الذئب … والحمل !!

، بقلم وليد رباح

هذه قصة حقيقية.. جرت أحداثها في ولاية تكساس.. وهي في مجرياتها فاجعة.

عندما حدثته نفسه بالسفر إلى امريكا.. احتضن شقيقه الصغير الذي لم يبلغ الحلم.. وعندما بكى الصغير طمأنه وأقسم برحمة والده أن يسعى لاحضاره الى أمريكا للعيش معه.. إذ كان الصغير متعلقاً به حد الألتصاق.. ثم غاب في طيات الموارس بين الأشجار يمتطي حماراً حمله ما لا طاقة به لكي يصل الى مفترق الطرق فيضع الحمار عند أحد الأقرباء في قرية أخرى تمهيداً لركوب سيارة تنقله الى المدينة الكبيرة.. حيث السيارات التي تطوي المسافات طياً لتوصله الى الميناء.. ومن ثم يستقل الباخرة الى امريكا.. البلاد الحلم.

في طريقه تنازعته الافكار.. واستبدت به المخاوف.. لماذا يغادر قريته الصغيرة.. لماذا يترك أمه وحيده مع شقيقه الذي لم يبلغ الحادية عشرة بعد.. الف لماذا طرقت أفكاره وهو ينخس حماره الصغير الذي سيقوده الى عالم لا يعرف أين ينتهي.. غير ان الجوع الذي اعتاد ان يمتص أمعاءه جعله يستفيق من غفوته القصيرة لكي يواصل المسيرة.. نعم.. سوف اذهب إلى بلاد العسل.. حيث الدولارات تخرق الأذن مثل طبل أجوف.. وسأرسل للصغير وأمي ما يتبلغان به فتمتلئ الأمعاء بعد طول جوع وحرمان.

قفز إلى الباخرة فرحاً.. ها هو الموج يعلو ويهبط في ذلك اليوم العاصف.. لكنه حتماً سيصل إلى أمريكا حيث النقود الوفيرة والعيش الرغد.. وأخذ عصام يحلم وهو على طارف السفينة وقد خلف وراءه دهراً من الشقاء والعذاب الذي لا ينتهي.. وفي ليلة من الليالي جاء إلى ذهنه جواد.. ذلك الجار الذي هاجر منذ سنين.. ويرفد أسرته كل شهور ثلاثة بما يقيم أودهم.. فيحلف أغلظ الأيمان ان يسافر الى هناك.. كيما ينقذ شقيقه وأمه من العذاب.. وها هو ينظر الى الافق البعيد حيث الماء يملأ مساحة الكون..

وفي غضون الشهر الذي أمضاه فوق صفحة الماء لم ير غير الطيور التي تتبع الباخرة أملا في بعض الفتات.. وقبل أن يعلن مكبر الصوت إن أمريكا قد غدت قاب قوسين او ادنى صلى ركعتين شكراً لله.. ها قد وصل أخيراً إلى حيث أرض الأحلام.. نظر من على طارف السفينة ولكنه لم ير شيئاً.. وجاء المساء ثقيلاً فأبصر بصيص الضوء قادماً من مدينة نيويورك حيث ناطحات السحاب تشق سماء الكون.. لكن نورها ضعيف مثل ضوء السراج الذي كان يضئ بيته الطيني في القرية.. وشيئاً فشيئاً اخذ النور يتوهج.. وفي غضون ساعات قليلة أصبح الضوء أكثر تلألؤًا وأكثر إقتراباً.. وعندما قفز الى البر عبر جسر خشبي أمتد من الميناء الى السفينة شعر بأن عظامه تتكسر فوق صفحة الجسر.. ثم أيقن بعد ذلك انه ترك خلفه سنين طويلة من العذاب والحب والحنين وتنازعته أمورا إنسانية جعلته يبكي.. ثم أستقبل وجهه شطر المدينة الرابضة على أعتاب البحر.

مثله مثل باقي الاغراب في هذه المدينة.. طاف في شوارعها لليال عديدة.. لكنه لم يعثر على ما يبغيه من عمل.. وأخذت النقود القليلة التي يختزنها تفارق جيبه.. ووجد نفسه بعد ليال على حافة الجوع والبرد والضياع.. جلس إلى حافة الطريق الذي تمر فيه السابلة والسيارات مسرعة ذاهبة آيبه.. ولفت أنتباهه إن إمرأة جميله تجلس إلى جانبه.. نظر إليها بإشفاق وهي تمضغ بيسر شطيرة كانت في يدها.. أنها تشبه بنات البلاد.. سمراء الشعر مهيبة تأكل بتؤدة كأنما تبحث عن شيئ أضاعته.. نظرت الى عينيه ثم عادت الى شطيرتها.. ونظر إلى وجهها وأشاح عندما لمحته.. غير انه شعر بما يشده اليها.. وكانت كلمات الانجليزية التي تعلمها في الوطن لا تعدو بعض الكلمات الضرورية فقال لها.. مساء الخير.. قالت له مساء الخير.. ثم اتبعتها بجملة لم يفقه منها شيئاً.. ولما لم يجبها قسمت شطيرتها الى جزئين أعطته جزءاً منها.. فأخذها لكي يسد جوعه.. ضحكت وضحك.

قالت له مكسيكو فعرف إنها مكسيكية.. وقال لها آرابو فعلمت إنه عربي.. وفي غضون ساعة او دون ذلك تعارفا بالاشارت فقط.. وكأنما لغة اللوغارتيمات قد غدت مفهومه لديهما.. قالت له تكساس.. كانت تقصد إنها ذاهبه إلى تكساس.. وإنها تدعوه لكي يسافر معها لما عرفت إنه غريب عن هذه البلاد.. وأعتبرت لفظه للكلمات أنه وافق على السفر الى هناك.. ثم أمضيا الليل في الشوارع ليس لهما من وجهة.. كان البرد يضرب صفحة وجهيهما.. لكنهما كانا سعيدين.. فهي لا تملك غير نقود الرحلة بالقطار الى تكساس.. وهو لا يمتلك منها شيئاً وفي غضون سيرهما تذكرت شيئاً فجرته من يده تسير سيراً حثيثاً الى حيث سار خلفها.. دلفت إلى احدى المطاعم الليلية.. وهناك طلبت رؤية شاب من جنسها فجاء اليها شاب قصير القامة ممتلئ الجسم تحدثت اليه بكلمات لم يفهمها عصام.. غير ان الشاب القصير مد يده اليه وصافحه بقوة.. ثم انتحى بهما جانباً وأخرج من جيبه بضع دولارات ووضعها في يدها وأشار لهما بالتحية ومضى.

تناولت ماريا خمسة وثلاثين دولاراً من عامل المطعم.. وكان هذا المبلغ في ذلك الزمن عنوانا لثراء صاحبه.. إذ كان يكفي لسفرهما سوياً إلى تكساس ثم تناول وجبات شهية لأيام عديدة.. وعلم فيما بعد أن الشاب عامل المطعم كان عيناً للمافيا على أعدائها فمنحته تلك المنظمة ثراء غير يسير.

كان القطار ينهب الارض وهما في مقصورتهما ينظر كلا منهما للآخر ولا يستطيع أن يتحدث اليه.. كانت اللغة عائقاً في التفاهم بينهما.. غير إن روحاهما كانت تتحدث بشئ من التفاهم.. قالت في نفسها أنه يفهم لغة العيون.. وقال في نفسه أنها تفهم اللغة نفسها. وكانا كلما مرا على محطة توقفا ونزلا من القطار قليلاً وتمشيا سوياً.. حتى إذا ما عاد صفير القاطرة يدعوهما تسلقاً الى مقصورتهما سعيدين.. ضاحكين.. كانت تقاسمه شطائرها.. وفي ليلة وضعت في جيبه بضع دولارات ورآها وهي تفعل ذلك.. وكان ضيق ذات يده يمنعه من أنكار هذا الأمر..

قالت له بعد ان وصلا ارض تكساس ان الرحلة كانت قصيرة جداً.. ولكنه لم يفهم شيئاً.. غير إنها ضحكت وضحكت حتى غدت ضحكتها مسموعه للآخرين.. سارا الى بيت قريب من محطة القطار.. طرقت الباب فخرجت اليها عجوز جاوزت الستين.. تحدثت اليها ثم دخلا سوياً الى المنزل..

لمس عصام حسن المعاملة من سكان المنزل.. كانت هناك فتاة عمرها في حدود العشرين.. وكان هناك صبي اصغر قليلاً.. أما ماريا فقد كانت في حدود الثلاثين.. وخمن أنها تكبره بسنوات قليلة.. كان الجميع يحتفي به ويحاول ان يستأثره ببعض ما يشتهي من أنواع الطعام.. وبعد شهر من ذلك الزمان التقط بعض الكلمات الاسبانية فأخذ يفهم قليلاً.. وعرف فيما بعد أن العجوز هي أمها.. وإن الفتاة والفتى أخواها..

وفي الاشهر الآتية.. شعر بإنه يحب ماريا.. وأخذت ماريا تتقرب منه فعرف أنها تحبه.. غير أن علاقتهما لم تتجاوز نظرات الوله والعشق والهيام.. وبعد سبعة أشهر من إستضافته تزوجها.. ففرحت أيما فرح.. وأصبح عصام موظفاً في مصنع صغير لصنع الأدوات المنزلية.. غير أن جده وأجتهاده في عمله جعل رئيسه يعطيه زيادة عن العمال بضع سنتات.
في العشرينات من القرن الماضي كان العامل يتقاضى اجرة للساعة ثلاثين سنتاً فقط.. وكان هذا المبلغ حريا بان يجعلك في نهاية الاسبوع تقبض خمس دولارات تستطيع العيش بها.. لكنه كان يعمل ست عشرة ساعة في اليوم.. وهذا يعني انه يقبض في نهاية الاسبوع عشر دولارات يدفع منها خمسة ( لحماته ) ثمناً لعيشهما سوياً.. ويتبقى منها خمسة يعطيها لماريا لكي تختزن بعض النقود لوقت الحاجة..

ومضت سنة على ذلك.. وتذكر أخيراً بأن له أخاً وأماً في البلاد.. فأخذ يرسل اليهما ما يمكن ان يقيم أودهما.. وكان يتابعهما من خلال رسائل أخيه التي كانت تصل اليه كل شهرين او ثلاثة مرة.. عرف إن أخاه ما زال في مدرسة القرية.. وإنه يتأهب في السنة القادمة للذهاب الى المدرسة الثانوية في المدينة.. فأخذ يزيد من إرسال النقود اليه لكي ينهي دراسته ويتمتع بالنقود بشكل أفضل.

ثم جاءت سنة اخرى فحملت ماريا وأعطته طفلاً جميلاً.. ثم حملت في السنة التالية فولدت له بنتاً جميلة.. سماهما اسماء عربية.. ثم كان الحمل الثالث فإذا به توأم أعطاهما إسم أمه وجدته .. وظل الامر على حاله لسنوات خمس.. تلقى بعدها رساله جعلته يدور حول نفسه حزناً وهلعاً.. فقد أخبره شقيقه ان امهما ماتت في القرية.. وإنها لفظت أسمه وهي على فراش الموت.. كانت ليلة طافت بها روحه حول قبرها هناك.. وأخذت دموعه تنساب بحرارة وماريا تجففها له بكثير من الشفقة والحلم.

مضت عدة سنوات لم يستطيع خلالها أن يزور قريته الصغيرة.. فقد شغلته الحياة وتربية أبنائه عما دون سواه.. وأخيراً تلقى رسالة من أخيه بتخرجه من المدرسة الثانوية بعد أن سقط لسنتين متواليتين.. وطلب اليه ان يسافر اليه في أمريكا بعد ان لم يبق له في البلاد من أقارب وأصدقاء يستطيع ان يوائم حياته.. وهكذا عول عصام ان يستقدم أخاه عله يرى فيه سلوى لفقد أمه وفقد وطنه..

مضت السنون سريعه لكنها فرحه.. وأحس عصام ان عمله في مصنع الادوات المنزليه لا يدر عليه الربح المتوقع.. فأنتقل الى مصنع آخر.. ثم الى ثالث.. وفي كل المصانع التي تقلب عليها كان يلقى الحظوة لدى رؤسائه.. وكانت نقوده تكثر.. خاصه وأنه يعمل ست عشرة ساعة في اليوم.. مما أورث بعض المشاكل في بيته..
لم يدر بخلد عصام أن أغراق نفسه في العمل يمكن ان يحول حب زوجته له الى أهمال قد تلفه المخاطر.. لكن بؤسه في الصغر جعله يداوم على العمل دون أن يأبه لتوسلات زوجته أن يمنحها واطفالها بعضاً من وقته وكان يعتذر لها بشتى الاعذار أقلها أنه يحاول تأمين مستقبل أولاده منها..

حاولت ماريا في البدء ان تطوع نفسها على ما يريده زوجها.. فغرقت في المنزل تربي الاطفال وتتنبه لهم مما اكسبها حب واحترام عائلتها.. لكن مرور الزمن بمثل ذلك التواتر قد جعل العلاقة بينها وبين زوجها لا تتعدى أن تكون علاقه ميكانيكية ليس فيها من الحرارة والحب ما كانا يخططان له عند بدء زواجهما..

ونتيجة للوم الذي كان يتلقاه من زوجته.. ونتيجة لعدم إكتراثه بذلك اللوم.. تحول البيت الى شبه جحيم.. أخذ يلومها على كل ما تفعله.. وأخذت تلومه على كل ما يقوم به.. وتحولت الجنة التي كان يرتع فبها الى غول حقيقي يخشى ان يقف أمامه لبعض الوقت.. حتى الساعات القليلة التي كان يمضيها في المنزل كانت في نظره ممله.. ولا يرغب في البقاء في البيت ابان استراحته..

وابتعدت المسافة اكثر.. وغدا عصام يمضي بضع ساعات يومه التي لا يعمل بها خارج المنزل.. وكثيراً ما شكت زوجته في سلوكه.. لكنها في النهاية كانت تعرف في قرارة نفسها أن ( الدولار ) قد اخذه منها.. وأنه قد وطن نفسه على أن يجني دولارا أثر آخر حتى تكتنز له الثروة.. ولا يهمه في ذلك رضيت زوجته ام غضبت.. استراح ام بقى على تعبه.. كل ما كان يهمه ان يكدس النقود أملاً في أن يفتح مصنعاً لنفسه..

وفي الوقت الذي كان الناس فيه يعملون طيلة الاسبوع بما لا يتعدى الدولارات المئة كان هو ياخذ نتيجة جهده ما ينوف على الاربعمائة أسبوعياً.. وفي ذلك الزمان كانت تلك ثروة كبيرة.. خاصه وان الثلاثينات من القرن الماضي قد شهدت ركودا أقتصاديا امريكيا وصل الى حد الافلاس لمئات من الشركات..

ورغم ان الناس في امريكا كانت تعيش على اعصابها نتيجة الخوف من الفقر.. كان هو يرتع في نعيم مقيم.. ولكنه النعيم الذين يستلذ فيه بالنظر الى الدولارات دون صرفها.. وكان يخبئ كل نقوده في منعزل بالمنزل لا يعرف أحد مكانه.. وفي غرفته الخاصة.. حتى زوجته لم تكن تعلم انه قد ابتكر وسيلة جديدة لاخفاء تلك النقود عن ناظريها.. فقد فتح في بلاط غرفته ممرا مؤديا الى صندوق يسقط النقود فيه فتستقر في قعر الصندوق.. وجعل ذلك الصندوق تحت سريره مباشره.. وغطاه بشكل لا يمكن لأحد ان يشك فيما تحت تلك البلاطات التي تحوي كل تلك الثروة..

ورغم كل ذلك.. لم يكن عصام يبخل على بيته.. كان بخيلا على نفسه.. ولكن زوجته وأطفاله كانوا ينعمون بالسعادة المادية.. إذ كان يعطي ماريا ما يكفيها من مصاريف منزلية ومصاريف الاولاد فلا يحتاجون لشئ مادي مطلقاً.. لكن المادة كانت تأخذ السعادة.. وكانت كل نقود الدنيا لا تقنع ماريا ان فسحة من الوقت يجب ان يقضيها عصام مع أطفاله.. وقد كانت محقة في ذلك.. وهكذا سارت بهما وبأطفالهما الايام.

فوجئ عصام يوماً بان زوجته تطلب منه الطلاق.. لكنه لم يأبه لسؤالها كما كان لا يأبه لتوسلاتها ان يعطيها بعضاً من الوقت.. وظن إن المرأة تهذي.. لكنها أصرت على الموضوع.. وتدخل أهلها فيما بعد لرأب بعض الصدع في علاقتهما.. وتظاهرت ماريا بالقناعة بما يريدون.. لكنها ظلت على جفافها وظل الامر على حاله لسنة او دون ذلك.. وفي أثناء ذلك الجفاف وتلك الجفوة ذهب عصام الى دائرة الجوازات والهجرة وقدم طلباً لاخيه في البلاد ان يمنح الاقامة الدائمة في أمريكا لأكمال علومه فيها بعد ان انهى دراسته الثانوية.. وظل سنه بعد ذلك دون ان تتاح له فرصة دخول الجامعة.. وقرر عصام ان يتابع أخاه تعليمه.. فأرسل يخبره انه بصدد استقدامه الى امريكا للعمل والتعلم معاً.. وهكذا مضت أشهراً قبل ان توافق ادارة الهجرة على ان يدخل وجيه الى أمريكا طالباً او عاملا لا فرق.. أذ كانت معاملات الهجرة في ذلك الوقت سهلة ولا تشترط ما تضعه من شروط في مثل هذه الايام.. وهكذا.. ففي يوم من الايام.. قال عصام لزوجته ماريا انه سوف يعطل يوما واحدا للذهاب الى المطار لاستقبال شقيقه.. كانت المطارات في الثلاثينات قد بدأت تنقل الناس الى امريكا وتستغرق الرحلة ما ينوف على اربع وعشرين ساعة وتنتقل الطائرات بالراكب من البلاد العربية الى أوربا ومن ثم الى اقرب النقاط الى أمريكا اللاتينية ومن ثم الى أمريكا الشمالية.. وكان هذا بالطبع استعاضة عن النقل بالباخرة التي كانت تستغرق رحلتها شهراً او اكثر من ذلك قليلاً. وأصرت ماريا على الذهاب معه الى حيث تستقبل وجيه.. فأصطحبها الى المطار بعد ان تركا الاولاد في رعاية أمها العجوز..

عندما توجه وجيه الى اخيه احتضنه عصام بكل قوة.. وبهرت ماريا لمرأى وجيه.. كان شابا قوي العود طويل القامة يحمل فوق شفته العليا شاربا كثا كأنه قادم من عالم آخر.. ونظرت ماريا الى زوجها فوجدته صغير الحجم محدودب الظهر اكله العمل عن آخره.. أما ذلك الاخر فقد كان قويا مثل ثور هائج..

ابتسمت له ماريا وهشت ورحبت به.. وفي غضون رحلتهما من المطار الى البيت كانت ماريا تقلب الامر على جوانبه.. ماذا لو رزقها الله بزوج يشبه وجيه.. شاب وسيم قوي ويبدو إنه بعيد عن التشبه بأخيه في كثير من الامور.. ورغم إنها لا تعرفه ولم تجرب عاداته وتقاليده.. إلا ان غريزة الانثى كانت تقودها الى ان تكتشف فيه أمور ا لا توجد في زوجها.. عند وصولهم الى البيت.. أبدى عصام رغبته في أن يذهب الى العمل في مصنعه ليلا.. مما حدا بماريا الى الامتعاض.. إنه اليوم الاول الذي يقدم فيه شقيقه ضيفاً عليهما.. ويجب عليه ان يقدم واجب الضيافة فلا يذهب الى عمله خاصه وأنه أجاز لنفسه او منحه المصنع إجازه في ذلك اليوم.. غير ان عصام رأى في جلوسه في البيت خسارة لبعض الدولارات فلم يستطع البقاء فيه وذهب الى المصنع.. ملوحاً بيده لماريا وشقيقه وقد أعطاها بعض التعليمات ان ترافق اخاه الى المدينة لكي يسوح في جنباتها وينظر الى امريكا عن قرب.. وهكذا كان.

دخلا اكثر من مطعم.. وترافقا الى دار للسينما.. ومن ثم دخلا مسرحاً للعرائس في تلك المنطقة.. وظلت ترافقه حتى انتصف الليل.. فقد كانت تعرف ان زوجها لا يأتي من عمله الا عند الصباح.. وهي فرصه لكي ترى ( العالم ) خارج إطار بيت الزوجيه..

وسرحت ماريا في عالم عجيب غريب.. انها لم تخرج مع زوجها منذ سنوات.. وها هي اليوم وقد اتيحت لها الفرصه بان ترى العالم عن قرب.. وكانت بهرتها بالعالم الذي الغته من ذاكرتها منذ سنين طويله يعود اليها وكأنه يعود للمرة الاولى.. لكنها مع كل ذلك لم تفكر الا بذلك الرجل الضعيف الذي سوف تفقد فسحاته ونزهاته في يوم من الايام لتعود الى بيتها حزينه كئيبه بين جدرانه وبين اطفاله.. ولا أمل لها في ان يتحسن وضع عصام العائلي لكي يمنحها بعضاً من الوقت..

عاد الزوج في الصباح فالفى الجميع نائماً.... وقد دلف الى غرفة أخيه فرآه يغط في نوم عميق بعد ان جهزت له ماريا غرفة نظيفه.. ومع الجهد الذي بذله عصام في المصنع لم يشأ ان يوقظه او يوقظها.. ومد جسده المنهك على سريره في غرفة تقع الى جانب غرفة زوجته وخلال دقائق راح في نوم عميق..

كالعادة استفاقت الزوجه عند الضحى لكي توقظ زوجها بعد ان تعد له طعام الفطور لكي يجهز نفسه للذهاب الى عمله النهاري.. وبعد ان جهزت مائدة فيها من الاطايب ما تشتهيه الانفس ايقظت زوجها.. وقام الزوج بدوره في ايقاظ شقيقه.. وهكذا اجتمع شمل الاسرة على طعام للمرة الاولى بعد قدوم الاخ الشقيق.

كانت ماريا تختلس النظر الى وجيه.. وكانت تتنهد بعمق عندما تنظر الى وجهه العريض وكتفيه ومنكبيه مثلما تنظر الى تمثاق فينيقي عتيق.. اما عصام فقد كان منصرفا الى طعامه يمضع بتؤدة لكي يعد نفسه للعمل والمغادرة.. أما وجيه.. فقد كان يعيش في جو القرية والاصدقاء.. وكانت ذكريات عزيزة حنونة تمر بخاطره سريعاً فلا يملك الا التنهد وتذكر مرابع الطفوله..

وعندما وقف الى أخيه مودعاً.. قال له عصام.. في الاسبوع القادم وبعد ان تستريح قليلاً.. سوف ارافقك الى الجامعة لكي تتعلم الانكليزيه.. حيث تباشر الاتصال بمرافق العلم لكي تكمل تعليمك.. وهز وجيه رأسه ضاحكاً وموافقاً.. أما ماريا.. فقد هزت رأسها بشئ من السخرية وقليل من عدم الاهتمام..

إنفرد وجيه بماريا في أول يوم من زيارته لاخيه.. قامت بأيداء الواجب نحوه على خير ما يكون.. وعاد الاولاد من المدرسة فأخذ يلاطفهم ويحنو عليهم فأحبوه.. مما ربط أواصر الاستلطاف بين ماريا ووجيه.. خاصة وان الزوج لا يلقي بالاً لاولاده.. غير أن وجيه لم يفكر مطلقاً ولم تفكر ايضاً ماريا بان علاقة ما يمكن ان تنشأ بينهما.. ذلك إن وجيه كان ملتزماً بدينه لا يقطع الصلاة.. وكانت ماريا تعتبر ان وجيه اخاها فأسبغت عليه يد الحنين وأخذت تطعمه من أعز ما تملك في بيتها.. ثم تنزل الى الاسواق فتختار له ملابسه بنفسها..

ونتيجة لذلك الاهتمام من الطرفين تولد لديهما نوع من الارتباط الانساني.. بحيث غدا وجيه صديقها الحميم الوحيد.. وغدت ماريا صديقته يبثها شكواه وهمومه.. وتطورت الامور الى ان تشكو اليه عصام.. وأخذت تبث شكواها على شكل تأوهات وتنهيدات ودعوى بأن يصلح الله من حاله.. وأن يعود الى أسرته فلا يأخذه العمل عن تلك الاسرة..
وعول عصام على ان ينصح أخاه ان يخصص وقتاً لأسرته فقال له عصام : أخي وجيه أنت لم تمكث هنا سوى شهراً واحداً.. ولا تعرف هذه البلاد التي تأكل أبناءها.. إن أيام الفقر التي عشتها مع أمي ومعك في البلاد تجعلني لا انتبه لاي شيئ آخر غير عملي.. ولذا فأنك تراني أعمل ليلاً ونهاراً لكي اؤمن مستقبلي ومستقبل أطفالي.. إضافه الى مستقبل ماريا التي أحبها.. ولكني لا أستطيع إعطاءها وقتاً لأرتباطي بالعمل.

وحاول وجيه ان يعطيه بعض النصائح.. ولكن عصاما أصر على موقفه.. قائلاً له في النهاية.. إن رأت أن تظل في بيتها لتربي أولادها فمرحباً بها.. وأن رأت أن تفارقني فلا بأس فإني لا أهتم بشئ في هذا الكون سوى بعملي..
ورأى وجيه أنه ( ينفخ في قربة مقطوعه ) فعدل عن التحدث لأخيه بما سلف لمرة أخرى مبدياً أسفه لماريا.. مسفها آراء أخيه.. وأخيراً قال لها : لماذا تهتمي.. أعتبري إنني مثل عصام تماماً.. سنذهب سوياً للتسوق في كل يوم.. ثم ندخل للمطاعم ونرافق الاولاد الى حيث يلعبون.. وسأعطيك جل إهتمامي من هنا حتى أدخل الجامعة فأصرف وقتاً فيها ثم أعطيك الوقت الباقي..

إنشرح صدر ماريا لهذه الكلمات.. وكان صدرها يعلو ويهبط كأنما هي في أتون مشتعل من العواطف.. قالت له : حسناً.. دعنا نبدأ منذ الآن..

أخذت ماريا تهتم بوجيه أكثر من اللازم.. بحيث قال لها وجيه يوماً : ماريا.. أرجو أن تنتبهي لنفسك.. فإنك تشترين لي ما لا أرغبه في معظم الأحيان.. ثم تقومين بأطعامي وكأنني طفل صغير.. وهذا الأمر ربما أثر على حياتك الزوجيه.. إضافه إلى أن ملاحظة الأمر من قبل أخي يجعله يشك في تصرفاتي تجاهك..

قالت ماريا : وماذا في ذلك.. لقد قلت لي يوماً بأنك مثل عصام.. وأنا أعاملك مثلما عاملته بالضبط.. يبقى أمر واحد لم نقدم عليه.. أنه المعاشرة..

رفع وجيه حاجبيه وركزهما على وجه ماريا.. ثم أخذ شهيقه وزفيره يدخل أذنيه مثل طبل أجوف صوته يرن بالصدى وكأنما هو في وديان عميقه.. وفي لحظة غامت الدنيا في عينيه.. ثم فتحمها على سعتهما.. وضم ماريا الى صدره.. فألقت بنفسها اليه.. وأخذ يقبلها بجنون وجوع لم يعهده فيه من قبل.. وكانت هذه أول المأساة.

جلس وجيه إلى نفسه.. لكنها لم تترك له فرصه التفكير.. نظرت عبر الباب الى زنوده القوية وألى شبابه الغض.. ووطنت نفسها على أن تظل تلك العلاقة قائمه بينهما حتى لو أدى ذلك ألى خراب بيتها.. دخلت الى غرفته وطمأنته بأن أخاه لن يعلم شيئاً عن تلك العلاقة.. وإنهما يعيشان سوياً في نفس المنزل فلا حاجة بلقائهما خارج البيت.. ولذا فلن يشك أحد في هذه العلاقة..

وكان وجيه ضائعاً بين الاخلاص لأخيه وحب ماريا.. فقد أحبها حتى النخاع.. وأخذ يبثها لواعج الغرام في كل يوم حتى تاها سوياً في ظل المتعة الحرام.. ولا يستفيقان منها ألا عندما يطرق الباب إيذاناً بقدوم الاولاد من المدرسة.
وكعادة اللصوص في إخفاء جرائم سرقاتهم.. فأنهم يحاولون ان يتأكدوا من خلو الطريق إذا ما أرادوا سرقة منزل ما.. كانت ماريا تتصل بزوجها في العمل ليلاً لتتأكد انه ما يزال يمارس عمله.. وقد إستغرب عصام في بداية الأمر ان تتصل به فلم تفعلها طيلة زواجهما.. ولكنها أكدت له في اليوم التالي عند سؤالها إنها تريد الأطمئنان على صحته.. فلم تعجبها صحته في الأيام الاخيرة.. وإنها تهتم به.. فوافق عصام على ذلك مفرغاً من عقله كل شك في سلوك ماريا وفي سلوك وجيه..

وإزداد الأمر سوءاً.. فأخذت تذهب الى أغلى بيوت ملابس الرجال فتختار لوجيه أغلى القمصان والبيجامات والبدلات.. في وقت كانت لا تشتري فيه لزوجها شيئاً.. وكان عصام يرى ما يلبسه أخاه فيتعجب ويسأل نفسه كثيراً.. من أين له بمثل هذه النقود.. ألا أن ماريا لاحظت يوماً ان عصام ينظر الى ملابس أخيه فقالت دون مواربه.. أنظر يا عصام.. لقد جعلت أخاك ينسى السنين العجاف التي عاشها معك في بلادكم.. إنني أشتري له كل غال من الملابس.. ولا أعتقد انك تمانع في هذا.. وهز عصام رأسه وقال : حسناً.. ولكن أرجو أن تقتصدي فهو ليس بحاجة لكل هذه الملابس مرة واحدة..

غير إن أمور العشق قادت ماريا الى التصرف أمام عصام بتصرفات طفولية.. إذ كانت مثلاً تطعم وجيه أثناء إجتماعهم على العشاء بملعقة تضعها في فمه.. ثم تنتقي له أجود أنواع اللحوم فتضعها أمامه في طبقه.. في وقت كانت لا تهتم بزوجها وتجعله يسكب لنفسه طعامه دون أن تساعده ودون ان تنتقي له جيد الطعام.. مما أدخل الشك في قلب عصام.. وبدأ يراقب تصرفات زوجته ماريا.

في يوم تال صارح وجيه ماريا بأنها تقوم بتصرفات لا يجب ان تقوم بها.. فربما قاد ذلك الى شك عصام في تلك التصرفات.. قالت له : أن عصام يحبني.. ولا يمكن ان يتسرب الشك الى قلبه في يوم من الأيام.. فدعنا نعيش الحياة ونمتص رحيقها بكل ما أوتينا من قوة..

ولاحظت أم ماريا ما يجري.. كما لاحظ أخوتها ما تفعل فنبهوها الى أن ما تقوم به هو الخطأ.. فالاهتمام الزائد بوجيه يمكن أن يجعل عصاما يهملها نهائياً.. وربما طلقها أو هجر المنزل.. وكانت في كل مرة تقول لهم أنه لا يهمها أن بقي عصام او ترك المنزل.. أنها فقدت حبه منذ زمن.. وأن أخاه أحسن منه بكل الصفات التي يمكن أن ترد على لسان أنسان.. وكانت تضيف إنها لا تحمل لوجيه غير الود والمحبة والحنين ولا شيئ يمكن أن يشوب علاقتهما معاً.. اذ أنها لا تفعل الخطأ.

غير أن أهلها كانوا ينظرون الى وجوه بعضهم بشئ من عدم التصديق.. فقد كانوا يعرفون أن تعلق ماريا بوجيه يمكن أن يوردها وأبناءها موارد التهلكة.. ومع هذا لم تنتبه لكلمات أحد وظلت على حالها من الاهتمام به..

وغُير الامر كلياً ما رآه أحد العمال ممن يعمل مع زوجها ليلاً.. فقد قال له انه شاهد أمرأته ماريا مع شخص لا يعرفه في وضع أقل ما يقال فيه أنه وضع عشق في حديقة عامة.. لكن عصام لم يصدق الامر.. ألا أن ( الفأر ) كما يقال بدأ يلعب في عبه.. وأقر بينه وبين نفسه أن مراقبتها ومراقبة عصام واجبه.. وعليه أن ينتبه الى ما تؤول اليه الامور..
في يوم واحد من المراقبة.. سجل عليها عصام الملاحظات التالية :

أولاً – دخولها لمطعم من الدرجة الأولى وتناولها الغداء مع وجيه.. ثم ذهابهما في رحلة قصيرة إلى دار السينما وخروجهما معاً قبل أن ينتهي عرض الفيلم.

ثانياً – الضحك والمزاح في الشارع العام. وضمه الى صدرها في اكثر من مناسبة بعد خروجهما من محلات تجارية.

ثالثاً – إزاحة التكلفة بينهما وكأنهما زوجان حبيبان.. فقد كان يخاصرها وتخاصره في طريقهما ألى سيارتها.

رابعاً – زيارتهما لبيوت أخرى لا يعرف أصحابها..

ودخل الشك الى قلبه مرة واحدة. وأخذ يوطن نفسه على أن أخاه وزوجته خائنان..
وإنهما قد إنغمسا في الحرام حتى أذنيهما..

وفي يوم من الأيام.. ومع بدء الشمس الحارقة في فصل الصيف.. أتصلت ماريا بعمله لكي تطمئن على وجوده في العمل فأجابها بأنه على خير حال.. وإنه سوف يأتي الى البيت متأخراً فسيعمل لفترة أخرى.. وطمأنته على الأولاد ثم قطعت الأتصال بكلمات قليلة وضجرة.

وفي غضون ذلك.. ركب عصام سيارته وأتجه الى البيت فلم يجد ماريا كما لم يجد أخاه.. وإنما وجد الصغار تداعبهم أختها في المنزل.. وعندما سألها عن ماريا قالت أنها خرحت مع أخيه وتركت رقم هاتف ان حدث ما يوجب الاتصال بها.. وأخذ عصام رقم الهاتف منها ولم يتصل من المنزل.. بل ذهب الى أقرب هاتف عام في الشارع وتحدث الى الرقم.. غير أن الرقم كان مشغولاً.. وحاول مرة ثانية وثالثة دونما طائل.. فقد كان الرقم مشغولاً بأستمرار.. وأخيرا ذهب الى صديق له وأخذ دفتر التلفونات وأخذ يبحث عن الرقم.. ولكنه لم يصل الى نتيجة.. فألاف الاسماء أمامه ولا يمكن ان يعثر على ذلك الرقم خاصة وانه لا يعرف اسم المكان الذي يبحث عنه.. ثم اتصل بالمقسم.. غير ان المقسم رفض اعطاءه اسم المكان.. واكتفى فقط بان يقول له ان ذلك ممنوع.. وانه يطلب شيئاً مستحيلاً.. كان يتصل بالمقسم وفي الوقت نفسه يحاول بين كل فترة واخرى الاتصال بالرقم.. وبدون فائدة فقد كان مشغولا.. وفي لحظة من اللحظات.. وبعد مرور أكثر من ساعه كاملة رد عامل الهاتف على الرقم المطلوب فأذا به فندق مشهور.. وأنطلق اليه بعد أن أخذ العنوان.

وصل الى هناك.. ووجد سيارتها تقبع في مرآب الفندق منزوية عن العيون.. والقى نظره سريعة على ما بداخل السيارة وهي مغلقه فرأى أنواعاً كثيرة من العطور والملابس الرجالية والنسائية معاً تقبع على كرسيها الخلفي.. أسرع يعدو نحو باب الفندق.. وعندما وصل لم يكن هناك في الصالة سوى موظف الاستعلامات.. أراد ان يستدرجه ليعطيه معلومات عن مكان وجودهما في الفندق.. غير ان العامل رفض حتى مجرد الحديث معه.. وأخيراً.. أخرج عصام من جيبه خمسمائة دولاروضعها على ( الكاونتر ) قائلاً للموظف.. هذه لك.. فقط قل في أي غرفة أجدهما..

نظر الموظف حوله فلم يجد أحداً.. ونظر الى النقود وتحلب ريقه.. وفي غمضة عين أمسك بالدولارات ووضعها في جيبه.. وقال له : سوف أدلك عليهما شرط أن افتشك.. فأن كنت تحمل مسدساً او شيئاً جارحاً سوف لن أسمح لك بالصعود.. ووافق عصام على الامر إذ لم يكن يحمل شيئاً.. وبعد التأكد من ذلك.. تناول الموظف مفتاحاً اعطاه لعصام وقال له : إنهما في الغرفه 412.

بعد ان أخذ عصام طريقه الى المصعد.. قام موظف الاستعلامات بالاتصال بالغرفة ليبلغهما ان شخصاً يسال عنهما.. غير انه وجد الخط مشغولاً.. ويبدو انهما قد فتحا الخط حتى لا يتصل بهما احد عن طريق الخطأ.. وهكذا صعد عصام الى الطابق الرابع.. نظر حوله فأذا ممر طويل من الغرف.. ثم تأكد من وجود الغرفة من خلال سهم رسم في صالة الطابق الرابع.

وقف امام الغرفة.. وتناوبته أطياف من الحزن.. وأقر في لحظة ان يعود ثم يطلقها.. ولكن حب الاستطلاع لديه وغليان دمه في وقت واحد جعله يضع المفتاح في قفل الباب وبتؤدة يفتح فيسمع أصواتاً لم تستغها أذنه.. ثم دخل على أطراف أصابعه الى حيث يمارسان الفحش على سرير الفندق عاريان..
لم يتمالك عصام نفسه.. فأغمى عليه فوراً.. أما الآخران فقد لبسا على عجل وتركاه ملقياً على أرض الغرفة دون حراك..
عادت ماريا الى بيتها مسرعة بعد ان تركت وجيه يتيه على وجهه.. وإنطلقت مثل عاصفة مجنونه تجمع ما خبأته من غالي الثمن.. ثم أخذت الاولاد وتركت المنزل معهم في وقت كانت أختها تشاهد كل ما يجري ولا تحير جواباً..
وعاد عصام الى المنزل بعد ساعات بعد أن عثرت عليه عاملة النظافة في الغرفة فقامت بالاتصال بأدارة الفندق ثم بالشرطة.. ومن الغريب ان موظف الاستعلامات لم يجرؤ على السؤال عن مصيره بعد ان شاهد ماريا ووجيه يغادران المصعد مسرعين.. وفكر في أن يتجاهل الامر حتى لا يتعرض للمساءلة.

عاد عصام ولكنه لم يعثر على أحد.. البيت قد نهب.. الاولاد قد ذهبوا.. وماريا قد أختفت.. ووجيه لا أثر له..
جلس على كرسي في الغرفة واخذ يفكر في ما آل اليه حاله.. وفكر في ان يخبر الشرطة.. ولكنه عدل عن ذلك.. ثم عاد وفكر ثانية فرأى من الصواب ان يخبر الشرطة بكل ما جرى صادقاً.. وهكذا حرر محضرا بالواقعة..
إستجوبته الشرطة لأيام طويله.. غير أنه انكر معرفة مكان وجود الجميع.. وكانت الشرطه تشك في أنهم تعرضوا لعملية قتل قام بها عصام.. غير انه لم يثبت عليه ما يمكن احتجازه..

مضى على هذه الحادثة ما يقرب من أربعين سنة.. ترى عصام وقد بلغ ما يقارب الخامسة والثمانين وهو يتوكأ بعصاه مخترقاً الشوارع الضيقة في حارته بالولاية..

وفي المقابل.. ترى وجيها قد دفن بعد موته في ولاية أخرى.. أما ماريا والاطفال.. فقد عثر وجيه على الاطفال بعد ثلاثين سنة من اختفائهم.. وكانت ماريا قد انتقلت الى ربها.. أضافة الى أن الابن الاكبر لعصام قد توفي الى رحمة الله.. وهكذا سجل عصام تاريخ ثلاثين سنة من أختفاء زوجته واخيه واطفاله الذين أصبحوا رجالاً..

يدور عصام حول نفسه في كل يوم.. ويجلس قبالة المنزل الذي شهد خيانة الزوجية وعقوق الاخ.. يتنهد.. وينظر الى الفضاء بعمق.. ينظر الى رصيده المدون في ورقة البنك التي أتته أخيراً والتي توازي ستة أصفار.. لكنه يقول : ماذا نفعني المال.. لو أن الطمع لم يتسرب الى حياتي لكنت أعيش اليوم بين أبنائي وأهلي.. وماذا لو طلقتها ثم إرتحلت بكل ما امتلك من مال الى قريتي..

وربما قالت ماريا لو كانت حية.. ماذا لو كنت إمرأة صادقة وشريفه.. الا يحتمل ان اكون بين زوجي وأسرتي.. وربما قال وجيه أيضاً.. هذه الدنيا سخيفة.. إنها لا تساوي شيئاً..