رُؤى ثقافيّة «١٠٩»

الدِّين-سياسة!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

-1-

نحن نعلم أن خلاف الأديان أزليّ، ونعلم أنْ لسوف يظلّ ينفي أتباعُ المسيح، عليه السلام، أن ما ورد- مثلًا- في «الكتاب المقدّس: العهد الجديد»، (سفر الرؤيا، رؤيا يوحنا اللاهوتي، الإصحاح التاسع عشر، الفقرات 11- 16): «ثُمّ رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض، والجالس عليه يُدعَى أمينًا وصادقًا، وبالعدل يحكم ويحارب؛ وعيناه كلهيب نار...»، لا يخصّ محمّدًا، أو أن تلك إشارة من قريب أو بعيد إليه. فيما سيرى في النص بعضُ أتباع محمّد مخايل البشارة المكتوبة بالصادق الأمين. سنجد هذا وذاك، ونألف الجدال حوله، بل نملّ الجدال فيه. ذاك وغيره جدال عتيق لا جديد فيه في نطاق الأديان. غير أن الأمر الأمرّ هو توظيف النصوص لتسييس الأديان، في مقابل رفض تديين السياسة، إنْ تعلّق بالإسلام (على وجه الخصوص)، والتسليم به إنْ تعلّق بالمسيحية أو اليهودية.

ومن تسييس الأديان ضربٌ من التسييس الناعم، لا يُحسنه المسلمون، أو لا يستطيعونه. عن طريق المدارس. فمنذ عقود تزدهر في بعض البلاد الإسلاميّة مدارس مسيحيّة، أو مدارس راهبات، أو جامعات لها تلك الصفات الدِّينية. في سوريا، على سبيل المثال، أو في فلسطين، أو في غيرهما. وبعض المسلمين- بلا وعيهم المعهود، أو بلا انتمائهم، أو بلا وجود بدائل منافسه- يشربون ما يقدَّم إليهم بكل رحابة صدر! ولو كان اختيارًا واعيًا، فلا تثريب على حريَّة الاختيار. لكن بعضهم يقصدون تلك المدارس بأطفالهم بحُجج منها: أنها تعلِّم اللغات الأجنبية، وديانات العرب في العصر الحديث: تلك اللغات الأجنبية، وبأي ثمن، ولو كان دِينهم نفسه! وأحيانًا بحُجّة ما فيها من محافظة سلوكيّة، قد لا يجدونها في المدارس الأخرى، ولا سيما إذا تعلّق الأمر بتعليم البنات. غير أن هذه، في حقيقة الأمر، ليست بمدارس، بل «كنائس»؛ أي أنها ليست (مدارس عِلميّة)، بما تعنيه الكلمة من معنى، بل مؤسّسات دِينيّة مسيّسة، بدورها، تتردَّى برداء العلم أو الثقافة أو العمل الخيري والإنساني. وهي لا تُنكِر هذا الانتماء، بل تفاخر به. تلك المدارس تمارس في مدارسها الطقوس المسيحيّة، وكأنها كنائس بالفعل؛ من ذلك ما حكاه لي بعض من ألحقه أهله بها من إسقاء الأطفال غسول قدمَي المسيح، المزعوم، إلى غير ذلك من الطقوسيّات! وسواء شارك الطفل في تلك الطقوس الدِّينية- «الخرافيّة» من وجهة نظرنا- أو تُرك فقط يتفرّج، ليكون تحت تأثير الجوّ العام والمشاهدة والتطبّع، فالنتيجة واحدة: أنه سيخرج وهو، في أهون الحالات، مغسول العقل، متراميًا في محاضن انتمائه الطفولي، بصورة أو بأخرى، منساقًا مع قضاياه مستقبلًا، انسياقًا تربويًّا حنينيًّا إلى تلك العِشرة المبكّرة، غير محتكم إلى العقل المحض، أو العدل الحيادي. لستُ أعلم ما إذا كانت هناك تجارب مقابلة لمدارس ذات صبغة دِينيّة إسلاميّة يقصدها أبناء غيرهم بأطفالهم. إلّا أن هذا يبدو مستبعدًا جدًّا!

قصارى ما أردت قوله هنا: إن دعوى التسييس الدِّيني منصبٌّ في الخطاب الإعلامي اليوم على الإسلام وحده؛ لأنه تسييس مكشوف، وحادّ الخطاب، وساذج، مكشوف الأوراق في الغالب. في حين أن تسييس الأديان الأخرى يسري في العالم أجمع بطرائق شتّى، ومنها تلك المدارس المشار إليها، أو الجامعات ذات الصِّبَغ الدِّينية، والتسميات اللاهوتية، التي لا يمكن أن تكون مدارس عِلْم نزيهة أساسًا، مهما تظاهرت بذلك، فما بُني على إديولوجيا فهو إديولوجيا، بطبيعة حاله، سواء أكان مدارس إسلاميّة أو مسيحيّة أو يهوديّة أو بوذيّة.

-2-

على أن من الطرائف، اللاهوتيّة الحداثيّة في هذا السياق، اشتراط (أدونيس)، من أجل ممالأة النظام السوري، أن لا تنطلق الثورة من «الجامع»، بل من «الجامعة»، وقاعات السينما! فيا لهذه البُلَهْنِيَّة الثقافيّة والتشبيح الحداثي الناعم! مع أن «الجوامع» «جامعات»، وَفق الثقافة الإسلاميّة، وليست كنائس، تنحصر وظيفتها في العبادة. ثم هل ثمّة من جامعات حقًّا، أم أنه تعليم: "مِنْحِبَّك"! وهكذا، لأول مرّة في التاريخ يشترط مثقّف على الشعوب أن لا يخرج ثوّارها إلّا من أماكن معيّنة، يراها هو، ويحدِّدها لهم! وإلّا سمَّى الثورة: انتفاضة، أو ارتعاشة، أو مجرد أزمة، وهي في كل الأحوال إرهاب في إرهاب! هذا في الوقت الذي تغنَّى (علي أحمد سعيد) بالثورة الإيرانيّة، وتغزّل برموزها، ولم يشترط أماكن «حداثيّة» معطّرة لمنطلقاتها. بيد أنها الطائفيّة الحداثيّة، أيضًا، كغيرها من الطائفيّات التقليديّة، التي تمسخ المبادئ والقِيَم والحِسّ النقدي، وقد مَرَدَتْ على النفاق!

في الوجه الآخر: فإن من الحق القول إن من قبيل التسييس الدِّيني التطاول في بناء المساجد، والغلوّ في تعمير المراكز الإسلاميَّة، سواء في العالم الإسلامي أو غير العالم الإسلامي. ولا يُنكِر عاقل هذا، مهما كان حماسه للدِّين. بل إن هذا ليس من الدِّين الأوّل في شيء؛ لأن غاية الدِّين: الإنسان قبل كل شيء. والحديث القائل: «لَهدم الكعبة حجرًا حجرًا أهون من قتل المسلم»، دليل على ذلك. ولئن قال عن هذا النص (السَّخاويُّ): «لم أَقِفْ عليه بهذا اللفظ، ولكن في معناه ما عند (الطبراني)، في «الصغير»، عن أَنَسٍ رضي الله عنه: «مَن آذَى مسلمًا بغير حَقٍّ فكأنَّما هَدَمَ بَيْتَ اللهِ»»، فإن معناه صحيح، ويؤيّده منطق العقل والقرآن. ومع هذا فأنت ترى إنفاق المليارات على بناء القلاع، التي تُسمّى مساجد، مع عدم إنفاق معشار ذلك على الفقراء والمحتاجين، في غذائهم أو إيوائهم أو علاجهم وتعليمهم. وهذا تناقض صارخ؛ لأن رضى الله في إنقاذ إنسان من الهلاك لا يقارَن برضاه عن بناء مسجد، ناهيك عن البذخ الدعائي في ذلك، ممّا يدخل في الإسراف والتبذير وأُخُوَّة الشياطين. والرسول لم يبن مسجده بتلك المواصفات، ولا فَعَلَ ذلك صحابته، لا في مسجده، ولا في المسجد الحرام، ولا في المساجد الأخرى. مع أن من أغنياء الصحابة، ومن جُملة مقدّرات المسلمين، وبخاصّة بعد الفتح والغنائم، ما كان كفيلًا بشيء من ذلك، بحسب مقاييس ذلك الزمان، لو أرادوا. وإنما نشأ ذلك منذ العصر الأموي لسببين سياسيّين، ثم استمرّ عبر التاريخ الإسلامي:

الأول، محاكاة النصارى الذين يُغالون في بناء الكنائس، ويُهدِرون الذهب والفضة والجواهر في تزيينها وزخرفتها.
والسبب الآخر، منافسة الكنائس لإظهار عظمة المساجد، ومن ثَمَّ عظمة الإسلام والمسلمين. وهكذا يتحوّل الدِّين إلى مظهريّات، ومفاخرات سياسيّة، وإنْ على حساب الإنسان، وفلسفة الدِّين نفسه، بل ربما بضدِّ ذلك كلِّه. والمفارقة أن لا يحظى المسجد- في واقع الأمر- بالعناية الواجبة بعد تشييده، لا الماديّة ولا المعنويّة.

إن الإسلام روحٌ، وفنٌّ، وحضارةٌ، ونظريته دِينيّة دُنيويّة. وإذا كنّا نعيب التناقض بين الإسراف في تشييد المساجد وإهمال الإنسان- وهو المقصد الأوّل من الشرائع جميعًا، سماويّة وأرضيّة- فلا يعني ذلك إنكار مشروعيّة التفنّن في العمارة الإسلاميّة، والعناية بها في حدود المعقول والمتوازن. ولقد باتت تلك ثقافة معماريَّة حضاريَّة، فوق وظائفها الدِّينيَّة.
أجل، لقد تحوّلت كنائس الغرب إلى معارض فنيّة، ومتاحف جماليّة، ورموز أدبيّة. حتى لقد أغرت المسلمين أنفسهم بمحاكاة أبناء تلك الثقافة في التعلّق برموزها. فتجد شاعرًا حداثيًّا مسلمًا لا ينفكّ يتشاعر في ذكر الكنائس والصلبان، محض محاكاة، في حين يستنكف استنكافًا من الإشارة إلى مسجد أو صومعة أو محراب. فلماذا؟ لأن الثقافة السائدة أغرته بتلك الصورة دون تلك؛ ولأن تلك المقابِلات الإسلاميّة لم تجد ترميزها الثقافي لديه. بل لأن التيّار العالمي والإعلامي أيضًا قد صنَّف المسجد معقلَ إرهاب، ورسّخ هذه الصورة السلبيَّة النمطيَّة في الأذهان. من هنا تجد الشاعر المسلم يستحي من رموزه الدِّينية، بخلاف الشاعر في أُمم أخرى، حتى غير المتديِّن، أو ربما اللاديني أو الملحد. إن المسلم يستحي من نفسه، ومن ثقافته عمومًا، ومن رموزه الحضاريّة، كيلا يُنظر إليه شزرًا، في حين يباهي برموز الآخرين، لكي يُنعت بالانفتاح والسلاميّة وقبول الآخَر. محض نفاق ثقافي أبله، يظهر هنا كما يظهر هناك! القضيَّة فيه، وفي كل الأحوال، قضيّة ثقافةٍ، وحضارةٍ، وقضيّة وعيٍ، لا علاقة للدِّين بها ولا للحقيقة.