رُؤى ثقافيّة «١١٢»

سباريت الثقافة!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

وأنت تعرض لنماذج من العقول العربيّة، ومقتطفات من خطابها، المقلوب منطقه رأسًا على عقب، لا بدّ لك من أن تعيد تأهيل دماغك لتقبّل ذلك الخطاب. لا بدّ لك من أن تقلبه قلبًا، وتنكسه نكسًا، كي تنسلك فيه المعاني الجديدة، وتنسجم أبنيتها المصمّمة على أحدث الطرز المعماريّة في اللا معقول. عندها فقط ستصبح مواطنًا عصريًّا صالحًا، وستعمل موجات إرسالك واستقبالك لبثّ مثل ذلك الخطاب واستقباله. حينئذٍ لن يستفزّك أن تسمع من قد يقول:

كيف نغضّ الطرف عن فظائع «العرب» إبّان استعمارهم «للغرب» وبعد استعمارهم للغرب؟!

كيف نتناسى، في مكرٍ كبّارٍ، ما ابتكره «العرب» من أسباب الفناء الشامل، وما أسَّسوه في العالم من فنون الإرهاب وتقنياته، ثم نركِّز حالات استنفارنا الناقدة القصوى واستفزازنا الناقمة المريرة على خطيبٍ بائسٍ يدعو الله في معبدٍ «غربيٍّ» بأن يدمّر أعداء الدِّين والدنيا والإنسان، حيثما كانوا، لاجئًا إلى الله وحده لينصره عليهم؟! فإذا الأرض تفزّ من تحت الأقدام، صارخةً:

ماذا يقول هذا المأفون؟!

وأيّ فِكرٍ يبثّه في الناس، هذا الإرهابي؟! أ وَصَلَ الأمر به إلى أن يستعين بالله على طغيان «العرب»، فيهيّج العواطف ويجيّش الغوغاء ضدّهم؟!

ولماذا كل هذا الحِقد الأسود والأحمر والأزرق؟!
...
تُرى مَن يصدِّق أن بعض الرؤوس العربيّة اليوم قد اختلّت خلاياها فأصبحت تفكّر بهذا الشكل المقلوب؟!

لكن ما دمتَ قد أعدتَ تأهيل دماغك، كما وصفنا أعلاه، فلا بأس عليك. سيصبح كلّ شيءٍ معقولًا مقبولًا!

إن بعض الكُتّاب، بالفعل، لم يعودوا يحترمون عقول القراء، أمّا عقولهم فقد باعوها، إنْ كان فيها ما يُشترى. وهم- غارقين في الازدواجيّة- لا يقولون كلمةً سواء، بل لكلّ مناسبة لديهم لبوسها، ولكلّ مخاطَب خطاب. يُجامِلون، ويُداجون. يتَّقون الناس غاية التقوى، ويخشونهم كلّ الخشية، ويكيلون بمكاييل حسب العرض والطلب. قد ترى أحدهم يُظهر الثوريّة، والرفض لكلّ ما حوله، ولا يرى إلاّ السواد المطبق؛ واحديَّ الرأي، قطعيَّ التصوّر، مطلَق الأحكام، ذا فكرٍ متصلِّب مستبدّ.. وقد تراه ضدّ نظريّة المؤامرة الخارجيَّة لكنه- في انكسارٍ رؤيويّ- مع القول بمؤامرات داخليَّة. وبالرغم من هذا كلّه تراه نفسه سلبيًّا، معتزليًّا، منسحبًا من الحياة، مدْبرًا عن الإسهام في المشهد، إنْ بتغييرٍ أو إصلاح؛ فهو يقول- بنرجسيّته- ما لا يفعل. وقد يتّخذ عدم فعله تعبيرًا عن احتجاجه، غافلًا عن أن الأُمم لم تنهض بالمنظِّرين الرافضين، ولا بالسلبيِّين المقعدين القاعدين، ولا بالمحبَطين الشكّائين، أو المنبطحين الخانعين، بل بالمنخرطين في الواقع- مهما كان- لتغييره من داخله، وبين أهله- مهما كانوا- لدفعهم إلى الأمام، دافعين ضريبة ذلك كلّه، وإنْ ارتفعتْ؛ فالطريق ليست مفروشة بالورود، ولا محاطة بالأنصار، لكنها تحتاج إلى النضال والصبر. إلّا أن بعض أولئك الكتّاب- أو من قد يُنعتون بالمفكّرين، وما أسهل النعوت لدينا!- لا يبدو في تلك الهموم ما يهمّهم أصلًا، وإنما ينصبّ همّهم وتتجلّى هِمّتهم في «البَرْبَرَة» اللفظيَّة، وتلميع الأسماء، وتسليط الأضواء على ذواتهم العُليا، المتفضِّخة تورُّمًا وعُجبًا.

ومنهم فئة أردأ طبعًا وأحطّ وظيفةً، ما ينفكّون يقلِّبون لأمتهم الأمور في كل مناسباتها، ليجعلوا الحقّ باطلًا والباطل حقًّا. ولذلك فإن المقتول لديهم يصبح- حين يصرخ- مجرمًا؛ إذ لماذا الإزعاج؟ أما كان في وسعه أن يموت ولا يحتجّ ولا يدافع عن حياته؟ هذا مع أن حالته تلك، التي تُقِضّ مضاجع الرومانسيِّين الغربيِّين وتلامذتهم من العرب، هي غريزة فطريّة، لا ذنب للعرب وأمثالهم من الكائنات الحيّة فيها. وقد يسأل أحدهم: لماذا يا ترى؟ ومن حقّه أن يعرف، ليحتاط. وبكلّ تجرُّدٍ أحيائيٍّ تمكن إفادته: أن كلّ كائنٍ حيٍّ، حيوانٍ أو إنسان، تصدر عنه عادةً لدى الشعور بالتهديد أو الألم- ناهيك عن القتل- أصوات وحركات لا إراديّة. قد تكون مزعجة فعلًا لكنها تظلّ طبيعيَّة!

نعم، إن الثقافة الغربيّة والتعليم الغربي، اللذين أنتجا كلّ ذلك الشرّ في العالم، ممّا لم يسبق له مثيل على مرّ التاريخ كلّه منذ أبينا آدم، هما- بحسب ذلك الخطاب الأسطوري- عاملا خير البريَّة، وصانعا حضارة المساواة فيها، ومؤسِّسا البيئة القائمة على حقوق الإنسان، وعرّابا الفلسفة الشاملة في الحريّة والعدالة والكرامة، التي لا تستثني أحدًا على وجه البسيطة! إنهما لا يُنتجان أسلحة دمارٍ شامل، بل أسلحة إنسانيةٍ شاملة، تقضي على أسلحة الدمار الشامل التي أنتجاها، حيثما وُجدت، لدى الشرق خاصّة، سوى اسرائيل طبعًا. ومَن يرى غير هذا، فلا عقل له ولا منطق؛ فالعقل أن لا يعقل العقل، والمنطق أن لا ترى العين ولا يفقه القلب. وإذا راودت أحدًا نفسه إلى شيء من ذلك، لا سمح الله، فليوظِّف خلايا دماغه- بعد أن يعيد برمجتها- ليروِّج خطابًا يقدِّم تلك الصورة الجميلة عن الوجه الغربي القبيح، وإلّا فإن خروجه عن بيت الطاعة الأبيض يعني الحكم عليه: إمّا بأنه إرهابي، أو بأنه مجنون! فليختر لنفسه ما يحلو.. ومَن أنذر، فقد أعذر!
وهكذا تشتغل بعض فصوص العقل العربي على الموجات القصيرة والطويلة الغربيَّة مباشرة، وتلقائيًّا، بلا أسلاك، ولا حتى أبراج لاقطة. ولا غرو، فتلك فطنة العرب المعهودة: «تفهمها وهي طائرة»! وهي موجات لديها من مهارات تزييف الحقائق وتعمية البصائر ما لم يملك شبيهه سحرة فرعون في زمانهم، ولا الغربيّ نفسه اليوم، مهما بلغ من الوقاحة والكذب! أ لم نقل إنهم أهل فِطَنٍ خارقة؟! وقوام ذلك عمليَّة سهلة، لكنها عظيمة الخطر- ولاسيما في مجتمع لا يقرأ، بل هو مغيَّب أصلًا عن القراءة الحقّة؛ ولذلك طالما فُجع بأن الآخرين يعرفون عنه وعن قضاياه أكثر ممّا يعرف هو.. والبركة في تعليمه وإعلامه. إن قوام تلك التقنية الخطابيَّة اليعربيَّة: التكبير، والتصغير. وقد شرحها (أبو طيِّبنا المتنبي)، منذ ألف عام:

وتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها ** وتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

فما في الثقافة العربيّة من عيوب هو- وفق خطابنا المستهام بالغرب- فواحش عظمى، لا تُغتفر. بل هو شذوذات، ومنكرات، وكبائر، لا نظير لها في أُمَّة من الأُمم. لأجل ذلك لن تقوم للعرب قائمة ما لم يجتثّوها. وهم لن يجتثّوها إلّا إذا اجتثّوا أنفسهم من أنفسهم، فغيَّروا دماءهم، وماء عيونهم، وألوان بشراتهم. وهل كان (مايكل جاكسون) أفضل منهم في عشق البِيض والبياض؟! لا مستحيل اليوم، فليذوبوا كلِّـيًّا، أو جزئيًّا، في مياه الحبيب العجيب ذي العينين الزرقاوين، الذي أُغرم بمثله قديمًا (أبو نواس)، فأنشد:

ما البَدرُ أَحسَنُ مِنهُ حــينَ تَنظُــرُهُ ** سُبحانَ رَبّي لَقَد سَوّاهُ إِذ خَلَقا
لا شَيءَ أَحسَنُ مِنهُ حينَ تُبصِرُهُ ** كَأَنَّهُ مِن جِنانِ الخُلدِ قَد سُرِقــا

أمّا ما قد يثيره الخطاب الشعاراتي العربيّ المتخلِّف ضِدّ الغرب، فلا يعدو تضخيم بعض هناتٍ هيِّنات، لا تكاد تُرى إلا بميكروسكوب الأصوليَّة العمياء. لكنها المبالغات العروبيَّة «القومجيَّة» المعروفة، التي تصنع من الحَبَّة قُبَّة، ومن النملة فيلًا! إذ ماذا تعني كلّ تلك الإبادات البشريَّة التي ارتكبها الغرب في لحظات غضبٍ طفوليٍّ وعفوي؟ وماذا تعني الأسلحة التدميريَّة الشاملة، التي سخَّر جلّ همومه العلميّة الخارقة وعبقريّاته الفذّة في سبيلها؟ أ لم يُمِدّ العالَم، في المقابل، بالطبّ والأدوية؟ فماذا فيها إذا نشر الأوبئة في ديارهم، وأودع المخلَّفات النوويَّة في ترابهم، أو أطلق على البشر السموم والغازات المعيقة أو المميتة، أو حتى قتلهم بعمدٍ أو بغير عمد؟ إن الحسنات يُذهبن السيِّئات، إنْ سلَّمنا- تنزّلًا- بأنها سيِّئات!
لِمَ نلتفت أيضًا، وفي فضولٍ، إلى استعباد الشعوب، والتكبّر في الأرض؟! ولماذا ننتقد العمل مع كلّ شيطانٍ رجيم، والوقوف معه جنبًا إلى جنب، بل الأخذ بيده، إنْ هو سها أو وَهَن- بحُكم الشيخوخة- وذلك في كلّ حدب وصوب، لأجل إبداعٍ عامرٍ بكل صور الإفساد في الأرض؟!

لا شيء من تلك التُّهم يصحّ، يا عباد الله.. لا شيء، فلماذا الافتراء على خلق الله!

وما يَصْدُق على أصحاب خطابٍ كهذا خيرًا من قول (المتنبي):

ومُدقِعينَ بِسُبْرُوْتٍ صَحِبتُهُمُ ** عارينَ مِن حُلَلٍ كاسينَ مِن دَرَنِ

والسُّبْرُوْت: هو ما يُسمَّى في دارجة اليوم: «السُّرْبُوْت». ربما أُطلق على المُقفِر من الناس، كإطلاقه على القفر من الأرض.

لا ملام، إذن، في الاعتراف بأن بعض مثقفي اليوم «سباريت»، عارينَ مِن حُلَلٍ كاسينَ مِن دَرَنِ!

- [الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «سباريت الثقافة!»، المصدر: صحيفة «الراي» الكويتية، الاثنين 16 يونيو 2014، ص20].