الحالمة بالخروج من ثقب الواو...

، بقلم مصطفى أدمين

ليالي السكر بأكادير لا تنتهي. أتساءل ما إذا كانت هنالك علاقة طبيعية بين بلد لا تغيب عنه الشمس ورغبة سكانه في الشرب المستدام. ولكن شرب النهار ليس كشرب الليل والسبب على ما يبدو هو النساء؛ ففي النهار يكنّ غارقات في النوم وفي الليل يستفقن كما مصاصي الدماء لامتصاص جميع أصناف السوائل الذكورية.
للمرّة الرابعة أجدني صحبة الطيب أزلماض. ولست أدري ما إذا كانت هذه الصحبة الخمرية ستطول أم لا (؟). فبالنسبة لي، ليس الرجل هو السكر. أحب أن أتعرّف في الإنسان الفرد على الإنسان الجمع المتعدد والمتنوع. أحب أن أرى الذي يسكر اليوم، يصلي غدا، وهذا لا يعني عندي أن الصلاة ضد السكر، وإنما طريقة للبرهنة على انتمائي المغربي. تعلم المغاربة منذ عدة قرون أن يفعلوا الشيءَ ونقيضَه، واستهلاك الخمور كان دوما حاضرا على الرغم من تعاقب حكومات "دينية" على المغرب. وبإمكان الذي شرب من الشيوعية حتى الثمالة أن يقف في صف صلاة ليترحّم على رفيق له التحق بالرفيق الأعلى... هكذا يقولون في صحف اليسار:"الرفيق الأعلى" وأنا لا أدري متى كان للإله حزب سياسي. وحتى المحترفات للجنس والخمور والشيشة، رأيتهن يصُمن رمضان ويصلين ويتصدقن لأجل أن يعفو الله عنهن ويغفر لهن ويحررهن من الرجال برجل "يقبل" عليهن ويسترهن... غير أنهن يعُدن إلى حرفتهن متى انقضى الصيام( !? )
أنفقنا أنا والطيب المال الذي كان معنا فخرجنا من البار لاستخراجه من أحد الشبابيك المصرفية الأوتوماتيكية المقابلة لبار "الكل على ما يرام"، فوجدناه معطلا وعلى شاشته العبارة الآتية "معذرة هذا الشباك في طور الصيانة" وهي العبارة التي قرأتها أكثر من عشرين مرّة على نفس الشباك ولكن الطيب أزلماض لا يريد أن يسمع. قلت له:" هذا الشباك غير شغال" فقال:"وما أدراك؟ قد يكون شغالا هذه الليلة":
ـ والآن ما العمل؟ قلت له بعد أن أدخل وأخرج بطاقة ائتمانه عدة مرات.
ـ ما رأيك أن ننتقل باتجاه المرسى، هناك شباك شغال على الدوام؟ ردّ من خلال دخان سيجارة وهو يترنح.
ركبنا سيارته ال"أونو" المتهالكة غير أنه شرع يقودها بشكل سيّء فطلبت منه أن يتركها لي، فردّ بغضبك:
ـ لستُ أنا من لا يعرف القيادة ولكنهم الآخرون.
وكان في كلّ دقيقة "ييُكـْلـَكْسِنُ" على هذا وذاك ويخرج رأسه الصغيرة من نـُويْفذة السيارة ليشتم سائقا لم يعد له أثر. "بهذا الشكل سنُتمِّم ليلتنا في المقبرة" قلت له، فتجاهل معنى ما قلته ودفع بالسيارة يمينا يمينا إلى أن اصطدمتْ بالرصيف.
توقفتْ السيارة أما الشباك الأوتوماتيكي المطلوب، وترجّل السيد أزلماض منها بهدوء وكأنّ خطراً لم يكن وحادثة لم تقع. ثم استخرج من جيب سترته سيجارة واستغرق وقته محاولا إشعالها بدون جدوى. ريح محملة برطوبة البحر وبعض رمله أفسدت عليه أمره، فترك السيجارة متدلية بين شفتيه وتوجّه نحو الشباك المصرفي.
ـ آتفو ! هو الآخر معطل. الظاهر أن لا شيء يشتغل في هذه البلاد، قال بتذمّر.
في هذه اللحظة توقفت سيارة مبارك إيمّيم محمّلة بأدوات صيد السمك، فترجل منها متبوعا ببعض أصحابه المولعين بالصيد هم الآخرين.
ـ هل من مساعدة يا دكتور؟
ـ لا تزعجوا أنفسكم، الكل على ما يرام، ردّ، فغادرت الجماعة بسيارتهم الرونو 12 البيضاء الصدئة إلى مسلك الميناء.
في السيارة أخبرني الطيب بعد تذكرة أن لديه بعض قناني "الروج" في صندوقها واقترح عليّ أن نحتسيها في أجمة أكادير أوفلا فقبلت من دون تردد لعلمي أن المنظر هناك سيكون رائعا. أجل، من أعالي الجبل الذي ضربه الزلزال، سنتمكّن من رؤية أكادير الرابضة على سفحه والمتلألئة بأضواء الليل والغارقة في الأحلام... ولكن السيارة ستقرر أمرا آخر:
ـ يجب دفعها لكي يشتغل المحرك.
ـ نحتاج إلى مساعدة.
لحسن الحظ، خرج من ظلام أحد المحلات التجارية المغلقة شاب قوي. وساعدني على دفع السيارة بينما الطيب يعالج مِقودَها إلى أن فرقع المحرك. وبما أن الحسنة بالحسنة، أقللنا معنا ذلك الشاب. وكان اسمه مُراد أمدْلو ويسكن بأوفلا.
ـ هل تحتسي معنا بعض الشراب، سأله الطيب.
ـ ماكاين حتى موشكيل، ردّ الشاب.
من الأعالي ظهرت لي أكادير بالفعل غارقة في النوم والأحلام. المنازل تبدو سعيدة في لألأة أضوائها البعيدة، والليل... الليل يضفي عليها مسحة من الجمال الخفي.
ـ ما هي مهنتك آ سي مراد؟
ـ أنا؟... مهنتي صعبة نوعا مّا.
شغّل الطيب شريط موسيقي لمطرب أمازيغي معروف باسم المراكشي وراح مراد يردد معه.
سألته:
ـ هل أنت أمازيغي؟ فردّ:
ـ كلنا أمازيغ والحمد لله.
أعجبتني فطنة وحكمة مراد، لذا تجرأت وسألته:
ـ قل لي يا مراد... ما هو حلمك؟
توقعت أن يأخذ وقته للتفكير في سؤالي ولكنه أجاب على الفور:
ـ حلمي أن أجد سكنا كريما، فسأله الطيب:
ـ ولكنك قلت بأنك تسكن هنا؛ وهنا لا وجود سوى للدغل والحجر.
تجرّع مراد ما تبقى في كأسه البلاستيكي ثم أشار إلى كلمات شعار البلد المصففة بالحجارة المطلية بالجير والمرصعة بالأضواء:
ـ أترون كلمة "الوطن" تلك؟.. أنا أسكن في ثقب حرف الواو؛ وحلمي هو أن أخرج منه.
غمرنا حزن عميق للحظة دامت أربعين سنة تجمّد خلالها الدخان وتجلّد خلالها الشراب.
ـ هل تريد بعض المال؟ سأله الطيب، فردّ بعصبية:
ـ أنا لست متسوّلا. أنا شاب يجني المال من عرقه.
وقبل أن نستفسره الأمر، استخرج من جنبه سكينا كبيرة ووضعها على رقبة الطيب:
ـ هات ما عندك... الفلوس والهاتف المحمول والسترة والخاتم...
ـ كيي أشفار... تريتْ لحبْس؟ قال له الطيب.
ـ إييه. نكّي أشفار، فِيّي إيقاريضنك.
وهكذا تمّت سرقتنا في أعالي أكادير الجميلة من طرف شاب "مكافح" حلمه أن يخرج من ثقب "الواو".
والعجيب أنني كنتُ سعيدا، فرحت أغني أغنية لم يسبق لي أن سمعت بها:
في كلّ بيت بعض الظلام
في كلّ بيت بعض العـدم
نحن هنا في الأعالــــي
والناس يا ربّ في ألــــم
ـ فيسْ ! فيسْ، صاح في وجهي الدكتور أزلماض، قد لا تريد السيارة أن تشتغل...
لم ينتبه صديقي بأننا في الأعالي وأنه بإمكاننا النزول بالسيارة وهي مطفأة إلى أبعد نقطة في أكادير، ولكن "مْعَ مَنْ تهضر؟" كما يقول المراكشيون. ويبقى للغضب منطقه.