رُؤى ثقافيّة «١١٥»

العَدَمي! (١-٢)

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

العَدَميَّة : مصطلح يعود إلى المفردة اللاتينيَّة nihil، وتعني: «لا شيء».

والعَدَميَّة تيّار سياسيّ تقويضيّ للبنى الاجتماعيَّة والقِيْمِيَّة القائمة.

ظَهَرَ خطابه جليًّا في القرن التاسع عشر، في عهد القيصر الروسي (إسكندر الثاني)، لدى بعض المثقّفين الروس. لكنه ذو جذور، تَخْضَرّ وتتصوّح بين حِقبةٍ وأخرى، استجابةً لأزمات حضاريَّة طاحنة تمرّ بها أُمَّة من الأُمم، تؤدّي إلى خيبات أملٍ صيروريَّة. ذلك أنه تيّار رفضي هدّام، متوتّر الإديولوجيا، بتوتّر بواعثه العصبيّة، نفسيَّةً واجتماعيَّة.

وقد كان لهذا الفكر تأثيره، خلال القرن العشرين وقرننا هذا، في تيّار الحداثة وما بعدها، بالنزوع إلى العبثيّة، واللا معنى، واللا إنسانيّ، واللا لغة، واللا انتماء. وكثيرًا ما تلبّس تلك النزوعات باسم الحُريَّة، والتجديد، والخلاص من ربقة الأب، والماضي، والنَّسَق.. إلخ. أي التصدير بدعاوَى حَقِّ تُفضي إلى عَدَم!

وعلى خلافٍ في المفاهيم والرؤى، يُعدّ (الفيلسوف الألماني فردريش نيتشه، 1844- 1900)، ولا سيما في كتابة «إرادة القوّة»، مؤسِّسًا رئيسًا في تيّار العَدَميّة العالميّة. إلى جانب آخرين من أعلام الفلسفة الوجوديَّة وفكرها في القرن العشرين، كـ(جان بول سارتر، 1905- 1980)، و(ألبير كامو، 1913- 1960)، وغيرهما.

ماذا عن العَدَميِّين العرب؟

الحقّ أن معظمهم عَدَميِّون بالفِطرة، لا بالفِكرة! أي أنهم قد تلقّفوا أفكار العَدَميَّة، وروّجوا لها، دون وعيٍ، وهم يعيشون العَدَميَّة الواقعيَّة، والعبثيّة ، بالقوّة والفعل، مجتمعًا، وثقافةً، وحضارة. لأجل ذلك يأتي خطابهم تقليديًّا متهافتًا، لا أكثر من عويلٍ وصراخٍ، وعبثٍ لعبثٍ، بلا فلسفة، ولا فكر، ولا آفاق بديلة. ذلك لأن العدَمَيَّة الغربيَّة، وإنْ اتَّخذتْ هذا المصطلح الموهم، هي ذات غايات، ورؤى، وآفاق. فهي ثائرة على واقع حضاريّ للتبشير بمستقبل حضاريّ آخر. لا ثائرة على لا شيء للتبشير بلا شيء. إنه مسعى للتحوّل من قِيَم عتيقة إلى قِيَم جديدة.

العَدَميَّة الأوربيّة، أو الغربيّة، وَفق هذا المفهوم، عَدَميَّة الواقع، لا عَدَميَّة مطلقة. إنها عَدَميَّة نقديَّة، للقضاء على العَدَميَّة الحضاريّة، لا من أجلها، ولا للدعوة إليها. يقول (نيتشه):

«لقد حصل التناقض بين العالَم الذي نبجِّله والعالَم الذي نعيشه، الذي نشكِّله نحن. ولا يبقى أمامنا سوى أمرين: إمّا القضاء على تبجيلنا، وإمّا القضاء على أنفسنا بأنفسنا. وهذه الحالة الأخيرة هي العَدَميَّة.»(1)

فهو، إذن، الفرار من «العَدَميَّة»، لا إليها. الفرار من «العَدَميَّة»- المتمثِّلة في القضاء على أنفسنا بأنفسنا- بالقضاء على التبجيل لقِيَمٍ فارغة، لم تعد صالحة للحياة، في مطمحٍ إلى قِيَم جديدة.

غير أنه كثيرًا ما يلتبس في القراءة العربيّة وصفُ الواقع وتعريةُ الأزمات الاجتماعيَّة بالدعوة إلى ذلك الواقع، وتمليح تلك الأزمات. تمامًا كما يقرأ العربي روايةً، فإذا هو يلعن كاتبها، وينبزه بأقذع صفات السقوط الأخلاقي؛ لأنه صَوَّرَ الموبقات الاجتماعيّة. ويبدو أن وراء هذه الذهنيَّة القرائيَّة العربيَّة ثقافةً «دَعَويَّة/ وَعْظيَّة»، تبشيريّة، غير نقديَّة؛ تربِّي العقل على المباشَرة، والاختزال، وما قلّ ودلّ، وعلى الظاهريَّة، والكسل، وتطلّب الأمر الصريح أو النهي الصريح، لا المشاركة في التأمّل والتفاعل والاستنتاج، وفهم ما يُقال، ونقد ما يُقال، على بصيرة.

لنقف الآن على نموذجٍ عربيٍّ من عَدَميِّينا خلال القرن العشرين. وسنجده حافلًا بهذيانٍ عَدَميٍّ نموذجيٍّ بامتياز. هو (عبدالله القصيمي)، في كتابه «فرعون يكتب سِفر الخروج»، على سبيل الشاهد. وقد بلغ فيه المؤلِّف أقصى ما يمكن أن يبلغه عَدَميٌّ في عَدَميَّته، حيث خرج به شقاؤه العقلي إلى العمَى؛ فالعيون لا وظيفة لها لديه كي ترى، هكذا يرى بعين عقله، التي يؤمن أن لها هي (فقط) وظيفة، وأنها ترى العمى المحيط! وهو هذيانٌ مملٌّ، عجيب في أسلوب تكراره جملة واحدة وتقليبها في معظم الكتاب، يُعيد صياغتها وإنتاجها ويجترّها، في أغرب أسلوبٍ كتابيٍّ رأيته في حياتي.

في هذا الكتاب تكاد تبدأ كلّ جملة بـ«إنّ». وهذا يعني أن «الحكاية فيها إنّ»! إذ لا يكثر استعمال «إنّ» في خطاب إلّا كان وراء أكمته ما وراءها. ولا ندري عن مدى علاقة هذا التعبير المَثَلي بالآية الكريمة «وجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَىٰ، قَالَ: يا مُوسَىٰ، (إِنَّ) المَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ؛ فاخْرُجْ، (إِنِّي) لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ»؟ أو ما يُحكَى عن (علي بن منقذ) مع حاكم (حلب) الباطش، (محمود بن مرداس)؟ والشام يبدو أن فيها «إنَّات» وأَنَّات من زمان! غير أن الأرجح أن أحد المتفيهقين كان يتشدَّق بخطابٍ يكثر فيه استعمال «إنّ»، حتى قال قائلهم، شاكًّا متأفِّفًا: «الحكاية فيها إنّ»! فذهب ذلك مَثَلًا، على كلّ من يحاول تأكيد غير مؤكَّد، ساعيًا لفرض «إنّاه» واقتناعاته على القارئ، كما كان يفعل القصيمي في «كتاب إنّ» المذكور.

إنّ- وها قد أصابتنا العدوى!- هذا الكتاب آية من آيات اللتّ والعجن، بلا خبز. خذ مثالًا، يقول:

«إنّ الحريّة هي أن يكون الشيء حيث يكون محتومًا أن يكون، وألا يكون حيث يكون مستحيلًا أن يكون- أو هي: أن يكون الشيء كما لا بد أن يكون، وألا يكون بالأسلوب الذي به لن يكون. إنّ الحرية هي أن تتحدث عنها وأن تظنها وأن تكون كما هو محتوم أن تكون لا كما تريد أن تكون أو تدبر أن تكون...»!(2)
هل فهمتم الحريّة، يا...؟!

ذاك هو الأسلوب العَدَمي، المحتقن بـ"إنّ" وحكاياتها!

(1) (2011)، إرادة القوّة: محاولة لقلب كلّ القِيَم، ترجمة: محمّد الناجي (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق)، 11.

(2) (بيروت: مؤسّسة الانتشار العربي، 2001)، 91.-[الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «العَدَمي! (1-2)»، المصدر: صحيفة «الراي» الكويتية، الثلاثاء 8 يوليو 2014، ص24].