أنتيجون لسوفوكليس، أقدم صرخة في وجه الدكتاتورية

، بقلم محمد زكريا توفيق

إذا أردنا أن نسود الأمم، يجب أن نرجع إلى الفكر العقلاني والفلسفة والأدب والفن الإنساني الإغريقي. لقد كان هذا الفكر هو السبب في بداية عصر النهضة المصرية أيام البطالمة، وكان هو نفسه أصل الحضارة الإسلامية عندما اكتشف المسلمون الكنوز اليونانية. وكان سبب قيام عصر النهضة الأوروبية عندما اكتشف الأوروبيون هذه الكنوز عن طريق ترجمات علماء المسلمين أمثال ابن رشد وغيره.

بالرغم من كتابة سوفوكليس لهذه التراجيديا الإغريقية قبل الميلاد بعدة قرون، عام 441 ق م، إلا أنها لاتزال حية نبضة إلى وقتنا الحالي. تعالج هذه المسرحية مشكلة القوة الغاشمة والديكتاتورية المستبدة، الذي يحاول الإنسان بكل شجاعة مواجهتها.

منذ آلاف السنين والعالم يقبع بدون رحمة تحت السيطرة الكاملة والقبضة الحديدية لحكام مستبدين طغاة. الإنسان عليه أن يفعل ما يؤمر، يقرأ ويفكر بهذا الأسلوب أو ذاك دون غيره. قد نتعجب لماذا لا يثور الناس في وجه الطغاة، لكن هذا أسهل في القول من الفعل.

أنتيجون، هي مسرحية سوف تخلد مع الزمن. خلال بطلتها، يبين لنا سوفوكليس شجاعة الفرد وقوة روح الإنسان، وما يستطيع أن يفعله شخص واحد. أنتيجون، المرأة الفتية، جروءت على معارضة المرسوم الظالم الغير آدمي للملك الدكتاتور، كريون.

يصفها الفيلسوف هيجل بأنها من أعظم و أبدع الأعمال المسرحية التي عرفها العالم قديما و حديثا، وأنها من أكثر الأعمال الفنية إشباعا و تفوقا.

منذ ذلك الحين، يتزايد الاهتمام بهذه المسرحية و يحظي أبطالها ، و خاصة أنتيجون و كريون ، بكم غير مسبوق من اهتمام دارسي الكلاسيكيات بشكل خاص و دارسي الأدب بشكل عام.

جاءت هذه المسرحية أيضا في مقدمة المسرحيات الكلاسيكية التي دخلت إلي محاضرات الفلسفة الأخلاقية و النظريات السياسية في الجامعات و المعاهد المتخصصة في جميع أنحاء العالم.

المسرحية مبنية على أسطورة يونانية قديمة تقول بأن أوديب الذي قتل أباه لا‌يوس وتزوج أمه جوكاستا. أنجب من أمه أربعة أبناء : إيتيوكليس وأخاه الأ‌صغر بولينيس وبطلتنا أنتيجون وأختها إسمين. عندما اكتشف أوديب جريمة قتله لأ‌بيه وزواجه من أمه، فقأ عينيه وسار هائما على وجهه، لكنه قبل أن يترك مدينته لعن إبنيه ودعا عليهما بأن يقتل أحدهما الآ‌خر.

يختلف الإ‌بنان على الحكم، إلا‌ أن الأ‌خ الأ‌كبر إيتيوكليس يتفق مع خاله كريون على طرد أخيه الأ‌صغر بولينيس. فقام بولينيس بتكوين جيش حاصر به أخاه وخاله. يقتل الأ‌خوان أثاء المعارك كل منهما الآخر حتى تتحقق النبوءة.

نتيجة لذلك، يصبح الخال كريون ملك البلاد. يقرر فور تملكة السلطة تشييع جثمان حليفه إيتوكليس في احتفال يليق ببطل عظيم وتوسيد جثمانه القبر بيديه، إجلا‌لا‌ وتشريفا للميت.

بينما يأمر بعدم دفن جثة بولينيس المتمرد، وتركها مكشوفة لكي تنهشها الوحوش المفترسة والطيور الجارحة. ذلك عقوبة لخيانته. ثم توعد من يخالف أمره ويقوم بدفن الجثة بالموت الرهيب.

عدم دفن الموتى يعتبر من الكبائر التي تحرمها الديانة اليونانية القديمة. يعقد الخوف ألسنة الجميع، فلا‌ يجرؤ أحد على مواجهة الملك في قراره الظالم. هنا تبدأ حكاية أنتيجون، حين تتقدم وحدها، لكي تقاوم الملك وحكمه الجائر وتقرر تحدي الأ‌وامر الملكية، وتقوم بدفن جثة أخيها، رغم تحذير شقيقتها إسمين.

مسرحية أنتيجون بأسلوب مبسط، تصلح للتمثيل على المسارح المدرسية.

أبطال المسرحية:
كريون، ملك طيبة
يريديسي، زوجة كريون
هايمون، ابن كريون
أنتيجون، ابنتة أخت كريون
إسمين، ابنة أخت كريون
تيريسياس، شاعر أعمى
رسول
حراس
رئيس الكورس
الكورس
صبي

أنتيجون: يا أختي إسمين، الحزن والمصايب والخزي والعار قد حلت بنا. مات أخوينا وأصدر الملك كريون مرسوما لكل البلاد. هل تفهمين؟ وهل عرفتي تأثير ذلك على من نحب؟

إسمين: أنتيجون، أنا لم أسمع شيئا، منذ قتل أخوينا في المعركة.

أنتيجون: كنت أشعر بذلك، لهذا أتيت بك خارج القصر لكي أطلعك على السر.

إسمين: أرى المتاعب في عينيك يا أنتيجون. ما هي؟ بعض الظلال القاتمة ترخي سدولها عليكي.

أنتيجون: بخصوص موضوع دفن أخوينا. الملك كريون قام بتكريم أحدهما، وازدراء الآخر. سمح ل "إتيوكليس" بالدفن وفقا للشعائر الرسمية تكريما له، لكن بالنسبة ل "بولينيس"، أمر الملك بأن يترك في العراء ولا يقوم بدفنه أحد أو حتى يبدي الحزن عليه. من يخالف أوامر الملك، سيكون عقابه الموت. هذا الأمر يشملني أنا وأنت. فهل تتكاتفين معي وتشتركين في مهمتي؟

إسمين: أية فكرة خطرة تدور برأسك؟

أنتيجون: سأقوم بانتشال جثته، فهل تأتي معي؟

إسمين: أتجرئين على مخالفة قانون كريون؟

أنتيجون: سأدفن أخي، ولن يخطِّئني أحد في ذلك؟

إسمين: أنت جسورة جدا! تذكري أن الملك كريون قد منع ذلك.

أنتيجون: ليس من حقه منعي من دفن أخي.

إسمين: أنتيجون، تذكري من فضلك أننا لم نرب على المشاكسة. أنا أطيع من في يده السلطة.

أنتيجون: لن أحاول إقناعك، وسأقوم بدفنه. حتى لو تسبب ذلك في موتي. إن كان فعلي هذا جريمة، فهي جريمة شريفة نقية. أنا مقتنعة أنني سأدفن في القبر إلى جواره. لكن، إذا أردتي، عليك أن تلعني قوانين الدفن المقدسة، التي تباركها السماء.

إسمين: لا، لن أقوم باللعن، ولكنني ضعيفة جدا أمام إرادة الملك كريون.

أنتيجون: اجعلي هذه حجتك. أما أنا فسوف أقوم بدفن أخي الذي أحبه.

إسمين: أخاف عليك، وأرتجف بالقلق على مصيرك.

أنتيجون: اهتمي بنفسك أولا، ولا تخافي علي.

إسمين: قلبكي مليء بالحقد.

أنتيجون: أنا أعرف أنني لن أرضي إلا من يستحق الإرضاء.

إسمين: لكن ما تبغين فعله، هو المستحيل بعينه.

أنتيجون: عندما تخذلني قواي، سوف أتوقف.

إسمين: لكن، لماذا تحاولين هذا الفعل اليائس.

أنتيجون: سأواجه المخاطر التي تفزعك. إنها لا تخيفني البتة، الذي يخيفني هو مجابهتي الموت بجبن وخوف.

إسمين: إذن إذهبي إذا كان لابد من ذلك. مهمتكي لا معنى لها، مجرد حمق أعمى. لكن تذكري أنني أحبك حبا جما، أختي العزيزة أنتيجون.

(تخرج أنتيجون وإسمين في اتجاهين متضادين. ويدخل الكورس)

الكورس: ها هو كريون يأتي، ملك طيبة الجديد. لماذا يدعو إلى هذا الاجتماع؟

كريون: لقد جمعتكم هنا بناء على مرسوم ملكي. في يوم ما، الأخوان إتيوكليس وبولينيس، قتلا في المعركة، إذ كان يحارب كل منهما الآخر. أنا الآن أعتلي العرش والسلطة الملكية بحق قرابتي للموتى. بناء عليه، أصدرت هذا المرسوم: إتيوكليس، الذي تفوق بسالته كل من حارب بشجاعة لنصرة وطنه، والذي ضحى بحياته في سبيل ذلك، سوف يدفن بكل تكريم وفخار. أما بولينيس، الذي جاء من المنفى لكي يحاربنا بجيشه، فسيترك بدون دفن في الخلاء. هذه هي أوامري.

الكورس: هذه إرادتك يا مولاي.

كريون: هذا القانون يجب أن يحترم. لقد قمت بوضع حراس تراقب الجثمان كي لا يدفن.

الكورس: أية خدمة أخرى تريدها منا؟

كريون: أن تقاوموا كل من يخرق هذا القانون.

الكورس: ليس منا الأحمق الذي يريد الموت.

كريون: الموت حقا سيكون ثمن العصيان.

(يدخل الحارس)

الحارس: كريون، مولاي، أنا ألهث من الجري. أنا هنا لكي أخبرك بكل شئ. ربما يكون أمرا تافها، لكن علي أن أخبرك به. فلن يصيبني شئ أكثر مما كتب لي.

كريون: هل أخبارك غير سارة؟

الحارس: نعم، الخوف يجعل الإنسان يلوذ بالصمت طويلا.

كريون: خلصنا، احكي حكايتك وغادرنا.

الحارس: إذن هذه هي الحكاية. الجثمان، جثمان بولينيس الغير مدفون، غطي بالتراب وقرئت عليه المراسيم المقدسة لدفن الموتى.

كريون: من الذي جرؤ على هذا الفعل الطافح بالتحدي؟

الحارس: لا أدري. لا توجد أية علامة على الحفر، الأرض كانت صلبة وناشفة والتربة غير مهالة. لا توجد أية آثار على الأرض لعجلات عربة ما. الشخص الذي قام بهذا العمل، لم يترك أي أثر على الإطلاق.

الكورس: ربما كان هذا العمل بأمر الآلهة.

كريون: صه! اكتم أنفاسك حتى لا ينالك غضبي. أعرف أنه يوجد من يرتشى لكي يقوم بمثل هذا العمل. ليس هناك شئ أحقر من المال على هذه الأرض. أنا أخبرك وبكل صراحة، ومستعد لتأكيد كلامي هذا بأغلظ الأيمان، أنك إن لم تجد من فعل هذا الفعل الخبيث، ومن قام بمراسيم الدفن لهذا الجثمان متحديا إرادتي، لن يكفيني موتك.

الحارس: لست أنا الذي فعلها.

كريون: احضر إذن من فعلها.

الحارس: لعل الآلهة تقرر كشف الجاني.

(يخرج كريون إلى القصر، والحارس إلى مكان الدفن)

الكورس: هذا الكون مليء بالروائع، لكن أروعها هو الإنسان. كله حيوية ويقظة في مواجهة الخطر. لكن في مواجهة الموت، يقف عاجزا لا يستطيع أن يفعل شيئا.

(يدخل الحارس مصاحبا أنتيجون)

رئيس الكورس: ما هذا المشهد الغريب؟ لا أصدق عيناي.

الكورس: أنتيجون! أنتيجون! ماذا جنيتي؟ ابنة تعيسة لأب تعيس. لا يمكن أن تكوني أنتي من عصى الملك كريون.

الحارس: لقد وجدناها وهي تقترف جريمة دفن أخيها! أين الملك كريون؟

(يدخل كريون)

الكورس: جاء من القصر في الوقت المناسب.

كريون: لماذا أحضرت هذه الفتاة؟ وإلى أين تذهب بها؟

الحارس: وجدناها تدفن أخيها! هي لا تستطيع الإنكار.

كريون: هل هذه هي الحقيقة؟

الحارس: لقد رأيتها بنفسي تدفن الجثمان الذي أمر جلالتكم بعدم لمسه. أليس هذا دليلا كافيا؟

كريون: تكلمي يا من تنظرين إلى الأرض. هل هذه الإتهامات صحيحة أم خاطئة؟

أنتيجون: أنا أقر وأعترف بها كلها. أنا لا أنكرها.

كريون: اذهب أيها الحارس. (يخرج الحارس). لكن أخبريني واختصري في الكلام، ألم تسمعين بالمرسوم الذي يحظر مثل هذا الفعل.

أنتيجون: لقد سمعت به وأعرفه.

كريون: ومع هذا جرؤتي على عصيان أوامري.

أنتيجون: لم يكن زيوس هو الذي أصدر هذا المرسوم، كما لا أعتقد أنك يا كريون، ذلك الرجل الذي يلغي قوانين السماء ويمنع دفن الموتى!

الكورس: أظهرت أنتيجون لخالها القوة والشجاعة.

كريون: هؤلاء الذين يتسمون بذروة العناد، يسقطون أشد السقوط. لقد رأيت أكثر الخيل شراسة يمكن ترويضها قليلا. هذه الفتاة وقحة، تتباهى بما فعلت. بالرغم من أنها ابنة أختي، إلا أنها لن تهرب العقاب المباشر، وكذلك أختها.

(يذهب الحارس لكي يستدعي إسمين)

أنتيجون: هل هناك أكثر من أن تأخذني وتقتلني؟

كريون: لا أبغي أكثر من ذلك.

أنتيجون: لماذا إذن التأخير؟ أنا لا يسعدني سماع صوتك. كيف أقدم للسماء مجدا أعظم من دفن أخي؟

كريون: أنتي الوحيدة في هذه المدينة التي تعتقدين ذلك.

أنتيجون: الناس تعتقد مثلما أعتقد، لكنهم يكتمون أنفاسهم خوفا منك ومن ظلمك.

كريون: أنتي تكرمين خائنا.

أنتيجون: إنه أخي الذي مات، لا الخادم.

كريون: سحقا للموت. لا أحد، ما دمت حيا، يفرض إرادته علي.

رئيس الكورس: هاهي إسمين تأتي.

(يدخل الحارس وهو ممسكا بإسمين)

كريون: أنت تختبئين مثل الحية في منزلي، فهل تعترفين بأنك قد اشتركتي في عملية الدفن، أو تقسمين بأنكي لم تكني على علم بالمرسوم الملكي؟

إسمين: أنا أشارك أختي في اللوم ولا أبالي.

أنتيجون: لا! العدالة ترفض ادعائك. أنت قد رفضتي وأنا لم أشرككي في الأمر.

إسمين: يسعدني مشارتك المتاعب والوقوف بجوارك.

أنتيجون: أنا لا أحب من يظهرون حبهم بالكلمات فقط.

إسمين: أختي، دعيني أموت معك.

أنتيجون: دعيني أموت وحدي. تذكري، أنكي لا تستطيعين مساعدتي. لا تستطيعين ادعاء ما قد أبيتي فعله.

إسمين: أي متعة سوف أجدها في حياتي عندما تتركيني وحيدة.

أنتيجون: سلي كريون. إنه كريون الذي تقومين برعايته.

إسمين: يا كريون العظيم! أنتيجون خطيبة ابنك هايمون، فهل تقتل خطيبة ابنك؟

كريون: ألا يوجد نساء غيرها في هذا العالم؟ أنا لا أريد زوجة شريرة لابني.

أنتيجون: يا هايمون، لا تستمع إلى تحقير أبيك.

كريون: أنتي يا أنتيجون، لقد أصبحتي مصدر متاعبي.

إسمين: أيها الملك العظيم، هو ابنك! كيف تأخذها منه؟

كريون: لست أنا، وإنما الموت، هو الذي سينهي هذا الزواج.

الكورس: يبدو أنك، يا كريون، قد عقدت العزم على قتلها.

كريون: لا يجب إضاعة الوقت. يا حراس، خذوهما.

(الحراس يؤخذون أنتيجون وإسمين إلى خارج المسرح)

الكورس: ما أسعد الذين لم يمروا بالمصائب.

رئيس الكورس: أنظر! هنا يأتي ابنك هايمون.

كريون: هل أتيت غاضبا، هايمون، أم أنت لا زلت ابني المطيع لكل أوامري؟

هايمون: أبي، أنا ابنك، لازالت تحكمني قراراتك الحكيمة.

كريون: خذ بنصيحة والدك في كل الأمور. الناس تتمنى أن يكون أبناؤها مطيعين. اعتبر هذه المرأة أنتيجون عدوة لك. لا توجد لعنة أكبر من العصيان. العصيان يجلب الدمار للمدينة.

هايمون: أبي، إنها الآلهة التي منحتنا الحكمة. لكن من واجبي كابنك أن أبلغك بما يقوله الناس في المدينة. المدينة كلها تبكي هذه الفتاة. هم يقولون أنها لا تستحق الموت لدفنها لأخيها. يقولون أيضا أنها تستحق تاجا من الذهب الخالص. هذا لغط المدينة الذي ينتشر في كل مكان. أبي، الرجل الذي يعتقد أنه وحده هو الحكيم، غالبا ما يكون خاوي الوفاض. ليس هناك عار في تعلم المزيد ومعرفة حدودنا، حتى لو كنا ملوكا. يا أبي الملك، دع عضبك يخبو واستفد من حكمة الآخرين.

الكورس: أيها الملك، لم ينطق ابنك بالحمق. يمكنك تعلم الحكمة من الآخرين.

كريون: أنا، ملك طيبة، أتعلم الحكمة من صبي؟

هايمون: لا تشغل بالك بسني، وتدبر الأمر.

كريون: تطلب مني أن أمجد العصيان؟ هل هذا ما تعنيه بتدبر الأمر؟

هايمون: هذه ليست حكومة طاغي!

كريون: أيها الوغد، هل تعصي مشيئة أبوك؟

هايمون: فقط عندما تقف في وجه العدالة والحق.

كريون: سوف تندم على فعلك هذا! آتوا بهذا المخلوق الكريه المقزز المسمى أنتيجون، لكي تموت تحت بصر هايمون.

هايمون: أنت من الآن لن ترى وجهي ثانية.

(يخرج هايمون)

الكورس: غادر غاضبا، يا مولاي. الشباب عندما يجرحون بعمق، يزداد يأسهم.

كريون: لن يستطيع انقاذ هاتين المرأتين من حتفهما.

الكورس: هل تبغي القضاء على الأختين معا؟

كريون: أنتيجون فقط، إسمين لم تذنب في حقي.

رئيس الكورس: ماذا ستفعل بأنتيجون؟ كيف ستقتلها؟

كريون: إلى كهف مهجور سوف تلقى، وتترك تتمنى الموت.

(يخرج كريون)

الكورس: أنظروا! لقد أحضروا أنتيجون هنا. لا يمكننا التحكم في دموعنا، التي تنهمر مثل ماء الفيضان.

(يدخل الحراس ممسكين بأنتيجون)

أنتيجون: أصدقائي وناسي، الآن أقوم برحلتي الأخيرة، الآن أرى الشمس لآخر مرة. لن أراها مرة أخرى. ياله من مصير مرعب أن تختفي من على سطح الأرض.

الكورس: كنت جريئة أكثر من اللازم، بل متهورة. الآن السلطة الملكية تنتقم انتقامها الرهيب.

أنتيجون: وحيدة بدون أصدقاء، وبدون بكاء أو غناء، سوف يسوقوني إلى حتفي. لن أرى الشمس في السماء مرة ثانية.

(يدخل كريون)

كريون: كفى! خذوها من هنا، إلى كهف قبرها كما أمرتكم. لن تعيش بعد اليوم بين الأحياء.

أنتيجون: لماذا أتطلع إلى السماء طالبة النجدة، إذا كانت هذه هي إرادة الآلهة؟

كريون: اقتربت نهايتك. لقد صدر الحكم. وليس لدي ما يخفف عنكي.

(يقوم الحراس بسحب أنتيجون خارج المسرح)

الكورس: أنظر! تيريسياس، أعمى لكنه يرى كل الناس، يأتي إلى أرضنا.

(يدخل تيريسياس يسحبه صبي صغير)

تيريسياس: مولاي، ملك طيبة، هذا الغلام شاركني رحلتي، لأن الأعمى يحتاج لمن يقود خطاه.

كريون: أي بشرى، أيها العجوز تيريسياس، قد أحضرتها معك؟

تيريسياس: استمع إلى العراف. إن استمعت تكون قد فعلت خيرا.

كريون: هل تجنبت حكمتك أبدا؟

تيريسياس: أنت الآن تمشي على حافة الهاوية.

كريون: كلماتك تجعلني أرتجف. أفصح أكثر.

تيريسياس: قبل أن تغرب الشمس، ستضحي بشخص من صلبك تكفيرا عن جريمة. لقد نلت غضب الآلهة. هم منتقمون غضبهم شديد وعقابهم سريع، يضعون في طريقك الشراك. لن يمضي وقت طويل قبل أن يمتلئ منزلك بالنحيب الذي يجلب الرثاء. اللعنات سوف تنهال عليك من كل أنحاء المدينة، بسبب أجساد أهلك المتروكين في الخلاء للتعفن أمام جدران طيبة. هذه هي سهامي أطلقها عليك يا كريون. لكن الآن، يا غلام، قودني كي أعود إلى منزلي. دعوه يصب جام غضبه على الشباب. إذ ربما يتعلم، نهاية المطاف، كيف يحفظ لسانه في رأس أحسن من رأسه.

(يقود الغلام تيريسياس إلى الخارج)

الكورس: تنبأ تيريسياس نبوءات مرعبة يا كريون. كل نبوءاته قد تحققت.

كريون: نعم، أعرف هذا، وأنا متحير.

الكورس: يا كريون العظيم، استمع إلى نصيحته.

كريون: انصحوني وأنا استمع. فما عساي أن أفعل؟

رئيس الكورس: اطلق سراح أنتيجون من كهف الموت، وقم بدفن بولينيس في قبر.

كريون: هل جعلتموني أمتثل؟

الكورس: نعم وبسرعة. فالآلهة دائما تعاقب الحمقى من البشر.

كريون: يا له من أمر صعب أن نلين، وبالرغم من ذلك، لا يمكنني مقاومة ما هو ضروري. نعم، سوف أمتثل.

رئيس الكورس: بسرعة، قم الآن بما يلزم بنفسك. لا تترك الأمر للآخرين.

كريون: يا حراس، قوموا بسرعة بإطلاق سراح أنتيجون من كهف الموت.

(يهرع الحراس إلى الخارج، يتبعهم كريون. ويدخل الرسول)

الرسول: استمعوا يا أهل طيبة. لقد ضعنا جميعا، ولن تجدوا بعد الموت سعادة.

الكورس: كم ثقل هذه الأنباء الكئيبة التي جئت بها؟

الرسول: لقد أحضرت لكم الموت.

رئيس الكورس: الموت؟ موت من؟

الرسول: مات هايمون.

رئيس الكورس: قتل نفسه أم قتل بيد أبيه؟

الرسول: لقد قتل نفسه.

الكورس: تيريسياس، كم كانت نبوءتك صادقة؟

رئيس الكورس: لكن أنظروا، يوريديسي الملكة تأتي من القصر. فهل علمت بخبر ابنها؟

(تدخل يوريديسي)

يوريديسي: أيها الناس الطيبين جميعا، لقد سمعت بالأنباء. لكن أخبروني بها مرة أخرى كي أتأكد، فالأنباء السيئة ليست غريبة علي.

الرسول: سيدتي، سوف أخبركي بما قد رأيته بنفسي. ذهبت مع كريون أعلى التل، حيث لازال يرقد جثمان بولينيس. قمنا بغسله والصلاة للآلهة عليه، حتى نخفف من غضبها فتغمرنا برحمتها. بعد ذلك ونحن في الكهف، سمعنا صرخة رثاء. اندفعنا صوب مصدر الصوت، فوجدنا جثمان أنتيجون بعد أن فارقت الحياة. لكنها لم تكن وحدها في كهف الأموات. كان معها هايمون أيضا. منحني وسيفه غائر نصفه في جسده. في وضع يعانق فيه جثمان أنتيجون، لكي يخضبها بدمائه الملكية. لقد كان ميتا مع الأموات.

(تخرج يوريديسي وتعود إلى القصر)

الكورس: كيف نفسر هذه الأحداث؟ بدون أن تتفوه الملكة بكلمة واحدة، غادرت هذا المكان.

الرسول: هذا شئ عجيب.

رئيس الكورس: سكوتها يبدو شئ خطير.

الرسول: شئ غير طبيعي بالمرة. سوف أتبعها.

(الحارس يتبع يوريديسي إلى القصر)

الكورس: ها هو كريون يحضر.

(يدخل كريون)

كريون: انظروا أهل طيبة إلى قاتل ابنه. أسلوبي العنيد أثمر المرارة والحصرم. مات ولدي. هايمون، نزع مني في سن الشباب. الذنب ذنبي.

الكورس: وا أسفاه، لقد بانت الحقيقة بعد فوات الأوان.

(يدخل الرسول عائدا من القصر)

الرسول: أيها الملك، المزيد من الأحزان تنتابك. داخل منزلك، بؤس آخر ينتظرك.

كريون: ماذا؟ المزيد؟ وأي مصائب بقيت أكثر من هذه؟

الرسول: الملكة يوريديسي، زوجتك وأم هايمون الحقيقية قد توفيت. في نوبة حزن، أغمدت النصل في قلبها.

كريون: في خبطة واحدة، فقدت ابني وزوجتي! أيتها الآلهة، هل تعرفين الرحمة؟

(يحمل الحراس جثمان يوريديسي)

الكورس: أنظر، هذا هو جسدها الميت.

كريون: متى ينتهي كل هذا؟ أي شئ آخر يخبئه لي القدر؟ هل يوجد هنا من يستطيع بطعنة واحدة أن ينهي بها حياتي؟ الحزن يسحقني.

الحارس: الملكة قامت بلعنك وهي تموت!

كريون: ذنب موت ابني وزوجتي يقع علي وحدي. لقد قتلتهما معا دون أن ألمسهما. احضر أيها الليل بدون فجر. أرجو الموت.

الكورس: لا فائدة من الرجاء. لن تستطيع الهرب من قدرك الذي كتبته عليك الآلهة.

كريون: لا أعرف لمن أتوجه. كل شئ أفعله يفسد. حياتي لم تعد تطاق.

(يخرج كريون إلى القصر. الحراس تتبعه وهي تحمل جثمان يوريديسي.

الكورس: كلمات الغرور من الناس المتعجرفين تقابل في النهاية بالعقاب. كبار السن تتعلم الحكمة بعد فوات الأوان.

(يخرج الكورس ببطء مع نزول الستار)