تقنيات الاتصال في القصة القصيرة

، بقلم وديع العبيدي

«قصص كريمة الابراهيمي.. أنموذجاً»*

تلعب الذات الكاتبة دوراً فاعلاً في صياغة الخطاب السردي في قصص كريمة الابراهيمي، معتمدة تداخل التداعيات الذهنية والعاطفية، المتمحورة غالباً، حول شخصية محددة، هي المستهدفة من الخطاب. فالقصة، بهذا المنظور، خيط من أحرف وكلمات، أو من أصوات وهمسات، يمتدّ من ذات الكاتبة، إلى شخصية البطولة الوهمية. البطل (المذكر) الذي تتمحور حوله معظم القصص أو تتجه إليه، لا يملك من (دوره) غير الاسم. ليس له فعل رئيسي أو تأثير مباشر في مسار القصة الذي تمليه تداعيات نفسية وفكرية ذات شجن عاطفي وشعور مسبق بالفقدان، أو (خوف مع سبق الاصرار) والترصد إذا جاز التعبير. هذه الصورة المختزلة للبطل لا يغير منها شيئاً، تدخل طارئ في الحوار أو حركة محددة، تقتضيها سيرورة التداعيات أو ضرورات استمرار السرد الأحادي الجانب. ومهما كان دور حركة البطل في القصة، فأنه يبقى هامشياً وضئيلاً، مقارنة، بطغيان شخصية (الراوي) شبه المطلقة في النص.

اجتماع التداعي النفسي والخطاب المتصل بصيغة المتكلم، ينتج حالة من مونولوج داخلي مهموس أو مكتوب، يزيد من وقعه دفق المفردات الحسية والتعابير الوجدانية المعبّرة عن الوحدة والتوق. إن الفارق بين المسموع (الصوتي) والمكتوب يلعب دوراً في تصنيف النص أو تحديد هويته (الابداعية). فكما يتفاوت تقييم أو تصنيف النصوص الشعرية إلى ملحمة (!) ونشيد ومزمور وأغنية. يتفاوت تصنيف النصوص النثرية حسب الأساليب التعبيرية وموسيقية الجملة ووقع المفردة. أهمية هذه الملاحظة هنا لما قد يبدو للبعض، أن قصص الابراهيمي تقترب من صيغة (رسالة) مكتوبة إلى شخص عبر الأثير. على اعتبار أن الشخص الآخر (بطل القصة) ليس في نفس المكان الذي فيه الراوي، وهو أمر يتضح في غير مكان. بينما تبرز نبرة الخطاب المباشر في قصص أخرى. فالكاتبة، رغم طابع التجانس العام الذي تعكسه قصصها، انما تعتمد درجات متفاوتة ومتعددة من التنوع والتباين، في تقنيات الخطاب والاتصال.

هذا النوع من الكتابة عن بعد، يقتضي تأمين أدوات اتصال بينية، حرصت الكاتبة على الاهتمام بها وإدارتها في نصوصها السردية. قضية الاتصال] ، أهم عنصر في تكوين الجماعة. فليس من الممكن اجتماع فردين دون وجود وسيلة اتصال تجمع بينهما. وقد تحقق هذا الاتصال أو التواصل عبر وسائل متعددة عبر التاريخ، بدء من الاتصال بالنظر والسمع والشمّ واللمس والصوت بالوسائل الطبيعية، وصولاً إلى المكاتبة والمراسلة والمهاتفة إلى التقنيات الإلكترونية كالراديو والتلفاز والانترنت. ويمكن رسم خط بياني متدرج لاستعراض النصوص حسب علاقتها بوسائل الاتصال المستخدمة فيها.

الحوار المباشر]، باعتماد الخطاب المتبادل بين رجل وامرأة يوجدان في مكان واحد في نفس الوقت مثل (حدث الحبّ فجأة وانطفأ)، (حبّ تحت المطر)..

حوار غير مباشر، يعتمد خطاب متبادل بين شخصين، في زمن ماضٍ، أي طريقة الاسترجاع.
حوار عن بعد، باستخدام جهاز الهاتف.

المكاتبة والمراسلة، يتم التواصل هنا عبر تبادل الرسائل، ولكنها تنتبه إلى استمرار تدفق الرسائل باسم حبيبها الأول (الشاعر) رغم موت (الحبيب) خلال القصة، ثم يقودها التقصي إلى أن صديق حبيبها (وهو رسام)، وراء استمرار الرسائل، ثم تكتشف كذلك، أن كل الرسائل كانت بخط الرسام (الصديق) التي كان يضع عليها إسم حبيبها وعنوان منزله، وأن حبيبها (الشاعر) لم يكتب لها أيما رسالة، وكل المشاعر التي ألهبتها كانت مشاعر الرسام، ليبدأ نسق جديد في القصة.
الاتصال الإلكتروني باستخدام الرسائل الإلكترونية ، ففي قصة (حبّ إلكتروني) امرأة تشعر بالملل من حياتها الزوجية، فتلجأ للبحث عن صديق في شبكة الأنترنت تتبادل معه الرسائل، حتى تسترجع أجواءها ومشاعرها الطبيعية وتعود إلى زوجها، لتكتشف بالمصادفة، أن الصديق الإلكتروني كان هو زوجها (حبيب).

الاتصال بالسمع والنظر، ففي قصة (مطعم الكذب)، امرأة يدعوها زوجها لحفلة عشاء في مطعم، ثم تكتشف هناك أن بين زوجها وبين صديقتها علاقة عاطفية بعد أن سمعتهما في حجرة ثانية، فتندفع وهي على كرسي بعجلات إلى الحجرة لتراهما رأي العين.

الاتصال بالنظر، ففي قصة (وطن الرجال) تتكرر خلال النص (تداعي الذاكرة) صورة أخيها الشرطي الذي قتل في الواجب وشاهدت جثته.

التذكر أو الاسترجاع، وهو حالة من حوار عن بعد كما في قصة (حديث لرجل لم يعد حياً)، كما يتضح من العنوان.

هذا الاهتمام الملحوظ بتقنيات الاتصال، قد يبدو للوهلة الأولى، منقطعاً عن محور الخطاب الأدبي، لكنه في الحقيقة، كما يتضح هنا يلعب دوراً رئيساً في مجال تقنيات السرد، بنفس الطريقة التي ينعكس فيها على تقنيات اللغة والأسلوب. ناهيك عن النفحة العصرية التي تضمخ أجواء القصص، سيما وهي تستعرض أدوات الاتصال المختلفة، من أشكالها البدائية البسيطة والطبيعية حتى أحدثها وأكثرها تعقيداً. وهو موضوع صار يحظى باهتمام متزايد في النصوص الأدبية في السنوات المتأخرة.

تعود بدايات كريمة الابراهيمي الأدبية إلى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، متراوحة بين نزق الشعر وهجس السرد، شأن كثير من التجارب الأدبية قبل أن تتبلور في نمط محدد. اتجهت الابراهيمي للقصة باندفاع وثقة، ولكنها لم تتحرر تماماً من نزق البدايات الذي بقي عالقاً في طغيان لغة الشعر على نصوصها السردية، القصصية والروائية. وعلى غرار مواطنتها الشاعرة والروائية المبدعة أحلام مستغانمي ، ألقت تسعينيات الجزائر بظلالها الثقيلة في ثنايا أدبها. مستعرضة في نصوصها جوانب الدمار النفسي والبشري المنعكس في البناء الاجتماعي والعاطفي، في ظل فقدان الأمن. فمثلت ثيمات الانتظار والفقدان، وضياع الأمل، والخوف من الفقدان، محاور رئيسية لذاكرتها السردية. حيث يحتل الهمّ الاجتماعي، ببعده العام الوطني، والذاتي والعاطفي، محور كتابات كريمة الابراهيمي، واشتغالاتها المباشرة. ان ظاهرة غياب البطل [الزوج – الحبيب- الأخ]، هي تصوير مباشر ومجازي لحالة استمرار [الفقدان] كظاهرة عامة حدثت أو تحدث، طالما استمرت أسبابها وظروفها. يقابل ذلك، حالة الوحدة والوحشة، والقلق والحيرة، والتردد والخوف، والحاجة إلى الحبّ والصدق والاخلاص، التي تمثل هواجس رئيسية لبطلة القصة (الأنثى دائماً). أن مجتمعاً، تحكمه الجريمة والعنف، هو مجتمع أرامل وأيتام، بالنتيجة. والمرأة فيه تلزم البيت وتبحث عن وسائل اتصالية مباشرة و غير مباشرة للتواصل مع الخارج واستمرار عجلة الحياة. عبر هذه القراءة السريعة يبدو عمق المغزى الذي أقامت عليه الكاتبة كريمة الابراهيمي تجربتها القصصية الجادة والعميقة وهي تضرب بعيداً في أرض الواقع وأعماق النفس الانسانية والعواطف السامية.

كريمة الابراهيمي: قاصة من الجزائر، دكتوراه في الآداب. تدرس الأدب والترجمة في جامعة الجزائر. 2002 جائزة أفضل قصة. لها مجموعة قصصية (مدن الموت)، وثلاث روايات، منها : رائحة لأشيائه..!، مملكة النساء.
وديع العبيدي شاعر وناقد عراقي مقيم في لندن. اصدر عشرة مجاميع شعرية وعدة كتب في النقد الادبي اخرها (سعدي يوسف.. صورة في الثمانين). صاحب ورئيس تحرير مجلة ضفاف الثقافية التي كانت تصدر من النمسا بالعربية والالمانية.