حكايات أبي (٤)

، بقلم سعيد مقدم

اليوم وجدت أمي تخبز، وأبي يساعدها.

هي تلصق الخبز على جدار التنور وتخرجه بعد أن يستوي، وهو يرفع غطاء التنور لها.
وأثناء الخبز كانا يبعثران بخواطر شبابهما.

طلبت من أبي أن يستريح، وأخذت دوره في رفع الغطاء، بل وأخرج الخبز من التنور أيضًا.
وبعد أن انتهت عملية الخبز، أكلنا خبزًا حارًا سمسميًا وتمرًا لذيذًا من يد الوالدة الكريمة.
ثم بدأ أبي يقص لي حكاية أبي عمير:

(أبو عمير)

لم تمطر تلك السنة...محل وجفاف،
فصمم أهل قرية (العقلة) أن يهاجروا جميعًا إلى الفلاحية. تلك المدينة الخضراء بنخيلها.
وأبو عمير شيخ كبير السن؛ ليست له زوجة ولا أولاد.

اقترحوا عليه أن يبقى في القرية يحرس أسقف الدور من السراق.
سألت أبي: ولماذا السقف دون غيره؟!

أجابني: تُبنى الدور في ذلك الزمان بالطين، والطين يوجد في كل مكان، ولا قيمة له.
ولكننا كنا نستخدم الـ (بواري) والـ (چندل) في الأسقف، وكنا نشتريها من الأسواق؛ وهي التي تتعرض إلى السرقة إن هاجر أهل الدار وخلت البيوت من سكانها.

ثم عدل كوفيته وامتد نظره من باب الحوش المفتوح إلى نقطة بعيدة في الشارع وتابع حكايته فقال:
عندما شدينا الرحال وسارت الحمير والبغال بالأثاث والأطفال، تذكر أبي أنه نسي مغزله في إحدى الدور،
وأمرني أن أرجع لأجلبه له.

كنت آنئذ ابن التسع سنوات أوالعشرة.

لم نكن قد ابتعدنا كثيرًا عن القرية، لكنني كنت خائفًا من الرجوع إليها، وكأني لم أكن ساكنًا فيها قبل دقائق!
أردت أن أرفض أمر أبي لولا خوفي من غضبه وعقابه؛ ولولا خوفي من أن يتهمني أترابي بالجبن.
فركضت نحو القرية يلازمني كبريائي الذي يرفض الجبن من جهة، وخوفي الذي كان يعتريني من جهة أخرى.
حين أقبلت على دارنا، تسارعت دقات قلبي، وتراءى لي الجن والوحوش وكأنهم مختبئون في الحجرة ينتظرون قدومي ليمسكوا بي! أغمضت عينيّ ...دخلت الحجرة وخطفت المغزل وهربت راكضًا أحتمي بأهلي وأعمامي مما كان يخيفني في القرية المهجورة.

وحين وصلت إلى القوافل وأعطيت المغزل لأبي، تنفست الصعداء.

بقينا خمسة أشهر في الفلاحية، وكان أبو عمير في هذه الفترة الطويلة يحرس البيوت وحيدًا.
يطحن الشعير بالرحى ويخبزه ...ثم يأكله بالتمر.

عند عودتنا إلى القرية، أعطينا أبا عمير أجرة حراسته:

قليلًا من التمر والقمح والرز الأحمر الذي كنا نسميه (تمّن الدورق).

وسألناه عن حياته خلال غيبتنا وكيف أمضى هذه المدة وحيدًا فأجاب بفخر وتباه:

خلال هذه الشهور الخمسة، لم أر إنسيًا قط؛ كنت (أنا والنجوم).

چندل: أخشاب قوية، تستخدم في بناء أسقف البيوت ويقال لها شندل أو کندل.

بارية: جمعها بواري وهي نوع من الحصير المنسوج من شرائح أعواد القصب وتسمى منقور في بعض الدول العربية