عيال الجنية ...

، بقلم فيصل سليم التلاوي

كانت " جوشة " كأنها في عالم آخر، قرية منزوية بين الشعاب، نسمع عنها ولا نراها، مع أنها لا تبعد عنا سوى قرابة ميلين، وأبناؤها يدرسون في مدرسة القرية التي يعمل فيها الأستاذ حامد، لكنها كانت تحتجب إلى الغرب منا وراء الجبل الذي تقع قريتنا في سفحه، وهو جبل قليل العلو إذا ما قيس بجبل " سيلان " الذي خلفه، والذي تقع " جوشة " في أسفل منحدراته، مرتفعة قليلا عن موطئ قدمه اليمنى، وذلك لتجنب عنف السيول التي تجرف الناس والمواشي والسيارات والبيوت في مواسم الأمطارالصيفية الغزيرة.

كان " سيلان " واحدا من أضخم الجبال، شاهقا في علوه، منقطعة سبل الوصول إلى قمته، مع أنها لا تبدو من بعيد شــديدة الوعورة. الواقف على قمته يرى المنحدرات الغربية لجبال السروات، وسهل تهامة الفسيح، والطريق السريع الذي يعج بالسيارات، وإذا كان النهار رائقا تبدو على البعد زرقة البحر الأحمر. و من الجهة الشمالية كان يحيط بجوشة واحد من الجبال المتفرعة من جبل " سيلان " العملاق. لقد حاصرتها الجبال من كل جانب، و ما أبقت لها إلا مدخلا واحدا ضيقا في جهتها الجنوبية، فبدت كأنها تستقر في هوة سحيقة تفصلها عن العالم، فلا يصل إليها أحد من غير أهلها.
كان الأستاذ حامد شابا في مقتبل العمر، طويلا فارع الطول، أشقر الشعر، أزرق العينين، في غاية الوسامة والرشاقة، ترمقه فتيات القرية ونساؤها بنظرات الود والإعحاب، و كان ذلك يغيظ بعض فتيان القرية وشبابها، لكنهم لا يجدون مفرا من الصبر على الأستاذ حامد والقبول به على علاته، فهو الوحيد بين سائر زملائه المدرسين الذي يتقن كل شيء، ويعمل بكل حرفة يحتاجها هؤلاء القرويون، إنه يدرس أولادهم صباحا شأنه شأن غيره من المدرسين، لكنه محط آمالهم ومعقد رجائهم بعد ذلك، فلا تجد أحدا تعطلت ماكينة المياه في بئره، أو توقف مولده الكهربائي الصغير إلا لجأ للاستاذ حامد ليصلحه له. و لا شخصا بنى بيتا جديدا فاحتاج لكهربائي يمدد له التوصيلات، أو يجصص له جدران منزله ويبيضها بعد بنائها بالطوب، أو سباكا يمدد له توصيلات المياه إلا لجأ إليه، إنه الشخص الوحيد في هذه القرية المتعدد المواهب، الذي يتقن كل حرفة. وهم ينتظرون دورهم شهورا حتى يفرغ مما في يديه من عمل، لثقتهم فيه. أما زملاؤه الذين يتشجع بعضهم أحيانا للعمل معه، فعملهم يقتصر على حمل الرمل والإسمنت وعمل الخلطة الإسمنتية، وأحيانا لا يتعدى إسناد السلم الخشبي عندما يصعد الأستاذ حامد إلى الأعلى في مهمة دقيقة .

ظل الأستاذ حامد يسمع بجوشة القريبة و لا يراها، و يتصنت لحكايات عيال الجنية القادمين منها، و يتشوق للتعرف على مسقط رأسهم، فيزور الجنية في مخدعها ولو لمرة واحدة .

ذات صباح تحقق حلمه، واتته الفرصة التي طال انتظاره لها، عندما بنى شخص أول بيت مسلح بالإسمنت والطوب في جوشة، و جاءه طالبا منه القيام بالتمديدات الكهربائية و أعمال السباكة.
تهادت به سيارته على مهلها في طريق ترابي مغبر يصعد حينا و يهبط حينا آخر .
أكمل اجتياز المنطقة المعروفة لديه، والتي اعتادت العين على رؤيتها صباح مساء ،و بدأت سيارته تضع أولى خطواتها في المجهول، تعبر الممر الضيق الذي تحرسه من الجانبين بضع صخرات ناتئة من جانب الجبل، يحسبها الداخل للمرة الأولى أنها ستطبق عليه لفرط ميلها، أو تطبق على الطريق، فلا يبقى هنالك مخرج لأهل
" جوشة " إلا أن ينتشلهم أحد من السماء .
عبرت السيارة مصعدة ببطء وحذر في الطريق الضيق الذي يصعد محاذيا لخاصرة الجبل، يستند إلى حافة الجبل عن يمينه، وعلى يساره بدت ملامح هوة عميقة موغلة في الانحدار، هي مجرى السيول الجارفة المتجمعة من سفوح " سيلان " وشعابه، و التي حفرت هذا الأخدود الرهيب على مرالأزمان .

هاله الأمر عندما فكر في طريق عودته عندما تكون الهاوية على يمينه، و هو يسير بمحاذاتها تماما لضيق الطريق. ماذا لو قابلته سيارة أخرى واضطرته أن يأخذ أقصى يمينه، على الحافة الترابية تماما، عندها سيكون على شفا جرف قد ينهار به إلى جوف لا قرار له .

وبدت أمامه " جوشة " ببيوتها القليلة الضئيلة المتناثرة في أسفل السفح. نظر من بعيد إلى بعض الأشجار البرية العملاقة الملتفة حول القرية و حدث نفسه قائلا:
- لا شك أن هناك موطن الجنيات اللائي طالع وجوه أبنائهن القبيحة .
الطريق يزداد وعورة وضيقا، و لم يعد لديه رغبة لمواصلة المسير، إن جوشة كلها و ما حولها من مساكن الجنيات بادية أمامه الآن، ما عليه إلا أن يتمعن قليلا وستبرز له إحداهن خارجة من تحت ظلال واحدة من هذه الأشجار العملاقة. إنه يبحث عن مكان يمكنه التوقف فيه على جانب الطريق، يتأمل المشهد قليلا. لقد وضحت له جوشة كلها، والأشجار الوارفة الملتفة، مهجع الجنيات بعد حلول الظلام و في غسق الليل و قبل الفجر .
لكن كيف له أن يعود ويخلف موعده مع الرجل الذي انتظره أكثر مـن شهر؟ لا بد من مواصلة المسير، وها هي القرية على مرمى حجر منه، وذلك البيت الإسمنتي الوحيد في جوشة الذي لا يشبه إلا نفسه، يتربع على ربوة عالية على يمين الداخل للقرية .
وصل الأستاذ حامد مبكرا، عاين المكان واتفق مع صاحب المنزل على العمل وعلى الأجر. كان اتفاقا سريعا سهلا شأنه شأن غيره من الاتفاقات التي يبرمها مع هؤلاء القرويين، فهو يملي شروطه وسعره، إذ لا يملك الطرف الآخر خبرة في نوع المواد. ولا في طبيعة العمل، إنه يفاوض نفسه ويكتب العقد على النحو الذي يحلو له ، بينما يبصم صاحب البيت بإبهامه وقد امتلأ فرحا وزهوا بالنورالذي سيشع في بيته بمجرد لمسة سحرية خفيفة على قطعة خزفية بيضاء في الجدار. حالما بالماء الذي سيتدفق من حنفية فـي جدار المطبخ أو الحمام، فينحدر صوب مغسلة أنيقة ما رأتها عين فــي جوشة. ويترحم على آبائه و أجداده، و يأسف لأنه لم يتح لهم أن يعيشوا ليشهدوا هذا اليوم المشهود الذي سيكون فيه بيت ابنهم وحفيدهم أول بيت في القرية يشع نورا دون حطب أو زيت .

لم يشأ الأستاذ حامد أن يكتفي بالمعاينة، بل انكب مباشرة على العمل لينجز ما يمكنه إنجازه طيلة هذا النهار. واصل عمله بهمة ونشاط، و كان بين الفينة والفينة يسرح ببصره بعيدا نحو الأشجار الوارفة الملتفة حول القرية، لعله يشاهد واحدة من الجنيات التي طالما حلم برؤيتهن، و شاهد الكثير من عيالهن، لكنه لم يحظ برؤية واحدة منهن غير جارته القبيحة في الشِعب المجاور لمسكنه، ولعل الفرصة تواتيه في هذه الأيام القليلة التي سيشتغل بها في" جوشة " .
وخلال انهماكه في عمله كان يحدث نفسه قائلا :

- لو أنصفوا لسموهم عيال الجني، فلكل منهم أمه الإنسية المعروفة، أليست جارتنا في الشِعب واحدة منهن، قادمة من " جوشة " وحولها سرب من الكتاكيت. إن الجني الذي بذرهم هو وحده الذي لا يبدو في الصورة ليكتمل المشهد. و يردف قائلا:

- حقا إنهم عيال الجني. ففي هذه البرية المنقطعة، و هذا الليل البهيم، لا رقيب ولا حسيب، ما إن تطمئن إحداهن إلى انقطاع الحركة وإغفاءة العيون المتلصصة حتى تنسل إلى عريشة وارفة من مساكن الجنيات الكثيرة حول القرية، وبعد مدة يتكور البطن وينتفخ، و ينفضح ما كان سرا، ثم يتحدث الناس عن حكاية عيال الجنية
عيال الجنية الذين يجاوروننا أغرب ما عرفت من عيال جنية، أمهـم هذه الإنسية القبيحة، وأبوهم الذي ينتسبون إليه إنسي معروف، و يتقول الناس:

إنه قد هجر أمهم منذ زمن وغاب في سفر بعيد، و عاد ومعه زوجة جديدة، زوجة نظيفة فارعة الطول، أما الأولى التي خلفها وراءه وأودعها بيت أهلها في " جوشة " فقد ملأت البيت عيالا في غيبته، ولا ضير، إنهم عيال الجنية. بل ربما كان أبوهم ابن جني و جنية معا، إذ لا أخ له ولا قريب في هذه القرية على الإطلاق، إنه بمفرده قارع الجميع، وضع يده على سفح الجبل المقابل وبنى بيتا شامخا مثل عش النسر، إنه بلا شك ابن جني وجنية معا .

جاء غلام صاحب المنزل بالشاي للأستاذ حامد مرات عديدة، و في كل مرة كان يستميله إلى جانبه ويستدرجه في الحديث قليلا، حتى سأله عن جنيات جوشة و مساكنهن، وكيف يمكنه استراق نظرة إليهن ولو من بعيد؟
أشار الغلام بيده إلى الأشجار العملاقة التي تحيط بالقرية وقال:

- إنهن هناك، يعشن في الظلال الوارفة، لكن أحدا لا يبصرهن في ضوءالنهار. إنهن لا يظهرن إلا بعد الغروب، و يختفين بعد انبلاج الفجر .

عمل الأستاذ حامد النهار كله، نسي نفسه، حتى أدركه الغروب، جمع أدوات عمله و نسي حكاية الجنيات وتهيأ للعودة.
قبل أن يغادر القرية انتحى جانبا من الطريق، يريد قضاء حاجة تحت شجرة تين عملاقة، تدلت فروعها حتى اتصلت بالأرض فصارت خيمة محكمة الصنع ساترة ما تحتها .

ما إن قضى حاجته و همّ بالنهوض ليواصل سيره حتى رن في أذنيه صوت أنثوي منبعث من أعلى الشجرة:
- مكانك يا حامد وإلا صرخت بأعلى صوتي وجمعت عليك " جوشة " كبيرها و صغيرها وادعيت أنك حاولت الاعتداء عليّ .

تسمر الأستاذ في مكانه و هو يسمع الصوت ولا يرى صاحبته، ولا يدري أين مكانها على وجه التحديد، وحدث نفسه بأنها الجنية بعينها، و لا أحد سواها. ارتعدت فرائصه خوفا، حاول استئناف مسيره، لكنها لم تمهله، كانت قد قفزت إلى الأرض متلفعة بعباءة و حجاب أسودين، لا يرى منها غير عينين براقتين، أمسكت بقميص الأستاذ و جذبته جذبا عنيفا ، تعلقت به و أحاطته بذراعيها بقوة و عنف .

كان الأستاذ قد أعياه تعب النهار كله، وهدّه الخوف و هول المفاجأة، فاستـسلم لها دون مقاومة، رجاها طويلا و توسل إليها أن تتركه يمضي لشأنه، يعود إلى زوجته و أطفاله، لقد تأخر كثيرا و حل الظلام الذي يفزعهم .

- أنا ما دعوتك يا أستاذ، لقد سألت بلسانك عن مساكن الجنيات، و ساقتك قدماك إلى مخدع واحدة منهن، فكيف أتركك؟ ألم تسأل الغلام هذا النهار عن موطن الجنيات؟ ومتى تتكرر مثل هذه الفرصة وتضع الجنية غلاما أشقر أزرق العينين؟
لم تترك له فرصة للتمنع والمقاومة، وبركت فوقه، هددته بالصراخ، أسلم لها قياده و تركها تفعل ما تشاء .

تلاحقت أنفاسها وتهدج صوتها و توحد الإنس والجن، ظلت باركة على صدره حتى روت ظمأها، ثم نهضت، لفت نفسها مجددا بعباءتهـا وحجابها وقبل أن يبتلعها الظلام أدركها سؤال الأستاذ حامد!
- قبل أن تبتعدي لي رجاء وحيد .
توقفت الجنية عن سيرها و قالت:
- تدلل.
- كيف ستوارين تبعات الأمر ؟
- ذلك أمر يسير، لا تشغل بالك به، إنه واحد من عيال الجنية، لن يختلف عنهم إلا في
زرقة عينيه وصفرة شعره، وابتلعها الظلام .
تحامل الأستاذ حامد على نفسه، و نهض واقفا يستر بعضا من عريه. خطا خطوات وئيدة وهو ينفض بكلتا يديه الغبار الذي علق بمؤخرته لاعنًا " جوشة " واليوم الذي سأل فيه عن الجنيات و عيالهن