قراءة حالمة في الديوان الأخير

« قصائد واجمة» للشاعر بلعيد توفيقي عبد المطلب عبد الهادي

" سأنصت الآن لحفيف الريح وللحن الكمان

ولسيدة تنسج من صمت الكلمات رداء الألوان ..

... وأعاود السير إلى حيث لا ينتهي الخطو والزمان ..(من قصيدة:"لدي أشياء أخرى" ص 9 )

1 ـ مفتتح ..

بإهداء شاعري رقيق، تسلمت من الشاعر والروائي بلعيد توفيقي ديوانه الأخير الموسوم ب " قصائد واجمة " .. تطواف سريع بين لوحة الغلاف والعناوين و البياض الذي تسبح داخله القصائد ومسح سريع لبعض الصور الشعرية فتح لي مدارج الحلم كالذي دخلته يوما محمولا على جناح " منعطفات سائبة " و " ذاكرة الجراح " و مسارات حادة جدا " ..

2 ـ باب الحلم ..

أشرعت للحلم أبوابه وأسرجت للحرف مراكب وهيأت للجمال مقامات أغزل من البوح أسرارا لدخول عالم " الشيخ "(1) المُسيّج بالعشق العصي على القبض..رغم أنكتكاد تقرأ القصيدة على قسمات وجهه الأسمر وهي تناوش القوافي " في منعطغات سائبة " وقصائد واجمة" وغيرهما المنثور هنا وهناك، كما تناوش الحكي في "ذاكرة الجراح" و"مسارات حادة جدا"(2) المندورة للحزن ..للتمرد.. للإبحار بعيدا حيث يشرق الحزن لحنا يتوهج شوقا وألقا ..كما تناوش القبح المتواري داخل تجاويف الذات والمعيش .. والآني والآتي ..

وحده الحلم يفتح للقصيدة أصواتا " تنسج من صمت الكلمات رداء الألوان " ..

وحده الحلم يُسمَح له بامتطاء موج القصيدة الهادر يمخر عباب الألم والعشق والمراثي ..
" ليث الموت ينتحر " ليكون للحلم عمرا أطول.. و" يمتد على مساحات البياض العمر".. وليفسح " للشيخ " مسافات تمتد على طول العمر الآتي ليُفرغ محابر المداد .. ويُحرق على فتنة البياض شعرا يأتي ـ على فترة من التأمل ـ رزينا .. مشاكسا .. ناضجا .. غارقا حد التأمل في الحكمة والحياة والموت والسؤال ..
من جراح السنين يخرج شاهرا حرفه.. " يُعاند المحال " يعبر السؤال .. يسرج الخيال ..يصنع من " قلبه الناشف من النبض " سلما يصعد إلى الحلم الضارب في عمق الذات الموصلة بالأسرار.. كما يصعد الشيب المجلل بالبياض إلى رأسه ..وئيدا .. عنيدا .. شقيا ..يمد جسرا .. يفتح ستارا .. يُشعل شمعا .. يوسع للضوء مدارات ..

3 ـ حين يحلم الشاعر ..

وهل يحلم الشاعر حين يكتب القصيدة ؟

حين يعانق الوجود .. حين يفتح للفجر أحلامه.. حين يعتمر البياض .. يُشعل الشوق ويمتد المدى .. يفتح لوهج الكلمات أذرعه .. ثم ..

يحلم ..

و " يفيض الغمر ".. للعابرين.. للحالمين.. للواقفين أمام الموانئ وعلى " ضفاف العمر " ..
لا يريد أن يسقط إلا هناك .. في القمة التي على امتداد القبضتستسلم .. هو لا يزال صاعدا .. شعرا .. رواية .. مقالا ..كلاما ..

" للشيخ " أشياء أُخرى يختزنها .. يبوح ببعضها .. يدفن سرها في دواوين تطل على استحياء.. وبعضها الكثير في خدره لا يزال ..

" لديه أشياء أخرى " ..

في القلب .. في الحقائب .. في الأثر بعد الخطو ..

لن ينتظر " العشاء الأخير " .. هو لا ينتظر .. يسير دائما .. يبحث دائما .. يُرى دائما حاملا محفظته السوداء التي لا تفارقه .. حاسوبه .. دفتره وقلما ترك بين الأصابع انتفاخا .. وكلمات تصارع حر الولادة..
مسافر دائما .. بين الكلمة الأولى والأخيرة يلون بداية العالم ومنتهاه.. يُرصع جسر العبور نحو الجمال للعابرين والعائدين ..وسرب العاشقين ..

مبسوط دائما كفه .. مُشرع على المدى.. يوزع فاكهة اليقين .. فاتحا للنشيد أمنيات ..من الأوهام .. والحقائق .. والمسافات التي تنأى وتؤوب مفتونة بالصمت الذي ينسج حلو الكلام ..
" .. وعلى لقاء .. نتواعد .. " .

(1) الشاعر بلعيد توفيقي

(2) مؤلفات صدرت للشاعر