المفاجأة والمفارقة والتشبيه المتتالي

في قصص: هيثم نافل والي فرياد إبراهيم

على الرغم من انني لست من عشاق القصص القصيرة لكنني عشقت قصص الكاتب العراقي في المهجر هيثم نافل والي الذي صدر مؤخرا له كتابه (المجموعة القصصية ) من دار الشمس للنشر والاعلام- القاهرة.وذلك لسبب اساسي: انها قصص ممتعة.وسبب اساسي آخر: انها قصص نابعة من صميم الواقع عايشها الكاتب بنفسه.

وهو بالإضافة الى استعماله المكثف لأسلوب المباغتة والتشويق فهويمزج في نفس الوقت الخيال بالواقع:
ففي قصته : (الصرخة) فيها أنتقال مفاجئ من حالة الى حالة مغايرة تماما. فيصير وضع القارئ كالمحتّر يصب عليه ماء بارد وبدون سابق انذار.

فهو يصور حالة صخب وقتل وعنف وطوفان ونيران وحريق...وفجأة تتحول الضجة الى حالة سكون ودعة وتحية وابتسامة. تتضمن عنصري الاثارة والمباغتة معا:

(لم يعد يطيق اخوها اكرم الصبر والانتظار يهجم عليها كالاسد حاملا سكينه الحاد...تخرج من غرفة سعاد صرخة عارمة مدوية...فاذا بالصرخة اختفت فجاة واذا بالأم تقف امام سرير ابنتها

- ماذا جرى لك يا ابنتي؟انه مجرد كابوس. نظرت سعاد اليها بعينين لامعتتين فاضت فيهما الدموع فتقول ضاحكة....)

في قصة (جريمة قتل ) كذلك هناك انتقال سريع مباغت من موقف (محقق وحادث قتل) الى ام حنون دافئ ومائدة طعام.
وعنصر التشويق يحتل مكانة بارزة في قصصه وخاصة عن طريق تغليف القصة الواقعية بغلاف خيالي. ففي قصة (سوء فهم) يعالج موضوع زواج قسري، وهناك طرح لموضوع آخر وهو سوء فهم مفهوم من العنوان. فليس للأم اي دور يذكر في المجتمع الذكوري وخاصة في مسألة اختيار الزوج للفتاة.فهو من اختصاص الرجال بلا منازع، فليس للأم سوى الاستماع والانصياع تاركة حق إختبار الزوج للأب والأخ اللذين يفضلان اختيار زوج غني متمكن للفتاة.

عنصر التشويق والتعليق يلازم القصة. الضغط المتواصل على االفتاة (عبير) كي تقبل بالزوج المرتقب وكي ترحب بالضيوف الذين جاؤوا لخطبتها. يهددها اخوها : إن لم تفعلي وتطيعي ما تؤمرين به فسوف اذبحك ذبح النعاج.) وتمشي الأمور على هذه الشاكلة والوتيرة والتوتر الى ان تحل العقدة وينفرج الموقف وبشكل عجيب وبسيط كساطة الفكرة وبساطة القاص نفسه وعفوية. الى ان يفاجئنا القاص في الخاتمة بالضحكات العالية والقهقهات. فالضيوف لم يأتوا لطلب (عبير) بل لطلب اختها (سَمر). وإذا الفتاة المطلوبة سمر لا عبير.

تضحك الأم ثم الرجال ثم :

(ثم تضحك عبير هي الأخرى فيهرع الجميع الى دخول الغرفة ليتأكدوا ماذا يجري هناك، فالضحك والقهقهات العالية كانت تهز اركان المنزل كله وبقوة كالضحكات التي يطلقها الجنرالات هئ هئ هئ.)
وأنا لا اخفي عليكم عندما وصلت الى المشهد الأخير أخذت أضحك كالجنرالات: هئ هئ هئ.
فمما لاشك فيه أنّ الجنرالات يملكون حناجر قوية كالبغال.

ففي قصة (في بيت الله ) يصف حياة القسوة والخشونة في معسكر طلابي وهو يعاني من الخناق وسط الصحراء. فيلتجأ عملا بنصيحة زميله الى جامع هروبا من الحر والعواصف الترابية :

(احتل ركنا هادئا وباردا في الجامع الموجود في المعسكر ثم فتح كتابه الذي كان لطابور ....... فجاة هبط عليه ظل جسد عامر بالقوة والضخامة.) هذا الضابط المتكرش يطلب منه ان يصلي. وهو يجيبه متسائلا بدهش: أنا؟ وللمرة الثانية يرد عليه بنفس الكلمة: أنا...؟ في هذا الجواب بحد ذاته إثارة فيتشوق القارئ الى معرفة سبب هذا الردّ المتقضب: أنا ؟ اي هل تقصدني أنا؟

- انهض يا حقير يا زنديق يا سافل اخرج من هنا هذا جامع وليس مكتبة.)

بعد سلسلة طويلة من الشتائم يأمره الضابط بترك الجامع وهو لا يملك سوى الإطاعة.
في الخاتمة يفسر سرّ هذا التسائل ب(أنا..؟) التعجبية:

(رجع يحيى يعاتب زميله على نصيحته للايواء الى الجامع للهروب من الحر والعاصفة وهو مصاب بالربو. ويعاتب نفسه على انه لم يفكر بنصحه طويلا قبل دخول الجامع، وهو على غير دين الاسلام.)
وفي مشهد البكاء على ميّت هناك مزج من شكل آخر، طباق ومفارقات وتناقضات في الموقف ذاته. براعة فريدة في المزج بين الموت والحياة والبكاء والضحك والفرح والترح مزجا لا فكاك لها فيخال القارئ ان الشخص مصاب بداء الهلوسة وهو ليس كذلك.

عنصر المباغتة والانتقال المفاجئ حاضر حضورا سافرا هنا وفي كل مكان وزاوية في قصصه. فبعد مشهد الأم الثكلى و وبكاء ولطم وصراخ يأتي دور مشهد ضابط البوليس.فهنا اختلاط مبدع وكاريكاتيري بين ما يجري بينه وبين رجل الشرطة يبعث في مجملها على الضحك:

(ظهر ضابط البوليس مع زميلته الجميلة التي تبدو وكأنها قادمة من حفلة.
- ما الذي يحدث هنا؟

قلت وانا افرك راسي كالقرد.)

بينما كنت ابكي على الأم التي تصك خدها وتلطم صدرها وتجر شعرها انطلقت اضحك بصورة هستيرية، وانا استحضر مشهد صاحبنا القاص وهو (يفرك رأسه كالقرد عندما يفكر.)

في (جنون الحزن ) صرخة ام تنتحب وتبكي و(ترثى اختها الملقاة كسجادة على الارض...تصرخ وتهز رأسها ذات الشمال وذات اليمين كالبندول.) أقول انّ تشبيه رأس امراة بالبندول أمر يبعث على الضحك او الأبتسامة على الأقل ولو كان المرء في ميتم أو مناحة.

في قصة (ألورطة ) يعالج موضوع معاملة زوجة الاب لابن زوجها، وهي حالة شائعة في مجتمعنا الشرقي عامة والعراقي خاصة:

(أجاعته، ثم ارسلته الى العمل، وقالت له :قل لصاحب العمل انك جائع..)

ويصف مقدار خوف الولد من زوجة ابيه:

(وهو يرتعش هلعا من منظر زوجة ابيه). الولد يرتعش من المنظر فكيف اذن من المخبر؟!
وفي قصة( الصديق) يتناول مسألة (اختبار الفتاة عند الخطوبة)، وهذه كذلك يبرز فيها عنصر المفاجاة والمباغتة:
(كلّف صديقه فرحان -وهو يعتقد انه افضل صديق- بمراقبتها، فيقابلها في السوق فتضحك في وجهه كمن تغازله..)
فحسب العرف المتعارف انها سقطت بهذه المجاملة والمغازلة والضحكة ذات المغزى في اختبار الخطوبة، ولكن القاص يعود يباغتنا بأن الصديق المخبر هو الذي سقط في امتحان الصداقة لا هي:

(يا رجل انها تحبك كثيرا...) كذب الصديق، فوقع في الفخ. وعندها يفاجأه مراد بالضربة القاضية:
(لقد اتفقنا انا مع سوسن على ان نختبر اخلاصك ووفائك..)

في قصة جريمة قتل وهي قصة وقعت له شخصيا كما تبدو، يصور القاص هيثم نفسه متهما بجريمة قتل ويتم استجوابه من قبل محقق شرس يحاول استدراجه بشتى الوسائل بانه هو القاتل.لكن بطل القصة ميثم يدافع عن نفسه منكرا ويدفع عن نفسه التهمة بقوة بالقول : انه ضربه للتأديب ودفاعا عن النفس.

فيعامله المحقق بعنف: (هوت صفعة على وجه ميثم..)

- يا ابن العاهرة.) كلام بذئ من قبل محقق، وصف صحيح دقيق لهم وتصرفاتهم وكلامهم الفاحش وسوء خلقهم واستعمال القوة لاستنطاق المتهم في مجتمعنا الشرقي طبعا باستثناءات قليلة.

والقارئ يتشوق على مدار سير الاحداث الى نهاية التحقيق وما ينتج عن هذا الاستجواب الخشن. فالاسئلة طالت والضغط من المحقق متواصل، وانكارالمتهم وثباته على موقفه مستمر، وهو في كل مرة يقول : انا برئ. تعليق القارئ وجعله ينتظر يبعث في النفس شوقا وترقبا للخاتمة، وهناك تقع المفاجاة: انتقال فوري من غرفة قذرة ووجه قبيح لمحقق الى غرفته في بيته مع امه الحنونة الدافئة وهو يمسك بيده ورقة كتب عليها القصة وضعها أمامه على مائدة طعام في مكان هادئ والتي تستوقفه قائلة ودموع الفرح تنهمر من عينيها: (لقد اثبت لي اليوم انك كاتب قصة قصيرة بارع..)
و لايخفى انه يسخر تكتيكا آخر لتشويق القارئ وذلك عن طريق التضليل واظهار الحقيقة بسرد القصة الواقعية وكأنها خيالية. وهذه التقنية بارزة متميزة في قصة (الشبح)

ففيها يمثل القاص دورين : دور الشبح الذي يعاتبه وينتقده على انه لا يجني شيئا من وراء كتاباته، والذي يسأله بالحاح: لماذا تكتب اذن ان كان لا تجني سوى الريح؟

فالشبح هو ضميره وعقله المنبه، ومحاوره الكاتب يمثل نظرته وطموحاته ورأيه تجاه الكتابة على حقيقته. الشبح محقق، وهو متهم مدافع.

في الخاتمة وكالعادة نتفاجئ بتغير الموقف تماما، وانتقال الحدث والأشخاص الى مكان آخر: نادي، قهوة، بار، مطعم- لا ندري-. هناك يسأله النادل فيوقضه صوته وهو يصرخ به متوسلا:

(ارجوك سيدي فانا اتكلم معك منذ دقائق...)

*********
والقصص هذه في مضامينها تعالج قضايا شتى وخاصة الاجتماعية، العراقية خاصة والشرقية عامة:زواج تبادل، زواج قسري، دور المرأة في المجتمع الشرقي، قضية –جريمة- غسل العار، تفضيل الولد على البنت وموضوع الحرب طبعا ومضاعفاتها على الأرض والنسل والعقل والنفس، والهجرة وقضايا عراقية شرقية متعددة والعلاقات الأجتماعية التي تربط بين اعضاء الأسرة ودور المرأة المحدود خاصة في مجتمعنا الشرقي.

ففي (قصة امرأة عراقية) يعالج موضوع الهجرة والغربة: امراة عراقية تلتحق بابنها في المهجر بعد رغبة منها عارمة، تقول: حقق لي أمنيتي ابني، فلا أريد سوى الأمان والضمان والسلام. فيحقق الابن رغبتها. فلا تمضي فترة قصيرة الا وتشعر بالغربة والحنين الى الأهل والاقارب والجيران فتتوسل من ابنها أن تساعدها على العودة الى حيث اتت، الى بغداد رغم المخاطر. إذ تبين ان الأمان والضمان لم يكونا كافيين لإسعاد الأم. أنها إحتاجت إلى اكثر من ذلك دون أن تدري. ففضلت المخاطر على العزلة والضياع والغربة. في القصة وصف دقيق لمعاناة المهاجرين وشعورهم بالضياع وتحليل نفسي صائب واقعي:

(فبدأت رحلتها مع حياتها الجديدة في الغربة بطريق شائك لا تعلم معالمه سوى انها اصبحت بين ليلة وضحاها انسانة مهملة وحيدة، وتعاني من العزلة من جديد وبشكل سافر وسط لغة لا تفهم منها سوى طنينها، بينما كانت في العراق تستطيع ان تذهب الى السوق وان ترى جيرانها وتسامرهم عند العصر امام عتبة الدار،او تستقبل الضيوف الذين يسالون عنها بين الحين والآخر، ولكن الوضع في حياة الغربة قد تغير تماما...فبعد ان يذهب ابنها وزوجته الى العمل صباحا ويلتحق الاولاد بمدارسهم، تصبح أم سعيد وحيدة الى شئ غير ناطق جامد كقطعة من اثاث البيت...)

في قصة (جنون الحزن ) يصف الحالة العراقية، وفي الحقيقة أنّه في كل مواضيعة المطروحة عراقي من الصميم، اصيل، يصف احزان العراقي و افراحه وجروحه و يأسه وتعبه وفزعه، وتمتزج دموعه بدموعهم. ودموع الأم في قصص هيثم ممتزجة بالدم، دموع بلون الدم وجروح بلون النار ملتهبة:

(تجرح أمي خدودها باظافر يدها دون وعي او ادراك،وهي في حالة إعياء شديد، فتنزف، فتسقط الدموع على الجروح الملتهبة.)

فيها تهويل الصورة وتضخيمها. وفي الحقيقة ان هيثم يستخدم عنصري (التهويل والتضخيم ) في معظم قصصه، حتى في تشبيهاته البلاغية التي سنأتي عليها. بل يُسخِّر قسما كبيرا من هذه التشبيهات للتهويل والمبالغة، وهما عنصران مفيدان مُمتعان مؤثران ان جاءا في المكان المناسب وحسب مقتضى الحال.

في قصة الطريق مثلا: سيارة تقل اخ واخيه الذي يعاني من آلام مبرحة في البطن. كان الوقت ليلا. فيتعرضون للتفيش والتوقيف والإستجواب، وهذه حالة عراقية بغداية صرفة، و بسبب التأخير والعرقلة يموت المصاب ولمّا تصل السيّارة إلى المبغى-المشفى. تصوير فاضح للروتينيات التافهة والعقيمة غالبا، والشقاء والبؤس وتلقّي الأهانات وبلا سبب غالبا من جانب المواطن، والغباء والانانية وفقدان العطف والشفقة من جانب السلطات ورجال الأمن والشرطة، في بلد خشّنتهم وغلّظت قلوبهم الحروب والمعارك وفقدان الثقة والفوضى والأرهاب والذعر والرعب المزمن المتواصل طيلة عقود من الزمن. فلم يعد الشرطي والضابط أو اي شخص في موقع المسؤولية يملك ذرة رحمة أو عطف أوأيّ تقدير لظروف أحد، ولا تفيد معهم كل التوسلات. ولا يخفى ما لعنصر (الشكّ في كل شئ) من دور في تخريب الثقة، فيبدو في عيونهم سواء المواطن والسلطات الأمنية كل شئ مشبوها ومفخّخا في العراق الذي صار خبر كان.

الوصف والاسلوب الادبي

لألقاء نظرة فاحصة ودقيقة فقصة( خِماس) فيها الكفاية لإظهار براعة القاص في الوصف الأدبي الظريف. إقرأ كيف يرسم هيثم اللوحة الكاريكاتيرية ل (الجَدَع) العراقي خِماس السكّير:

(ليلة ليست ككل الليالي، فالزفة اختلفت عن سابقاتها، رغم ان بطلها خماس السكير لم يطرا عليه اي تغيير، لقد كان اسما على مسمى! له وجه الهر الجائع، وفي خده الأيمن أثر خدوش وجراح قديمة لم تندمل بعد، ولم يستطع الزمن بجبروته محوها دون بصمة، فتبدو كالمشط القصير المتهدم الأسنان، لتبقى علامة فارقة تميزه عن باقي البشر...
لقد كان طويل القامة، وله اكتاف سبّاح، حليق الوجه، وحين يصمت ترتجف شفته السفلى دون ارادة، وعندما لا يجد سببا للضحك تراه يضحك لأنه لا يستطيع الا ان يضحك، وكأنّه خُلِق للضحك والمجون، فقط...سكير من الطراز الأول وكأنه يعيش في عصر هارون الرشيد! اذ لا نراه يصحو حتى يصحو مجدّدا، كإسفنجة مبلّلة ما ن تعصرها حتى تقطر ما تعلق فيها).

كاريكاتير برتوش معلم خبير فنّان اوعالم نفسي: سكير في عصر هارون الرشيد !!! ومن يستطيع جمع كل هذه الزخارف على رقعة واحدة سوى هيثم؟ ومن يتمكن من جمع كل هذه الألوان في شخص واحد: خِماس، إنه سكير، انه هرّ، وإنّه مشط متهدم الأسنان، انه إسفنجة مبلّلة، إنّه يضحك كأنه..وكأنه.. ثم وكأنه (ادواة التشبيه) يسخّرها كما يسخّر الرسام الريشة، بكثافة وحضور دائم ووعي. وفي كل مرة يظهر لنا القاص المتمكن في صورة، وكأنّه هو المشبه والمشبه به واداة التشبيه ووجه التشبيه كلها جميعا. أنظر إلى هذه الصور المركبة المجسّدة:

* في قلب الليل الساكن خُدش حياء الصمت.

* طوّقها القلق كخاتم في اصبع. فيها تشبيه بليغ في قصة (امراة عراقية).

* زحف اليأس الى قلبه كما يزحف الظلام على الارض وقت الغروب.

* حياة لم تألفها – أي المرأة العراقية في المهجر- فالحياة الجديدة اصبحت لها لون كاللون الابيض، حيادية كالموت.

* تحترق في كل لحظة بنار القلق والخوف كما تحرق اعواد البخور نفسها عندما تمنح العطر للآخرين.

* وهي تبكي بفزع كمن يسخر من خوفه.

* وعلت وجهها ابتسامة شاردة وهي تتمايل في مكانها كلهيب متراقص.(تشبيه تمثيل)

* تهز أركان شقة خالتي من جذورها. (إستعارة مكنية في كلمة جذورها)

* ما أن زحف الظلام على الأرض كاللص.

هناك شئ ملفت للنظر وهو أن تراجيديات القاص مغلفة بغلاف الكوميديا. وهذا الاسلوب شائع في قصصه، خاصة في وصفه للأحداث والمواقف الجريئة:

(وما ان استعدت قوتي، وبدأت في الوقوف مجددا،حاولت النطق وكأنني عشت طوال حياتي أخرس،وها انا أحاول التكلم لأول مرة.)

(ومن ينظر لي في تلك اللحظة، يعتقد جازما بانني قد ربحت للتو بطاقة يانصيب.)

وصف وانتقال سريع من حالة الى حالة:

( ثم فجاة غلى الدم في وجهه ثم فجاة على الدم في وجهه وبدا يتكلم كالقاضي.... وهو ينظر اليّ بحقد وكأنني كنت قتلت أباه منذ اسبوع فقط.)

مفارقة تبعث على الضحك في أحرج المواقف. فهو يضع نفسه في موقع القاتل ومخاطبه في موقع القاضي، تناسب جميل، ووصف رائع، وتناسق دقيق.

(فتكسرت على خده دمعة ملتهبة كحرارة الخبز الذي بين يديه.)

اسلوب راقي في الوصف نادر.

وفي قصة (الله والانسان) هناك (وقع اقدام على البلاط الخشبي، وتأوهات خافتة مضطربة، وهمس مبهم كصدى لصوت قادم من بعيد يقبع وراء الباب، لا تسمع خطاه الا بالكاد، يدنو ويذهب.)

وفي (قصة كؤوس الخمر) يبدع في الوصف الخلقي الساخر:

(كان هاشم طويل القامة عريض المنكبين، له رأس الثور.)

عنصر الفكاهة يكمن في ان القاص يرفع الموصوف بوصفه بالطويل وعرض المنكبين ثم يكبسه كبسا إلى الحضيض: له رأس الثور.)

فهاشم رجل وسيم حسب وصفه في البداية، ثم فجأة يتلقى كفحة من هيثم: له رأس الثور، ثم يتواصل الكفخات الواحدة تلو الأخرى: (احمر الوجه في صوته رنة كالف المثقوب.)

التشبيهات البلاغية:

وتتميز قصصه بالسلاسة اللغوية والاسلوب الرشيق وخلط الجدّ بالهزل. وهو متميز في تقنية مزج المتناقضين الحياتيين. ومما مكنه من الإبداع في هذا الاسلوب المزدوج استعماله للتشبيهات البلاغية المكثفة. فقصصه تزخر بمثل هذه التشبيهات. فقد ضبطت (وجدت) 65 (خمسة وستين) تشبيها بلاغيا في قصة واحدة، قصة (ألطريق) وهذا رقم قياسي على ما اظن !
وليس هذا فحسب ولكن بالإضافة الى براعته في تسخير هذه الصور التشبيهية المقارنة، فأن تشبيهاته تعتبر من النوع الفريد، لأنها هي التي تضفي طابع المرح والسرور والدعابة في احرج المواقف واصعبها، واحلك الظروف واخطرها. ويجعلك تضحك وأنت أمام ضابط تحقيق حقير وخبيث وبذئ.

فبلاغة التشبيه هي التقريب بين شيئين لوجود صفة مشتركة أو أكثر بينهما و تكون هذه الصفة أقوي في الثانية. وأركانه هي: المشبه و المشبه به و أداة التشبيه و وجه الشبه. وتكون الأداة حرفا أو اسما أو فعلا.
فالحرف مثل (الكاف) و( كأنّ )، والاسم مثل: نظير شبيه مثيل، الفعل مثل: يشبه و يشابه،و يضارع، ويحاكي، ويحسب، كما في الآية: لو رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا.

اكرّر: لقد أجاد الكاتب القاص هيثم نافل والي في الوصف واستخدام التشبيهات البلاغية التي تزخر به قصصه بلا استثناء، فلا تخلو قصة الا وفيها عشرات الصور من التشبيهات البلاغية المبدعة والمستحدثة، لم ارَ احدا سبقه اليها، نظرا لأنها تحمل خصائص متميزة تخصه فقط.

ومن الجدير بالذكر ان هذه الصور البلاغية الوصفية التشبيهية في مجملها تضفي روح الفكاهة والمرح والسخرية اللطيفة غير المخرشة الى المناخ العام، واحيانا تجعل القارئ يضحك بصوت عالي مقهقها، وهذا ما حدث لي في اكثر من موقع، وفي كثير من المواقع الجادة والخطيرة:

(قاد علي سيارة بيك اب وهو لا يستطيع قيادة حمار هرم.)- ضربة عكسية من هيثم.
(فما ان أدار مفتاح تشغيل المحرك حتى قفزت السيارة كالكنغر.) - في قصة (سياج الدار )

ووصوفاته الأدبية لهي آية في الجمال والروعة، وتضفي اسلوبا متميزا رشيقا سلسا بسيطا إلى المادة المعروضة.
ثم هناك الغلو في تسخير بلاغة التشبيه. فبعض القصص غاصة مليئة بها الى حد التخمة كما في قصة (الطريق) الآنفة الذكر:

شقت السيارة طريقها وكأنها غزال هارب.
الام بطن كأنه يعاني تسمّما.
لفّ ببطانية ليبدو كأنه صرّة ملابس.
طريق وكانه مسرح لكابوس.
صوت انذار كالنذير او ساعة القيامة.
وهي تشقّ طريقها كالإعصار.
وصوت مجلجل كالهدير.
الأصوات الهادرة كالرعد.
ثم هوت صفعة كأنّها ضربة مطرقة.
تغيرت لهجته وبدا كأنه شحّاذ.
يصرخ بهوس كالمخمور.
استمر الضابط يتحدث بعنف وكأنّه في معركة.
ثم نفخ صدره ورفع رأسه كعريس في ليلة زفافه.
وهو يشهر مسدسه عاليا كالسيف.

وكذلك في غيرها من القصص، أقتطف منها:

موجة جديدة من الضحكات المتقطعة كأزيز الطائرات.
وكأن الجنّ يسكنها.

وصل السوق بممراته الضيقة الملتوية وكانها الامعاء.
(لا اتذكر في قصة وبأيّة لغة من اللغات الخمسة التي اتقنها من شبّه ممرات السوق بالأمعاء وما فيها من توضيح مرئي كوسيلة إيضاح على السبّورة، فأجاد.)

وبقراءة سريعة يتبن لنا ما لهذه التشبيهات البلاعية من اثر في نفوس القراء والسامعين:
باتت تثرثر مع نفسها كالوقواق.

نزع نظارته ذات العدسة الدائرية وكأنها نظارة المقاتل الليبي عمر المختار.
هنا لم املك نفسي فضحكت ملئ فمي حتى سمعني من كان بجواري. وكيف جمع بين البعدين الزماني والمكاني ؟ انه لمهارة وفي نفس الوقت قدرة نادرة في اثارة المرح والاستئناس في نفس القارئ بتشبيه شئ قريب جدا وفي متناول اليد بتشبيه شئ آخر بعيد بعدا زمانيا ومكانيا جدا.

هذه يذكرني بتشبيهه في قصة (الطريق) البكاء بمطر انجلترا.
وبكائه الذي لا ينقطع كمطر انجلترا
في قصة( بيت الله ) تندر وسخرية لاذعة وتصوير كاركاتري للضابط الأرعن:
(فجأة هبط عليه ظل جسد عامر بالقوة والضخامة، وكأنه سقط عليه من السقف. وقف قبالته كالصقر، وكرشه الذي يشبه سِنام الجمل.)
في قصة (جنون الحزن) يرد التشبيه كما في جميع قصصه بغزارة:
يركض كمن شاهد حريقا هائلا.
وتنتحب وكأنها تعاني.

وكثيرا ما يكمن تحت التشبيهات هذه غرض بلاغي آخر وهو: المبالغة والتهويل. ويُعبّر عنها بالشيطان تارة، وبالنار تارة أخرى، والطوفان والصواعق والرياح العاتية والظاهر الطبيعية الأخرى تارة أخرى.
ففي قصة (جنون الحزن ) يقول:

(تصدر امي صرخة مدوية كالتي تطلقها المرأة في حالة الولادة.)
(فزعوا من هذه الأصوات التي خرجت من شقتهما كالرعود.)
( ثم شرعت مسرعة كالطلقة.)
(حرقت الرياح الملتهبة الوجوه، كما تحرق نار جهنم الأجساد يوم الحساب.)
( انتشر الخبر كالبرق سريعا بين الجيران.)
في (كؤوس الخمر):

(واعصابه مشدودة، وهو يداري انفعالاته، وكأنه جالس على مرجل يمكن له الانفجار في اية لحظة.)

والغريب والعجيب والمتميز فيه انه يكثر من التشبيه بالشيطان أيغالا في التضحيم والتهويل. إذ قلما وجدت هذا الكم الهائل من كلمة (شيطان ) في قصة، والشيطان في موقع المشبه به.

فانتابها قلق شيطاني – (في قصة موت معلن)
ولاترضي الشيطان نفسه – ( في قصة امراة عراقية)
والشيطان وحده يعلم ما اعانيه في هذه اللحظات الحرجة القاسية.
(في قصة جنون الحزن). لا أدري ما لغز علاقة هيثم بالشيطان؟

(لقد هدمت سياج دارنا الآمنة، ونحن نيام، ثم هذا لا يرضى حتى الشيطان.) في قصة :سياج الدار.
الشيطان نفسه لا يعلم ما الذي يحصل داخل الغرفة. (في قصة : قلق)
ليأخذني الشيطان. (في قصة :ورطة)

وأمّا التشبيه بالحيوان والطيورفيحتل مساحة شاسعة من قصصه:
تسمر في مكانه وكانه لدغ للتو من ثعبان.
صارخا كأنه لدغ من عقرب.
وهو يطلق صوت كعواء الذئب.
ثم علا صوت احد رجال البوليس له انف كبير كأذن حمار.
بدا منحينيا كترس السلحفاة.
وضع يده الخشنة التي تبدو كيد تمساح.
هزّ الضابط رأسه كالحصان.
ثم غادر الضابط المكان وهو يفرك انفه الحماري بقوة ويعطس كالرعد.
انها عنيدة كالبغل.
باتت تثرثر مع نفسها كالوقواق.

ازعجتم سكان البناية كلها وارهبتموهم باصواتكم العالية هذه التي تشبه صراخ الفليلة.
فما ان ادار مفتاح تشغيل المحرك حتى قفزت السيارة كالكنغر.
(أقول: لأول مرة في حياتي الحافل بالقراءة والكتابة اجد كاتبا يشبّه السيارة في قفزته بالكنغر، تسبيه في غاية الدقة والأناقة ومدعاة للسخرية والضحك.)

وهنا المزيد:

وهو يقف كالأفعى المتوثبة للافتراس.
حاول عن يرد الجموع المندفعة كالجراد عن داره.
وهو يدق الارض كديك ينبش الارض.
ينظر اليه بعوين ثابتة كعيون النسر.
رفع راسه الصغير وبكى، ثم نبح كالجرو.
وهو يدق الأرض بقدمه بقوة كالثور المتأهب للنطح.

ثم تشبيه صبي بالتيس، وانف بمنقار النسر، خبث في حركات بغراب نوح.
(يا عزيزي جاسم لو يفهم الانسان الحزين على النحو الصحيح، لاختفى الشرّ على الارض كالديناصور.)

وأعود واتسائل: هل هناك أجمل وابلغ من الطير والحيوان مشبّها به!
هذا كان غيضا من فيض للقاص المبدع المتجدّد : هيثم نافل والي. وقراءة سريعة لمجموعته القصصية (الموتى لا يتكلمون) الصادرة من دار شمس للنشروالأعلام بالقاهرة.