الدبكة الريفية والعزف

على المطبك في ذاكرة الماضي

، بقلم نايف عبوش

من المعروف ان الدبكة العربية تجري بحركتها البدنية على ايقاعات عزف المطبك، وهو ناي خشبي مزدوج من القصب، يعلوه لساني مزمار من القصب الرفيع ايضا تعرف شعبيا ب(الطنانة)، تثبتان بإدخالهما في النهاية العلوية لكل قصبة من الناي، وهما تصدران الصوت عندما يقوم العازف بنفخ الهواء عليهما من جوف فمه، وهو يكزهما بشفتيه باحكام مع نهايتي قصبتي الناي العلويتين.وقد تميز الفولكلور الريفي الفطري خلال فترة الخمسينات ، بالعزف على المطبك بأداء مدهش، وبإيقاع مؤثر جدا في وجدان المستمع، ولاسيما اولئك العازفين ممن منحهم طول النفس، بالإضافة الى مهارة ألانامل عند مداعبتها ثقوب قصبة الناي في العزف ،حرية التنقل بين اطوار العزف المختلفة بمرونة عالية، فتشكلت بذلك الاداء المتميز حقا، ظاهرة عزف إبداعية مرافقة لفن الدبكة،هيمنت بشكل واضح على ساحة هذا النوع من الفن الريفي الشعبي.

وفي شباب ايام زمان كنا نستمع إلى ايقاع صوت الناي المتميز في الدبكات الريفية بشتى المناسبات ، ونطرب لأداء المغني الريفي وهو يؤدي على وقع انغام الناي العذبة في ذات الوقت أغنياته الشعبية بألوانها الطربية منها، والشجية، بمفردات حلوة، من نظم تراثي منقول، او مما اعتاد ان يقوله هو بتلقائية في اللحظة، مما تجود به عليه يومها قريحته المتوقدة، وخياله الخصب،الذي الهمه كل ذلك الحس المرهف، ومكنه من استيلاد مفردات بعض اغنياته في لحظة انقداح ومضتها في وجدانه كلما الهب الحال مزاجه آنذاك، حيث ينقل أحاسيسه المرهفة التي عاشها في تلك اللحظة لجمهوره، غناء بصوته،وحركة في دبكته، وعزفا بنايه المزدوج، الذي طالما اعتاد ان يصنعه اغلب العازفين بيدهم من نبات القصب ، فيشدهم اليه ليعيشوا معه تلك المشاعر بتفاعل وجداني مرهف،بما كان للمغني الريفي من قدرة على انتقاء المفردة بعناية، وما تميز به من اقتدار مدهش في أداء نغمة العزف لكي تلائم المناسبة،وتهز الوجدان.

ولطالما كان مطرب الريف المرهف الحس، يؤدي عزفه على الناي بطريقة متميزة عندما كان يعمد الى ان يتنقل بأيقاعته الشجية بين الوجع والفرح بتوافقية عجيبة، تزيدها اهاته المتجانسة مع الحال متعة بالغة عندما تمتزج بأنين ايقاع نايه الساحر،وخاصة وانها تأتي مجسدة لتجليات ارهاصات معاناة حقيقية لواقع حال بيئة ريفية جمعية مكتضة بالإيحاءات،فتلهب حس جمهموره،وتشدهم للاستمتاع في تلك الفترة عندما لامست مشاعرهم بصدق ،وتحسسوا فيها ذاتهم المتوجدة، فبات المطرب في اوساطهم علامة فارقة في فن العزف على المطبك، والغناء على ايقاعاته،ولعل من بين ابرز من اشتهر في هذا الفن، وذاع صيته بين الجمهور هو الشاجي عبد المجيد من ريف اطراف جنوب الموصل.
وكبرنا..وتسلل ذلك الصوت الغنائي الرخيم للكثير من مطربي الريف، المتواشج مع صوت نايه الشجي الى دواخلنا بسكينة،فاستوطن اعماق ذاكرة تلك الايام،ليظل متسكعا في دهاليزها السحيقة، فيقفز الى دائرة الاستذكار بين اونة واخرى،عصيا على النسيان،رغم كل ما استجد من آلات عصرية للعزف، وفنون شعبية طارئة،ووسائل نقل عصرية.