حكايات أبي (٦)

قرية جاحدة

، بقلم سعيد مقدم

قال أبي:

بعض الحكايات التي أحكيها لك، لم أر حوادثها بعيني؛ فقد سمعتها من شيوخ القرية عندما كنت شابًا.
وكانوا يجتمعون كل يوم ويحكون لنا عن ماضيهم كما نجتمع الآن ونتكلم عن ماضينا.

وقالوا عن قديم الأيام:

كان مصدر رزق معظم القرى زراعة الديم، أي يبذر القروي بذوره ويحرث أراضيه ثم ينتظر هطول الأمطار تسقي حرثه.

فإن مطرت حصدوا وكسبوا، وإن لم تمطر ضاع التعب وخسروا البذور، وأمست الأرض خالية من النبات، فهزلت أغنامهم من قلة الأدغال، ثم تخلو القرية من أي مظهر للحياة، لأن القرويين يهاجرون إلى أماكن أخرى بحثًا عن قوت لهم ولأغنامهم.

وفي إحدى السنين، أغلقت السماء أبوابها ولم تدرر على الأرض بقطرة ماء، فلم تتمكن نبتة أن تفشق حبتها لترفع رأسها من تحت التراب. وأمست الصحراء قاحلة، يابسة، ماحلة.

وهناك قرية كان ساكنوها مستطيعين، فحفروا الأخاديد من الشط إلى حيث أراضيهم واستخدموا الماكنات لسقي حقولهم.
فجادت مزارعهم بالخير الوفير، وصار السنبل بعلوّ الحزام بل أعلى بقليل.

وزهت نخيلهم بالثمر، واخضرت حدائقهم بالخضروات: الخيار والبطيخ والطماطم والبصل وما شابهها.

رزقهم الله خيرًا كثيرًا، لكنهم لم يشكروه؛ بل راحوا يشمتون بساكني القرى الأخرى الذين ينتظرون رحمة الله من السماء!
وكلما سقوا حقولهم وحدائقهم دبكوا بدبكة لا الله يرضاها ولا ابن آدم؛ وكان شعار دبكتهم:

(طربسنا وربع الله اتّاني)!

أي نحن سقينا أراضينا، وأصحاب الله تنتظر مطره.
راحت أيام وأتت أيام،

استوى السنبل وأضحى اصفراره يتلألأ كالذهب، وأمسى أهل تلك القرية على حالة التأهب التام لحصاده؛
هيؤوا أدوات الحصاد التقليدية آنذاك: المناجل المعقوفة، والبغال، والحمير، وسطحوا مساحة كبيرة ليدوسوا السنبل عليها.
لم تغرب الشمس بعد، تعشوا عند الأصيل ليرتاحوا حتى يستيقظوا غبشة للحصاد.

فجأة جاءت غيمة سوداء من جهة الشمال؛

منهم من خاف ومنهم من صبّر الآخرين بزوالها.

اقتربت الغيمة الداكنة... لم تكن سحبًا ...كانت غيمة من جراد!

نزلت أكداس من الجراد في القرية،

لم يستطع المزارعون المتأهبون لحصاد محصولهم أن يفعلوا شيئًا لردع الجراد من قريتهم،
تلك الليلة، لم ينم رجل ولا امرأة ولا طفل من كثرة الجراد،
الأغنام تتراكض في مرابضها،

وصوت خوار الأبقار يُسمع في زرائبها،

والكلاب ما انفكت تعوي وتنبح، ولم تنفعها أنيابها ولا مخالبها في الدفاع عن نفسها.
كانت ليلة ظلماء، مرعبة، متعبة.

وعند الصباح الباكر، طار جميع الجراد صوب الجنوب؛ تاركًا وراءه قرية فقيرة من الحقول والمزارع.
لقد أكل الحب والساق ونزل على العروق فأكلها.

لم يبق من المزارع العريضة الطويلة غير الأرض المسطحة.

في تلك السنة، ذهب مزارعو تلك القرية يبحثون عن عمل ولو بأجرة ضئيلة في مزارع أو بساتين نخيل في قرى نائية (ابتغت عند الله رزقها وشكرت نعمته).