسم النظر في خصائصها ونتائجها ومشكلاتها، يحملنا على تمييز علوم الثقافة الواحدة.

ولا أدعي الإحاطة بالمشكلات إلا ما عانيته أو انتبهت إليه أو نبهت عليه، وهو كذلك منقسم على الكتاب (المقرر) والمدرس والطالب والمؤسسة التدريسية (الإدارة)، وإن تردّدتْ بين الأقسام الأربعة بعضُ المشكلات؛ فلم تنحصر في أحدها.

فإذا وجدت المشكلة قد سبق نظري فيها حتى لم يَبقَ مِنْ قولٍ، أحجمت عنها مقتصرا على ذكرها، إلا أن يعن لي فيها وجه جديد، فأتعلق به، وأجلي عنه، وأنظر فيه حتى أحكم عليه، والله المستعان!

مِنْ مُشْكِلَاتِ الْكِتَابِ (الْمُقَرَّرِ):
عَدَمُ اسْتِلْهَامِ وَاقِعِ الْحَيَاةِ
ربما عجز مؤلف كتاب المقرر من علم الصرف؛ فأخلد إلى نَقْلِ وَحْشيِّ الكلمات عن الكتب القديمة -ولا يَتحمَّلُها غيرُ وَحْشيِّ الطلاب- ولو اقتصر من صيغ الأبواب المختلفة على ما تتعلق به أحوال الحياة الواقعة لاكتفى به، واستغنى عما يَسْتَوْحِشُ منه الطلاب، ثم يزيد المدرس من يستزيد، أو يَدُلُّه على ما يزيده.
عَدَمُ تَوْظِيفِ مَصَادِرِ الْأَدَبِ

إذا اشتمل الكتاب على نصوص مصادر الأدب التي تتضمن أمثلة المقرر من صيغ الكلمات، استقرَّتْ في وعي الطالب أهميتُها، وتَعلَّقَ في استعمالها بأن يكون مثل أصحاب تلك النصوص من الأدباء -ولا غِنَى بالكتاب عن إغراء الطالب- ثم كان ما فَصَّلْتُهُ بمقال توظيف مصادر الأدب في تدريس اللغة العربية، مِنْ أَثَرٍ كبير وجَدْوى ظاهرة.
إِهْمَالُ السِّيَاقَاتِ النَّصِّيَّةِ الشَّارِحَةِ

ما أكثر الصيغ التي يجوز أن تصنف كلماتها في أكثر من قسم من الأقسام الصرفية -صيغة "فَعِل" مثلا، يجوز أن تكون اسما وفعلا وصيغة مبالغة وصفة مشبهة- حتى إذا وضعت في سياقاتها النصية الشارحة تميزت، وانتسبت؛ فخَلَصَتْ لقسم واحد. ولا ريب في توفية ذلك بتوظيف مصادر الأدب، فأما إذا لم تُوظَّف فلابد من تخيُّل مثل تلك السياقات الشارحة.
الِاسْتِهَانَةُ بِالْإِمْلَاءِ وَالتَّشْكِيلِ وَالتَّرْقِيمِ

لن تزال الكتابة أعجز من التحدث عن الوفاء اللغوي، ولاسيما كتابة مثل اللغة العربية من اللغات الكبيرة التي تفرقت بأهلها كثيرا لهجاتُهم؛ فإن للُحون اللهجات لَسَطْوَةً بوجوه ضبط الصيغ، حتى ليستحيي كثير من العلماء -ويخطئون- من نطق بعض الكلمات صحيحة الصيغ، خوفا من نفور الناس وسخريتهم -ومن هذه الكلمات مثلا: "حِضْن"، و"حُنْكة"، و"مُلَاءة"، و"حِمَّص"، و"فُجْل"...- فيستقر لها ضبط غير ضبطها، فيضطر مجمع اللغة العربية إلى إجازة الخطأ، من حيث كان الخطأ الشائع عنده، خيرا في سياسة عطف الناس على اللغة العربية، من الصواب المجهول! ولولا الاستهانة منذ كان كتاب المقرر الأول، بالإملاء والتشكيل -وهما أَعْمَلُ في الضبط الصرفي منهما في الضبط النحوي- وبالترقيم، ما جهل الصواب حتى عُودِي!
إِهْمَالُ كَلِمَاتِ الْمَجَالِ الِاشْتِقَاقِيِّ

في مثل اللغة العربية من اللغات الاشتقاقية، تَتَوَلَّدُ كلمات كثيرة مختلفة الصيغ من أصل معجمي واحد، مثلما يتولد أولاد الأسرة الواحدة؛ فتأتلف بهذا الأصل إذ تختلف صيغها، مثلما يأتلف أولاد الأسرة الواحدة بإرث أَبَوَيْهِم إذ تختلف شخصياتهم.

وكما نحتكم في تقدير الولد المجهول الشخصية إلى سُمْعة إخوته (نسبه)، نحتكم في تقدير صيغة الكلمة إلى كلمات مجالها الاشتقاقي الذي تحتشد فيه هي وكل ما شاركها في أصلها المعجمي؛ فصيغة "فَعِيل" -ومنها: عَلِيم، وكَرِيم- مثلا، يجوز أن تكون صيغة مبالغة في اسم الفاعل، وأن تكون صفة مشبهة؛ فإذا اشتمل مجالها الاشتقاقي على اسم الفاعل -ومنه "عَالِم" لـ"عَلِيم"- كانت صيغة مبالغة فيه، وإلا كانت صفة مشبهة، كـ"كَرِيم" التي ليس في مجالها "كَارِم"، ولا اعتبار لشذوذ اللهجة المصرية بـ"كَارِم"!
إِهْمَالُ كَلِمَاتِ الْمَجَالِ الْمُعْجَمِيِّ

لم تنخلع صيغة الكلمة في إبداع صائغها الأول من صيغ أشباهها ولا من صيغ أضدادها؛ فلا تنخلع منهما في اعتبار مؤلف كتاب المقرر من علم الصرف. وبنظام كلمات المجال المعجمي مع نظام كلمات المجال الاشتقاقي ثبتت عند العَقَّاد شاعرية اللغة العربية التي بنى عليها كتابه "اللغة الشاعرة".

وما أكثر ما عجز الصرفيون عن تصنيف صيغة كلمة؛ فلجؤوا إلى ما تَصَنَّفَ من أشباهها أو من أضدادها، فأجروها مُجْراه؛ مثلما فعلوا بكلمات صيغة "فِعْل" بمعنى مفعول، كـ"حِجْر"، و"ذِبْح"، و"فِرْق"، و"نِكْح"...؛ إذ سلكوها جميعا في مسلك اسم المصدر!
عَدَمُ التَّنْبِيهِ عَلَى الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْمُشْتَبِهَاتِ

ليس أَدَلَّ على إخلاص المؤلف وحرصه، من استطراده إلى ما يقارب صيغة الكلمة الحاضرة أو يلابسها، من صيغ الكلمات التي لا يلقي لها طالب علم الصرف بالًا، ولكنه ينتفع بها مِنْ وقته زِيادةَ بَيانٍ، ثم يعرف بعدئذ قيمتها الكبيرة.
وهل ألطف من الاستطراد إلى تشابه "بَطِرَ، يَبْطَرُ، بَطَرًا (تَكَبَّرَ يَتَكَبَّرُ تَكَبُّرًا)"، و"أَشِرَ، يَأْشَرُ، أَشَرًا"، المترادفة وزنا ومعنى، واشتباه "لَبَسَ، يَلْبِسُ، لَبْسًا (أَغْمَضَ)"، بـ"لَبِسَ، يَلْبَسُ، لُبْسًا (ارتدى)"، المختلفين وزنا ومعنى!
مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمُدَرِّسِ:
عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الصَّرْفِ وَعِلْمِ الصَّرْفِ

ربما جعل المدرس يردد ما حفظ من تحليلات بعض الصرفيين، فإذا سأله الطالب في شيء منها فَكَّر وقَدَّر ثم أنكر واستنكر، فقال هكذا يحللون الظاهرة؛ فاحفظ ولا تسأل! فلا يحفظ، وإذا اختبره لم يسلم من مؤاخذته. ولو كان سأله عن صيغ الكلمات ودلالاتها وأشباهها وأضدادها وغيرها، لأجابه وأحسن!

ولكنه لا يميز الصرف (وجود صيغ الكلمات الطبيعي)، من علم الصرف (منهج البحث عن طبيعة تكوُّن صيغ الكلمات، المفضي إلى ضبطها بقواعد ثابتة متحكمة)؛ فيقضي بخطأ هذا الذي لا مفر منه، على صواب ذاك الذي لا يعبأ به!
عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ عِلْمِ الصَّرْفِ وَالتَّصْرِيفِ وَالْمِيزَانِ

قد نَبَّهْتُ على مفهوم علم الصرف، فأما التصريف فهو تطبيق علم الصرف، وأما الميزان الصرفي فهو كَشَّاف التصريف الذي يختصر بكلمة واحدة كلاما كثيرا؛ فإذا أصاب الطالب وزن الكلمة دل على علمه بتصريفها من حال إلى حال، وإذا أخطأ دل على جهله بذلك. ولو أحسن المدرس لوقف الطالب على فرق ما بين العلم وتطبيقه وكشافه؛ فعرف دِقَّتَه وواقعيَّتَه وجَدْواه، ونَشِط له، وفَرِح به.
عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ تَصْرِيفِ التَّأْسِيسِ وَتَصْرِيفِ التَّخْفِيفِ

تثقل مسائل تصريف التخفيف (الإعلال والإبدال) على الطالب كثيرا؛ فإذ تَوَهَّمَ أنها كلُّ ما يستحق عنايته من علم الصرف أو أَهَمُّ ما يَدْرُسُ، غَمَّهُ ذلك، وصَدَفَ عن علم الصرف جُملة!

أما إذا عرف أن مسائل تصريف التخفيف إنما هي طوارئ، وأن التعويل في صياغة الكلمات إنما هو على تصريف التأسيس (تكوين الكلمة)- فلا ريب في إقباله، وثباته، وصبره، وتجريبه.
عَدَمُ مَزْجِ اللَّفَحَاتِ الْعِلْمِيَّةِ بِالنَّفَحَاتِ الْأُسْلُوبِيَّةِ

ليس آسر لانتباه الطالب إلى الأفكار العلمية الصرفية، من بيان أحوالها الأسلوبية في استعمال الفنانين؛ إذ تكتمل عندئذ دائرة وجودها التي لم تكن مكتملة، ويحق الاستيعاب.
من ذلك إذا كان في تمييز جَمْع "فَاعِلَة" على "فَوَاعِل"، مِن جَمْع "فَاعِل" على "فُعَّل" أو "فُعَّال"، أن يذكر من قول الفرزدق:
وَإِذَا الرِّجَالُ رَأَوْا يَزِيدَ رَأَيْتَهُمْ خُضْعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الْأَبْصَارِ
أنه اختار "نَوَاكِس" جمع "نَاكِسَة" على "نُكَّس" جمع "نَاكِس"، إمعانا في الدلالة على انكسار أبصار الرجال في حضرة يزيد!
إِهْمَالُ الِاسْتِطْرَادِ إِلَى أَمْثِلَةِ الْوَقْتِ الْمَشْهُورَةِ

وليس أشد إقناعا للطالب بالفكرة العلمية الصرفية، من أن يجد أثرها في الحياة من حوله؛ إذْ يُوقِن بجدواها، ويعترف بأهميتها، ويجتهد في استيعابها، ويحرص على استعمالها.

من ذلك إذا كان في صياغة مُضعّف الرباعي المجرد، أن يذكر مادة "خَصْخَصَ، يُخَصْخِصُ، خَصْخَصَةً؛ فهو مُخَصْخِصٌ"، التي ملأت الدنيا حديثا وشغلت الناس وما زالت، كيف وَلَّدَها المحدثون من "خَصَّ، يَخُصُّ، خَصًّا؛ فهو خَاصٌّ"، كما وَلَّدَ القدماء "زَلْزَلَ، يُزَلْزِلُ، زَلْزَلَةً؛ فهو مُزَلْزِل"، من "زَلَّ، يَزِلُّ، زَلًّا؛ فهو زَالٌّ"!
إِهْمَالُ التَّدْرِيبِ وَالِاخْتِبَارِ الْمُنَاسِبَيْنِ

وماذا في شرح المدرس، إن لم يَحْمِل الطالب على تطبيقه على مادة أخرى، وكأنه سيشرحه مثلما شرحه! أم ماذا في شرح المدرس وتدريبه، إن لم يختبر الطالب اختبارات متتابعة على منهج شرحه وتدريبه، تزيده انتباها إلى طبيعة ما شرحه له ودَرَّبَه عليه، ويقينا من أهميته وجدواه!

كيف ومِنْ مناهج بعض أفذاذ المدرسين أن ينطلقوا أحيانا من تكليف الطلاب واختبارهم، أَمَلًا في أنهم إذا فعلوا ذلك ثم شرحوا تمكن الشرح من استيعابهم أحسنَ تَمكُّن!
إِهْمَالُ التَّعْلِيقِ عَلَى نَتَائِجِ التَّدْرِيبِ وَالِاخْتِبَارِ

ألا ما أشبه المدرس الذي يكلف الطلاب أن يجهزوا مثلما جهز، ويختبرهم فيما شرح ودرَّب، ثم لا يجلس للتعليق على ما عملوا، فيُصوِّب أو يخطئ، ويُحسِّن أو يُسوِّئ، مُتحبِّبًا غيرَ مُتبغِّض- بمن استهلك في الرَّقْمَنة (الحَوْسَبة) نفسَه، ثم لم يحفظ ما رَقْمَنَ (حَوْسَبَ)؛ فكان "كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةً أَنْكَاثًا"، يذهب عملُه أدراجَ الرياح، هَباءً منثورًا، وهو يَنظُر، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
مِنْ مُشْكِلَاتِ الطَّالِبِ:
الِاسْتِهَانَةُ بِالضَّبْطِ اللُّغَوِيِّ اسْتِمَاعًا وَتَحَدُّثًا وَقِرَاءَةً وَكِتَابَةً
كيف لطالب نشأ على الاستهانة باللغة العربية الفصحى والسخرية منها، أن ينقلب في حضرة علم الصرف فجأة عربيًّا سَويًّا، يفرح بضوابط الصيغ، ويسرع إلى تحصيل موادها من الكلمات، ويَلْهَجُ باستعمالها، كما يفعل بكلمات اللغة الإنجليزية!

وهو لو كان اتَّحَدَ في وعيه التفكيرُ والتعبيرُ العربيانِ الخالصانِ، واتصلَتْ شؤونُ الماضي والحاضر والمستقبل، وأعانتِ البيئةُ- إذن لَتَلَقَّى الأفكارَ العلمية الصرفية على بَصيرة، فإذا هي هَمُّهُ وسَدَمُهُ وشُغْلُه الشاغِل!
التَّهْوِينُ مِنْ شَأْنِ الْحَرَكَاتِ

إذا كانت الحروفُ قد استقلت بالجذر المعجمي الكامن في بواطن مجاميع الكلمات المؤتلفة المختلفة، فإن الحركات قد اسْتَوْلَتْ على تَوَجُّهَات الكلمات الظاهرة المُتحكِّمة في استعمالاتها؛ فلا يجوز للطالب أن يستغني بضبط الحروف عن ضبط الحركات، ويستثقلها هي ومَنْ تَحَرَّى ضبطها، حتى تصير عنده شِعارَ الثِّقَل، ليصير العَبَثُ بها خَبْطَ عَشْوَاءَ شِعارَ الخِفَّةِ!
الْخَلْطُ بَيْنَ الزِّيَادَاتِ وَالْأُصُولِ

لو تَأَنّى الطالب المُخَلِّط لَوَقَفَ على الحروف الباقية المستمرة -فجعلها أصول الكلمات المؤتلفة المختلفة- وعلى الحروف الزائلة المنقطعة؛ فجعلها زيادات على أصول الكلمات. ولو تأنى مرة أخرى لوقف على ارتكاز عمود المعنى في باطن ذلك الأصل، وتعلُّق شُعَب المعنى بهذه الزيادات.

ولو اطَّلَع الطالب المُخَلِّط على شَبَه هذا الخلط بين الزيادات والأصول، بالخلط بين جوهر الإنسان وأحواله- لوقف على فظاعة ما يرتكبه، وشناعته، وبشاعته!
إِهْمَالُ الْفُرُوقِ الْيَسِيرَةِ بَيْنَ الصِّيَغِ الْمُلْتَبِسَةِ

يستسهل بعض طلاب علم الصرف تعميمَ بعض الصيغ؛ فيُدخل فيها ما ليس منها، استهانةً بما بينها من فروق يسيرة، ولا يدرون ما ينشأ عن ذلك من تضييع المعاني الصرفية!

من ذلك خلطُهم أبواب الفعل الثلاثي المجرد؛ فإذا باب النصر باب الكرم، كما في نطقهم الفعل "شَعَرَ": "شَعُرَ"- وإذا باب الكرم باب النصر، كما في نطقهم الفعل "سَهُلَ": "سَهَلَ"- وإذا باب الفرح باب الضرب، كما في نطقهم الفعل "حَمِدَ": "حَمَدَ"!

ولو عرفوا أن صيغة "فَعَلَ" مَرْصُودة للأعمال الحركية، وصيغة "فَعُلَ" مَرْصُودة للطبائع الثابتة، وصيغة "فَعِلَ" مَرْصُودة للأحوال المستمرة- لكرهوا الخلط الذي يُضيِّعُ عليهم مثل هذه الفروق المعنوية اللطيفة!
عَدَمُ الِاسْتِعَانَةِ بِتَصْرِيفَاتِ الْمَادَّةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

لو حضرت الطالبَ تصريفاتُ مادة "ر، ق، ب" المختلفةُ، ما خَطَرَتْ له في اسم فاعل الرَّقَابة كلمة "مُرَاقِب"؛ إذ "مُرَاقِب" هو اسم فاعل المُراقبة، فأما اسم فاعل الرَّقابة فهو "رَاقِب"! ولو حضرته تصريفاتُ مادة "ح، ب، ب" المختلفةُ، ما خَطرَتْ له في اسم فاعل الحُبّ كلمة "مُحِبّ"؛ إذ "مُحِبّ" هو اسم فاعل الإِحْباب المهمل من الاستعمال، فأما اسم فاعل الحب فهو "حَابّ".
عَدَمُ الِاسْتِعَانَةِ بِتَصْرِيفَاتِ الْكَلِمَاتِ الْمُشَابِهَةِ عَلَى الْكَلِمَةِ الْحَاضِرَةِ

ينبغي لطالب علم الصرف العربي أن يحمد الله كثيرا على نعمة هذه اللغة الشاعرة؛ إذ يستطيع كلما صَعُبَ عليه تصريفُ كلمة -ولا سيما أن تكون مُعتلّة أو مُضعّفة- أن يقيسها على شبيهاتها -ولاسيما أن تكون صحيحة سالمة- فكثيرا ما تجري مجراها.

من ذلك جَمْع "كَفِيف" الذي يظنه أكثر الطلاب "أَكْفَاء" مثل "أَجْزَاء"، وهو "أَكِفّاء" مثل "أَصْدِقَاء"؛ فلو ذَكَروا أن كلمة "كَفِيف" كـ"صَدِيق"، على وزن "فَعِيل"، الذي يجمع على "أَفْعِلَاء (أَكِفّاء=أَصْدِقَاء)"، لا "أَفْعَال"، وأن كلمة "أَكْفَاء" ككلمة "أَجْزَاء"، على وزن "أَفْعَال"، الذي يجمع عليه "فُعْل (كُفْء=جُزْء)"، لا "فَعِيل" وما أشبهه- ما تَلَبَّثُوا في تمييز بعضهما من بعض!
إِهْمَالُ حِفْظِ الْأَمْثِلَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُتَكَامِلَةِ

وأنى للطالب أن يراعي ذلك كله إذا كانت حصيلته من متن اللغة العربية مثل هواء النُّفَّاخة إذا شِيكَتْ تَمزَّقت بَدَدًا! ألا إنه لمفتقر إلى أن يَتملَّأَ منه بما يتحمله، ولو لم يجد غير أن يمر في طوايا "لسان العرب" لابن منظور و"الوسيط" للمجمع المصري، لوجب عليه أن يفعل؛ فكيف والكلام العربي جَنَّةُ متن اللغة الفَيْحاء، يَتفيَّأُ منها ما لم يخطر للمُعْجميّين ولا المَجْمعيّين ببال، ثم يكون أَسْبَقَ به إلى الصواب مِنَ المُحتكمين إلى قواعد علم الصرف!
مِنْ مُشْكِلَاتِ الْإِدَارَةِ (الْمُؤَسَّسَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ):
عَدَمُ الْبَحْثِ عَنْ ذَوِي الْمَهَارَاتِ التَّدْرِيسِيَّةِ

وهل تَخَلَّفْنا عن رَكْب التقدّم إلا بغفلتنا عن حُسْن المُتاجرة بالتدريس؛ فلا نحن بقينا على نظام المساجد -إذ يمر الطالب في المسجد على شيوخ الأعمدة، فمن جذبه منهم انجذب إليه مختارا غير مضطر- ولا تَحقَّقْنا بنظام المدارس؛ إذ يبحث المدير عن أمهر المدرسين، ويغريه حتى يغرى!
قَبُولُ انْتِقَالِ الطُّلَّابِ غَيْرِ الْمُؤَهَّلِينَ

لقد صار من الأعراف غير المكتوبة، أنه إذا انسلك طالب في صف دراسي تَداولَتْه الصفوفُ وتَتابعَتْ عليه ولم تَفْرُغ منه حتى يَفْرُغ منها، وإن لم يتميَّز لديه بعضُها مِن بعض؛ إذ يُسوِّي بينها الضعفُ والإهمال! ولو توقفتْ فيه ولم تستمرَّ له لَانْصَرَفَ عنها إلى ما هو أنفع لنفسه وللناس.
حَصْرُ الْمُدَرِّسِ وَالطُّلَّابِ فِي التَّجْهِيزِ لِلِاخْتِبَارِ

ربما مَرَّ مُديرٌ أو مُشْرِفٌ، فاستثقل تدريس مدرس ماهر؛ فتكلَّف تنبيهه على التزام ما سيختبر فيه الطلاب حتى أَفْسَدَ عليهم ما كانوا فيه من نشوة التفكير وطرب الإبداع!

ولو صَرَفَ تكلَّفَه إحراجهم إلى مؤازرتهم ومشاركتهم، لَحَظِيَ منهم ببذور العظماء القادمين، الذين يَنهَجون المناهج، ويُذلّلون المصاحب، ويَقْهَرون المستحيل.
عَدَمُ تَجْهِيزِ مَكْتَبَاتِ الْفُصُولِ وَشَبَكَاتِهَا

ومن سنن الحق -سبحانه، وتعالى!- الثابتة اقتران الضعف المتزايد على الزمان بالتِّقَانة المتطورة؛ فكلما ضعفت قدرة الطالب على التحصيل أَنْجَدَتْهُ وسائلُ حفظ المعلومات واستحضارها المتطورة، حتى لم يَعُدْ مقبولا أن تَخْلُوَ منها فصولُ الدراسة، بل فيها تَتنافَسُ المؤسساتُ التدريسية، لِيتفرَّغ المدرس والطالب لتحليل هذه المعلومات وتركيبها وتقويمها، غيرَ مكروبين بتحصيلها.
عَدَمُ تَوَاصُلِ الْمُدَرِّسِينَ

ما أكثر ما تَتعدَّدُ الآراءُ في المسألة العلمية الصرفية، أو تَختلفُ مناهجُ التحليل! ولا يمتنع أن يميل مدرس إلى بعضها دون بعض. وربما أملى لنفسه في السخرية من الآراء أو المناهج الأخرى -وهذا شَطَطٌ ذَميمٌ- ولم يدر أن عليها بعض زملائه وكأن ليس في الدنيا غيره؛ فانتقل ذلك إلى الطلاب، واستمرَّ بهم وأفئدتُهم هَواءٌ؛ فتَمكَّن منهم، وشَغَلَهُم عَمَّا هو أَجدَرُ بهم!
عَدَمُ تَوَاصُلِ الطُّلَّابِ

وما أكثر ما يذهل بعض الطلاب عن بعض الأفكار العلمية الصرفية، أو ينجذب إلى بعضها دون بعض، مَيْلًا مَأْثُورًا، أو عَادَةً غَالِبَةً! ولو لم يكن له من زملائه من يُذاكِرُه في المسألة بعد المسألة لَبَقِيَ على فهمه الناقص مثلما بقي العميانُ الذين صادفوا فِيلًا، ثم سئلوا عنه؛ فوصفَه كُلٌّ بما لَمَسَه منه، وليس الفيلُ أَيًّا مِنْ ذلك، ولكنه ذلك كُلُّه!
عَدَمُ تَوَاصُلِ الْمُدَرِّسِينَ وَالطُّلَّابِ

ولو حَضَّرَ المدرسُ دروسه لِطالِبٍ واحد لكفاه ما يتوقع أن تَجولَ فيه أسئلته؛ فأما أن يُحَضِّرَ لكلِّ طالبٍ فإنه لا يكفيه شيء، وهذا منتهى الاجتهاد فيما لا ينتهي!

ولكنه لن يكون حتى يتفق المدرسون والطلاب جميعا على مُلتقًى سَواءٍ، يسودهم فيه أَدَبُ التعلُّم، ويقودهم فضلُ العِلْم؛ فلا يكون فيهم أستاذٌ إلا العالمَ المعلِّم -وإن كان أحدَ الطلاب- ولا تلميذٌ إلا الجاهلَ المتعلِّم، وإن كان أحدَ المدرسين.


محمد جمال صقر

الدكتور محمد جمال: أكاديمي وناقد أدبي مصري

من نفس المؤلف