القصيدة تحت حد السكين

، بقلم أمل إسماعيل

JPEG - 27 كيلوبايت

منذ ما يزيد على خمس سنوات مضت، كنت أنثر قصاصاتي الأدبية وخربشاتي اليومية في غرفتي وعلى مكتبي وتحت سريري، واثقة كل الثقة أنني سأعود فأجدها في المكان ذاته، إلا إذا تعرضت لحملة تنظيف غاشمة من أمي على حين غرة مني! عند ذاك كنت أفقد بوصلة فوضاي المرتبة، وأتوه بين (مجموعة الأوراق) التي جمعتها أمي ورتبتها وكدستها على مكتبي، بحجة أن مكان الأوراق والأقلام والكتب هو المكتب.. لا تلك الأماكن الأخرى التي أخترعها لها.

منذ تلك الأيام إلى يومي هذا، لم تعد تواتيني الجرأة على ترك قصاصة أدبية كيفما اتفق، وتحولت فوضاي المرتبة من غرفتي الخاصة ومكتبي إلى المطبخ! وللدقة والأمانة أقول: إلى أعلى ما تطاله يدك على الثلاجة!

اليوم أصبحت قصاصاتي الورقية ضيفة عزيزة على ثلاجة المطبخ، قصائد أو خواطر أو مقتطفات من جرائد أعجبتني فاحتفظت بها، تتزاحم على الجانب القصيّ المنسيّ من الثلاجة مثبتة بقطع مغناطيسية عشوائية. أعود إلى ما كتبت تارة حبا في الفضول، أول لإكمال مشروع أدبي بدأته.. أضيف بيتا، وأمضي، أضيف جملة، أو أشطبها، وهكذا!!

ما زلت أتذكر إلى اليوم، سخرية أخي الذي طلب مني أن أعد له العشاء، فرفضت تذرعا بإلهام شعري طارئ لا قدرة لي على طرده لأعد له عشاء يملأ بطنه، فردّ عليّ مستنكرا: وغدا.. بعد زواجك، هل ستطبخين لزوجك قصيدة!
*******

(من يطبخُ القصيدة؟

من ينثرُ الطماطم الحمراءَ في المقلاةِ

من يبهرّ الكلام في فمي..

يقدم الطعام للأولاد مثل تحفة فنية

ويرسل الأفكار في عـِقالها لرحلة بعيدة!)

*******
"في مطبخي قصيدة"... قصيدة كتبتها بعد زواجي، بعد أن تكالبت عليّ هواجس الشعر وخواطره، وتجاذبتني مهام الحياة الأسرية لأي امرأة شرقية، وجدتني أفتقد فوضاي؛ فالفوضى لا تليق بربة البيت ومربية الأجيال! أحيانا كنت أترك كتابا على الطاولة أسبوعا، ألمّع الطاولة ولكن أعيد الكتاب إليها لتحتضنه، لأشعر بأن هناك كتابا على الطاولة.. ما زال، ولا يزال في انتظاري دائما! كانت أمي تستمتع بجملة (ضع كلّ شيءٍ في مكانه).. بينما كنت أحاول جاهدة التشبث بجملة (انثر جنونك في كل مكان) ليس لقلة حيلتي في الترتيب وفتور همتي.. بل لأن عالما من الإبداع يكمن وراء تلك الفوضى! متاهة لا يعرف مداخلها ولا مخارجها إلا من صممها وأشرف على إنجازها! جنون لذيذ.. يحلق بصاحبه ويرسله في رحلة فضائية استثنائية بعيدا عن أرضه التي تنكر عليه إنجازه!

جرّبت مرة أن أترك قصيدة على طاولة مكتبي، فتحولت بفعل فضول ابنتي إلى لوحة فنية، ثم تبعثرت حروفها قصاصات صغيرة عجزت عن إعادة تركيبها وفقدت إنجازي الشعري في لحظة براءة طفولية ساذجة.

جربت مرة أخرى.. سجلت نصا على هاتفي المحمول، أحببته، وأخذت أضيف عليه يوميا، بعد عدة إضافات، وجدت هاتفي يدور ويدور في غسالة الثياب، يبتلع فقاعات الصابون ويشارك الثياب بيضاها الناصح.. ولكن في شريحة ذاكرته!

هكذا إذن،

لم أعدِ الكرة.. وهربت إلى مطبخي!

(يا عاذلي..

الحرفُ مثل طبخةٍ نيئةٍ.. بهارها مشاعرٌ وحرقةٌ

ونارها بحرٌ وموجٌ هادرٌ على شاطيه تولد الأبيات.. تستلقي القصيدة!)*

ملاحظة

* في مطبخي قصيدة - أمل إسماعيل - ديوان العرب.