... بسمكة

، بقلم مصطفى أدمين

قررتُ يومَه الأحد عدم الدخول في أي مشروع يحرمني من ملاقاة صديقتي الجديدة خولة تيوالّين، وتفاديا لأيّ "برنامج" مفاجئ غير مرغوب فيه، اتصلت بها باكرا على أمل أن نلتقي في مقهى أولهاوْ في الساعة الثالثة زوالا. فكانتْ في الموعد فتاة شكولاطية بطول أمريكية لاتينية وبضفائر كثيرة قوية مفتولة في الجمال والتحدي.
خولة بالكاد أقصر مني قليلا لكنني أشعر بها كدمية في ذراعي بيد أنها قادرة على تسيير مائة رجل إلى ألف وجهة.
صادفتها ذات صباح بمقهى تَفارْنوتْ المقابل لغرفة التجارة والصناعة والخدمات. كانت تتناول فطورها من فطيرة مدهونة بآمْلو وقهوة سوداء في فنجان، وأنا على قطعة حرْشة غارقة في الزبدة البلدية وقهوة سوداء في كأس شفاف تماما. صادفتْ نظرتي نظرتَها فأحببتها على الفور.
تذكّرتُ ليلة قالت لي والدتي رحمها الله: "نحن لسنا عنصريين ولكن لا نتزوج إلا من البيض" لتقنعني بترك صحبة تلميذة سوداء البشرة كانت تدرس معي في صف الباكالوريا، وعندما قلت لها:" أ لا يمكن أن تكون المرأة السوداء جميلة ورقيقة وحنونة؟" أجابتْ:"بالطبع نعم، ولكنني أفضلها بيضاء".
لو رأت والدتي خولة لغيرت رأيها.
خولة تتابع دراسة اللغة الانجليزية بجامعة بن زهر وتتحدثها بطلاقة، وهي لا تريد الزواج مني وأنا لا أريد الزواج منها. نخاف بالزواج يذهب الحب.
قبلتها على خدّها أمام بيتها بحي الداخلة المتاخم لحرم الحي الجامعي في الساعة الثامنة ليلا، فقالت:
ـ وماذا ستفعل بما تبقى من الليل؟ فأجبتها:
ـ سأذهب إلى بيتي، وسأستمع لموسيقى الرّاي الحزينة، وقد أستمع إلى بعض قصائد الملحون. غير أن هاتفي المحمول رنّ وأنا في الطريق، فكان هو؛ الطبيب الطيب أزلماض يريدني أن ألتحق به في بار جنوب الباهية.
وجدت مع الطيب عاهرتان لم تر عيناي من تفوقهما قبحا. بيضاوان غارقتان في الماكياج الثقيل والبدانة. حاولت واحدة منهما تقبيلي في فمي فاعترضت فمها بيدي:
ـ سأرحل.
ـ ولكن صديقي مبارك إيميم يريد مجالستك والتعرف عليك... إنه في الطريق إلينا.
بعد بضعة شربات، حضر صيادو السمك مسبوقين بخنز الروج والكارّو وبوزروك. كانوا ثلاثة بأفواه واسعة مسودّة ودرداء. تقززت، ولكن أخلاق الندامة تحتّم عليّ أن أصطبر عليهم.
في ظرف كلمتين، ضجّت الطاولة بالقناني والكؤوس وضجّت أذني بالكلام البربري المتناثر، فاستسمحت الطيب لأجل الانصراف، لكنه طلب مني البقاء، ومثله فعل الصيادون والعاهرتان؛ ولإجباري على السمر معهم أغرقوني بالمحبة والشراب.
في ما بعد، وجدَنا منتصفُ الليل بالقرب من قبر الولي الصالح سيدي عبد الله معين البحارة والصيادين. حكى إيميم أن البحارة والصيادون يقدّمون القرابين لهذا الولي لتُحفظ حياتهم ويسهل ويكثر صيدهم وأنه ـ هو نفسه ـ يقدّم بعض السمكات ليعينه على تحقيق حلمه.
كدت أخطئ وأسأله عن حلمه، ذلك لأن الأحلام لا يمكن الإصغاء إليها إلا إذا توفرت الظروف لذلك؛ الثنائية مثلا. وأنا مع ثلاثة صيادين وطبيب مفقود وامرأة متبقية ليس بإمكاني الإصغاء لحلم رجل.
تدحرجنا إلى البحر على طول الخط المتعامد مع موقع فنار غاديس ثم تفرقنا؛ جمهور الصيادين إلى أشغاله المعتادة، أنا للتأمّل الليلي، الطيب للمزيد من الشرب، وزْهور مرابّو للضياع. كلّ عرف مهمّته؛ فمن يبسط البسط البلاستيكية ويشعل النار، ومن يثبت الصنارات ويرسلها إلى جوف المحيط، ، ومن يتكلّف بإدارة الشرب، ومن يتأمّل، ومن هو في مهمّة الغياب.
لمّا أتعب السكرُ الطيبب الطيب أزلماض، اتخذ من فخذ زْهور تُكأة ونام فيما باتت هي تنادي على دورتها من الروج حتى عندما لا تكون الدورة دورتَها. "زْهور مْرابّو أعظم شريبة خمر عرفتها في حياتي" قلت للبحر؛ فردّ:"بل هي ليلى تابوباتْ ! هل نسيتَ كيف أفرغتْ في ليلة مُثلِّجتَك من خمور أسبوع؟" هذه ال"ليلى" كانتْ جاءتني إلى مكتبي لترجمة عقد طلاقها من رجل تقول عنه إنه لا يفهمها ولا يقدّر طبيعتها الخمرية.
في تلك الليلة راعني مشهد الإضاءة المتقطِّعة للفنار. ففي كلّ إضاءة منه، كنت أرى شخصا ضمن الصخور الساحلية يركع ويسجد في صلاة غريبة. حينها سحبتُ نفسي من ذراع زْهور النائمة أو المتناومة بجنب الطيب الغارق في الشخير وتوجّهتُ صوب ذلك المتعبد المفترض البعيد عني بمقدار أربعين قصبة صيد فوجدته...
... وجدته على اتصال بإحدى نساء آنْزا المطلّة على المحيط وما كانت صلاته الظاهرة صلاة بحق.
استصبرت على خيبة أملي وقفلت إلى مجلسي لتأمّل آخر. فجأة سمعت مْبارك يصيح:" سمكة ! سمكة." الظاهر أنها كبيرة بدليل التعاون الجماعي لأجل استخراجها من البحر. كلّهم أمسكوا بالقصبة وراحوا يتمايلون أماما ووراء. تارة يرخون خيط النيلون وتارة يشدّونه بماكينة اللولبة. مدّ في قصر وقصر في مدّ إلى أن ظهرت السمكة وهي تتخبّط على سطح الماء. آنذاك عالجها مْبارك بضربات على رأسها وباقي جسدها بواسطة هراوة إلى أن فقدت وعيها:
ـ هذه سمكتي، قال مْبارك، وأنا من سيفتح بطنها...
كانت السمكة مجندلة وهي بطول الطيب وهو نائم وكانت تشخر وبعض الدم يشخب من رأسها.
بحركة سريعة بقرها مبارك وراح يفتّش عن شيء في أحشاءها وهو يدمدم:
ـ أين هي؟ أين هي؟..
وها هي الآن بعض قطعها على النار ومبارك حزين. والفنار توقف عن إضاءة المكان والصيادون إلى المحيط ينظرون بعيون تتلألأ فيها ألسنة النار.
ـ كنتُ على يقين من أن أجدها هذه المرّة، دمدم مبارك في سكره الحزين.
ـ هل تريد أن تفسد علينا ليلتنا كما هي عادتك؟ قال أحد صاحبيه.
ـ في كلّ مرّة تقول إنّك ستجدها ونحن نعلم أن زمن ألف ليلة وليلة قد ولّى من دون رجعة، قال الآخر.
عندها لاحتْ تباشير الصباح قادمة من جهة حيّ أغروض الشرقية فعلمتُ بحدسي أن لحظة البوح قد أزفتْ:
ـ ماذا كنتَ ستجد في بطن السمكة يا مبارك؟ قلت للسيّد إيمّيم، فردّ من خلال عينين متعبتين:
ـ ماسة... ماسة بحجم بيضة... أبيعها... أتحرّر من الكراء... الديون... أتزوّج... أشتري سيارة...
ـ هذا إذن حلمك.
ـ أجل ! هو حلمي وكابوسي في نفس الوقت. منذ أربعين سنة وأنا أصطاد السمك في عرض هذا المحيط الكريه ولا أجني منه سوى ما أسدّ به رمق العيش.
ـ أنت أحمق. قالت زْهور مْرابو من خلال عينين ناعستين، الماسة التي تقدر على إسعادك هي امرأة شريفة تتعاون معها على الحياة.
لم يردّ عليها، بل اكتفى بجرّ جثته إلى المنحدر المؤدي إلى أكادير تاركا خلفه أدوات الصيد وأصحابه.