نهج البردة ميلاد الحبيب

، بقلم محمد محمد علي جنيدي

يا بردةَ الحبِّ هل أُبقِي على هِمَمي
والحرفُ فيك بثُقْلِ السُّحْبِ والعَلَمِ
 
أنا الفقيرُ الَّذي أسكنتُ مادحتي
محبَّةً في رحابِ النُّورِ لم تُضَمِ
 
اللهُ أرسل خيرَ الخلقِ للنَّسَمِ
هذا النَّبِيُّ أتى يطوي دُجى الظُّلَمِ
 
أتى عظيمَ الرَّجا والسَّعدُ مَطْلَعُهُ
أتى بنورِ الرِّضا داعٍ إلى السَّلَمِ
 
هو الحبيبُ إذا عُدْنا لمشْرَبِهِ
نُرْوَى رحيقَ الشَّفا سعداً ومن كَرَمِ
 
وهْو الشَّفيعُ الَّذي عَمَّتْ شفاعَتُهُ
كلَّ الخلائقِ يوم الخزيِ والنَّدمِ
 
يا سيِّدي قَسَماً أشدو بهِ عَلَناً
لولاك لن يهتدي عُرْبٌ على عَجَمِ
 
يا سيِّدي مَنْ أنا إنْ لم تَكُنْ أمَلِي
أنتم رجاءُ الوَرَى للهِ ذي الكَرَمِ
 
جئتَ الحياةَ وفكرُ النّاسِ في سَقَمٍ
جئتم بنورِ الهدَى ترجو هدَى الأُمَمِ
 
جئتم بشيراً عسى نُحْيي بشارَتَنا
في القلبِ حبّاً إليكم عالي الهِمَمٍ
 
جئتم نذيراً ليومٍ كان مَشْهَدُهُ
رعباً وأنتم أمانُ النّاسِ كُلِّهِمِ
 
جئتم لرفعِ لواءِ الحمدِ مُرْتَضِياً
تروِي القلوبَ رضاً في وصلِ ذي الرَّحِمِ
 
قالوا لنا عبثاً في يومِ مولدِكم
قلنا بمن نحتفي يا سائقَ التُّهمِ
 
هذا ميلادُ الهدى عمَّتْ بشارتُهُ
هذا ميلادٌ سري بالنُّورِ من قِدَمِ
 
ميلادُ خيرِ الورى حصنٌ نلوذُ بهِ
في كلِّ يومٍ عسى ننجو من النِّقَمِ
 
طوبى لمن راح يدعو اللهَ يسعدُهُ
بخيرِ يومِ البرايا دائمِ الدِّيَمِ
 
قولوا لمن أُخمدتْ نارُ المجوسِ إذا
هلَّتْ بشائرُهُ نوراً على عَلَمِ
 
قولوا لمن زُلزلتْ أرضُ الإيوانِ لهُ
لمن أُضِيئتْ قصورُ الشَّامِ في الغَسَمِ
 
يا لائمي في هواهُ لم تَذُقْ شَغَفاً
حُبُّ النَّبيِّ كفانا قبضةَ الغَمَمِ
 
يا أحمدَ النَّاسِ كان اليتمُ مَسْكَنَكُمْ
ورُبَّ يُتْمٍ أتى بالخيرِ والنِّعَمِ
 
أنت الأمينُ الَّذي ذاعتْ فضائِلُهُ
أنت الصَّدوقُ الَّذي أشرقتْ بالحِكَمِ
 
الغارُ أضحى حديثَ الكونِ نَذْكُرُهُ
فَصْلُ الخطابِ أتى بالنُّورِ فاعْتَصِمِ
 
قرآنُ رَبِّ الورى قد كان حامِلَهُ
جبريلُ من فوقِ سَبْعٍ جاء بالعِصَمِ
 
يا أهلَ مكَّةَ مّنْ للدِّينِ ينصُرُهُ
هذا النَّبيُّ أتاكم غيرَ مُنْهَزِمِ
 
إنْ تنصروه فإنَّ الحقَّ ناصِرُهُ
واللهُ أبقى لَهُ مِنْ كلِّ ذي عِظَمِ
 
أو تنكروا فَضْلَهُ فاللهُ يعلَمُهُ
قبل الخلائقِ قبل اللوحِ والقَلَمِ
 
فهْو الحبيبُ الَّذي سار السَّحابُ لَهُ
والجذعُ حنَّ إليهِ مِنْ مَدَى الكَرَمِ
 
وهْو الَّذي نَبَعَتْ ماءً أصابِعُهُ
يا ظامئين اشْرَبوا كأسَ الرِّضا بِفَمِ
 
أسرى بك اللهُ ليلاً من تَكَرُّمِهِ
على براقٍ سرى كالضُّوءِ في الظُّلَمِ
 
كنتَ الإمامَ كأنتم دائماً أبداً
يا جامعَ الرُّسْلِ في الأقصى على عَلَمِ
 
حين التقيتَ بهم صاروا بأجْمَعِهِمْ
نوراً وأنوارُكم إصْباحُ مُخْتَتَمِ
 
وفي السَّماء العلى طابت سَرِيرَتُكُمْ
وقابُ قوسينِ سرُّ الحبِّ فاغْتَنِمِ
 
الغارُ قد أشرقتْ فيهِ كَرَائمُهُ
والعنكبوتُ بدا في هيئةِ الْهَرَمِ
 
بَيْضُ الحمامِ رَعَى أمراً لِخالِقِهِ
أعمَى عيونَ الْعِدَا مِنْ قدرةِ الْحَكَمِ
 
أهلُ المدينةِ قد تاقتْ مشاعِرُهُمْ
هلَّ الحبيبُ بنورِ الحبِّ والسَّلَمِ
 
هَذِي بقاعُ الرِّضا والحبِّ قد سَلِمَتْ
ومكَّةُ النُّورِ حازتْ عصمةَ الْحَرَمِ
 
صدُّيقُ أُمَّتنا قد عاش مُتَّبِعاً
ولابْنِ عفَّانَ سبقُ الجمعِ للكَلِمِ
 
أُهْدِيتَ ياعمرَ الْفاروقَ دعوَتَهُ
أوصى لكم يا عليُّ الْحُكْمَ بالْحِكَمِ
 
بصفوةِ الصَّالحين اللهُ أيَّدَهُ
فهْو الحبيبُ وَخَيْرُ الخلقِ والنَّسَمِ
 
هذا نبيُّكُمُ الهادي وشِرْعَتُهُ
لم يجنِ يوماً على خلقٍ ولم يَلُمِ
 
إلّا لِحقٍّ لربِّ الكونِ يَرْفَعُهُ
بهِ عَلَى كلِّ جانٍ دائمِ الصَّمَمِ
 
مَنْ قال عنه اعْتَدى شادٍ على وَتَرٍ
فيِهِ مَغَبْةُ داعٍ ضائعِ القِيَمِ
 
الفتحُ كان لأمرِ اللهِ يَنْشُرُهُ
كالسُّحْبِ تروي ثرى الأقطارِ بالدِّيَمِ
 
لو رُمْتَ ذائِقَةً مِنْ راحِ مَشْرَبِهِ
لَعُدْتَ تدعو إليهِ كلَّ ذي نَسَمِ
 
نورُ القلوبِ سرى مِنْ يومِ مولدِهِ
يا طالبَ الحسنِ بدراً قمْ على قَدَمِ
 
محمَّدٌّ أبداً سرُّ الجمالِ بِهِ
إذا دُعِيتَ لَهُ فاذْكُرْ بِمُلْتَزِمِ
 
إنَّ القلوبَ إذا صلَّتْ عليه معاً
يسودُهُمْ سَكَنٌ مِنْ واهبِ النِّعَمِ
 
يا سيِّدَ الأكْرَمِينَ الحوضُ مَنْهَلُكُمْ
هلَّا تجودُ بِراحٍ كَمْ رَوَيْتَ ظَمِي
 
أضْرَمتَ نارَ الهوى بالشَّوْقِ عارِمَةً
وما لِجُرْحِ الهوى إلَّا رحيقُ دَمِي
 
مولاي صلِّ على الهادي بأفْضَلِ ما
تَرْضَى لَهُ إنَّهُ المبعوثُ للأُمَمِ