لماذا لا يطبق "الحيود السداسي" بعالمنا العربي؟!

، بقلم مهند النابلسي

لجاك ويلش (المدير السابق لجنرال اليكتريك) قول مشهور، يلخص ما يجب أن تقوم به الشركات لتنطلق في رحلة الحيود السداسي(السيكس سيجما): "يفضل ان اقوم بثلاثة امور ضرورية: اختيار الكفاءآت المناسبة، تخصيص الموارد المالية اللازمة، ومن ثم محاولة نقل الأفكار البناءة من دائرة لاخرى بسرعة الضؤ! ...فكل ما أقوم به يتطابق لحد ما مع عمل "البواب والناقل" للأفكار"!

لو حاولنا مقارنة هذا النمط الاداري المبتكر مع النسق الادارية الضعيفة المنشرة بمعظم مؤسساتنا العربية، لوجدنا أن المدير الخلاق لا يتدخل كثيرا بالتفاصيل بقدر ما يقوم بدور القائد والموجه ويلعب دورا يشبه كثيرا دور قائد الاوكسترا.
يعتمد نجاح مبادرات "الحيود السداسي" على الاجابة الصحيحة للأسئلة التالية:

*هل تتفهم الادارة العليا هذا المفهوم وهل هي معنية بالتطبيق؟

*هل شركتك منفتحة وجاهزة للتغيير؟

*هل هناك رغبة عارمة بالتعلم المستمر؟

*هل شركتك قلقة تجاه التحرك بسرعة لتبني أفكارا جديدة؟

*هل شركتك مستعدة وقادرة على الالتزام بتقديم "الموارد-الكوادر والأموال" بغرض تطبيق وانجاح المبادرات عمليا؟

*هل مؤسستك واناسها جاهزين وقادرين على اعادة بناء منظومات الأهداف والقيم حتى يصبح الطريق سالكا لتحقيق الرؤيا الاستراتيجية للحيود السداسي؟

*هل هناك تدريب كفؤ ورغبة متوازنة لاستخدام أدوات الجودة وانظمة الاحصاء بشكل منهجي شامل؟

*هل هناك استعداد وقدرات لدى المؤسسة للقيام بتدريب وتأهيل الموظفين المعنيين للحصول على شهادات عملية بمساقات الأحزمة "الخضراء والسوداء"؟

والسؤال الكثر اهمية هو: لماذا لم يطبق هذا المفهوم عمليا لحد الآن في العالم العربي؟

هل تعرف أننا في البلاد العربية ما زلنا متخلفين عن تطبيق هذا المفهوم العصري بواقع يزيد عن العقدين ونصف تقريبا؟! وأنه حسب مصادر عالمية موثوقة لا توجد شركة عربية واحدة كبيرة او متوسطة او صغيرة تطبق هذا المفهوم بشكل شمولي متكامل، ويكمن السبب باعتقادي بالحاجة الماسة لتغيير أنماط التفكيرالادارية السائدة حاليا، وبضرورة اعتماد نمط استباقي فعال بعيد الأمد، بدلا من الأنماط التفاعلية السائدة والتي تعتمد على ردود الأفعال والمحافظة على الوضع القائم وادارة الأزمات، كما ان اللهاث والسعي الحميم للحصول على شهادات وجوائز الجودة والتميز قد اقنع وضلل الكثير من الشركات العربية و"بوهم مزيف" بأنها تملكت "نظم الجودة المحسنة"، كما أوهمتها هذه القناعة بعدم السعي للتحسين المتواصل ومواكبة علوم القرن الحادي والعشرين وتحدياته المستمرة الكبيرة! كما تشعر بعض الادارات التقليدية بخطر "الحيود السداسي" لكونه يمثل خطرا على "النظم الادارية السائدة" ويخلق قيما وتحديات جديدة قد تكون مرهقة ومزعجة ومتطلبة.

تؤكد استراتيجية الحيود السداسي على مفهوم"الاختراق"، حيث يزود هذا المفهوم المؤسسات بخارطة طريق تفصيلية توفر الجهود الضائعة بالتجربة والخطأ. كما ان الناس لا يتغيرون عادة ما لم يطلعوا على حقيقة تفكيرهم ونتائج سلوكهم، وحيث يمثل هنا الحيود السداسي"المرآة" التي تبين الحقيقة المجردة بلا تجميل وزيف...والوعي بهذه الحقيقة كفيل باحداث رغبة قوية وعملية بالتغيير الايجابي باتجاه التحسين المبني على المعطيات الموضوعية الدقيقة.

تبني القياسات الملائمة بيانات جديدة، وتقودنا هذه لمعرفة "معلوماتية" جديدة اذا ما حللت وفهمت بطريقة صحيحة لا لبس فيها...اما القيم الجديدة فستقود تلقائيا لنجاحات عملية ملموسة اذا ما استندت لثقافة متجذرة وتمكين حقيقي، مما يحقق الحوافز والشغف داخل المؤسسات...وهذا بدوره هو الجذر الأساسي "للتغيير العميق" المنشود في المؤسسات العربية الطموحة.

ولا بد من التنويه لأهمية مجمل عناصر"الاخلاص والانتماء والتفكير الاستباقي الخلاق والرؤيا الاستراتيجية"، فقد خبرت منذ اكثرمن عقد فشل وتراجع كبير لاحدى الشركات الكبرى التي انطلقت ببداية الأمرفي مبادرة تغيير شاملة ومشجعة، ثم عجزت عن الاستمرار بنفس الزخم وألغت مشروع التغيير بلاسابق انذار وبدون تحديد الأسباب! ثم تراجعت تدريجيا عن تحقيق المكاسب والنجاحات بسبب تضارب الأجندات وافتقار الادارة العليا للالتزام والرؤيا الاستراتيجية اللازمة واكتفائها بالتركيزعلىالأرباح فقط، وكذلك بانغماسها "المرهق-المبدد للطاقات" بالادارة اليومية وصراعات المناصب والمكاسب!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف