عَنِ الرّزِّ والبرغل وأشياء أخر!

، بقلم فراس حج محمد

كمْ يطيبُ لنا الحديث عن آمالنا، وأملنا، نحبّ كثيرا، ونكره قليلا، نكرهُ كثيرا، ونحبّ نادرا، نعتقل الحياة وتعتقلنا، نطمحُ بأكلة رُزّ غالية الثمنِ، ليس لأننا - كما زعمت صديقة ذات ليلة- برجوازيون، بل ربما لأننا نكتشف أنفسنا أننا نحبّ الرزّ، وإن أحببنا البرغل أحيانا أكثر!

لماذا يا ترى شنق البرغل نفسه؟ أنا لا أستسيغ طعم البرغل، لا أحبه كثيرا أو قليلا، أمي ما زالت تحبّ البرغل، وتنفر من الرزّ، كما أنها ما زالت تحبني أقلّ قليلا من حبها للبرغل وقد جف، وقبل أن تضعه في الماء لينضج، كانت تعيش معه حالة من الوجدان، تغني ذكرياتها من أغاني صباح، وفيروز، وأم كلثوم، ونجاح سلام، وسلوى الأردنية، وميسون صنّاع، وسميرة توفيق، كانت حنجرتها لا تنضب، كانت تزداد تألقا بصوتها الصافي القوي كلما نضجت حبات البرغل، كانت تستنشق بخار البرغل الممزوج بتلك الرائحة، وتنسى حبها القليل لابنها، حيث لم أكن وحيدها، كان هناك الرز بانتظارها، وكانت هناك أشياء أخرى!!

كنتُ وما زلتُ أحبّ طبيخ أمي جدا، وألتهمه التهاما، كنت أنصح مما أنا عليه الآن وأنا أتناول من طعامها الشهيّ، كانت تعد لي الطعام، وتجلس بقربي لا تشاركني الأكل إلا قليلا، تترك لي كل ما أعدته لأتناوله ولا أبقي منه شيئا، وهي كانت تستحثني لأستزيد. وأنا لم أشبع قط بعد أن تركتُ الأكل من يدي أمي.

أمي كانت تحب صناعة الأكل، ولكنها لم تكن تأكل كثيرا، كانت تجالد الفقر حد المقاومة الشرسة، هزمته مرات عدة، وبقيت تتحلى بذاكرتها الخصبة وصوتها الشجي الشهي!

لا أعرف متى غضبت مني أمي آخر مرة، ولكنني لم أغضبها عامدا متعمدا مذ أدركت أنها أمي التي تحبني أقلّ بدرجة واحدة من البرغل، الليلة فقط زاد حنيني يا أمي، أكتب لك وقد تذكرت البرغل والرز الذي تعدينهما بفنية عالية، فكل طبيخ الآخرين والأخريات إلى زوال، في إشباع جوعة بطن عارية من روح، ولكن طبيخك، ما زالت رائحته تغذي الروح، حتى البرغل الذي لا أحبه، أحبه من يديك العامرتين بي، الغامرتين محبة وألقا.

دمتِ لي أما تحبني إلا قليلا، ولا تكرهني إلا لأنني كنت ابنا ليس كما يجب، لم أشتر لك يوما من ذلك الرز الغالي، واكتفينا جميعا بالبرغل الرخيص جدا، زعما منا أننا قد نهزم فقرنا، فهل هزمناه يا أمي؟!