سوس الحالمة بالميسينا

، بقلم مصطفى أدمين

قيل إنّه قُتل بسبب إعلانه الحرب على الفساد وذلك في المجال الأكثر ذرّاً للمال على أصحابه من غيره: الصيد البحري.
الخبر تناقلته الألسن السوسية في البارات باكرا قبل أن تتناوله الصحافة. هكذا هي سوس الحالمة؛ تنعي موتاها في الخمّارات أكثر مما تفعل في البيوت والمقرات، وتكتفي بالتدخين والشرب والتبوّل. أيِهْ نعم؛ كثيرا ما بكتْ سوس أبطالَها بعيون كَحيلة مغرورقة بالكحول بعيدا عن أيّ مكحلة.
يحكي لي احْمادْ كومحاند كاتب وكيل تلك المسخوطة فاضنة إفلاس أنهم عثروا عليه طافياً مكبّلَ اليدين بسلك حديدي صدئ في "بور بليزانْسْ" والسمكُ قد سمل عينيه وأكل لسانه.
يحكي دراما إنسانية بابتسامة يعتصرها الألم وفي يده قنينة بيرة وبين الحكي والحكي، يقفز على أغنية غريبة من تأليفه وتلحينه وأدائه. أغنية لا هي أمازيغية ولا هي عربية. أغنية حمقاء بيد أن حكمتها في إيلام مستمعيها عميقة إلى أبعد الحدود. ولسبب دفين أجهله أبكاني طربُه المخاتل إذ فهمتُ بالرغم حربائية الكلام أنه تأثر بشكل بليغ بمقتل ذلك البطل وأنه في طربه المزعوم يحكي عن "رجل أكلته الوحدة وأعمته الخيانة" وأنه هو هو بشكل من الأشكال.
دلفتُ إلى فندق سولْمانْ لأجل الاستدفاء ببعض البيرّات من برودة الوحدة وصقيع خيانتي لخولة قبل أيّام، ولأجل التفكير في السبب الذي جعل معشوقتي تتعفّف عن زيارتي في بيتي. وعندما دلف هو الأخر ورآني، تقدّم من طاولتي وجلس:
ـ هل تسمح لي بمجالستك قليلا ؟ قال.
ـ لا مانع. قلت.
علمتُ من كومحانْد أنّه يعرفني، بل يعرف جميع سكان المدينة...
"اكتشف سرقاتهم... هدّدهم بالفضيحة... أغروه 100 مليون درهما... رفض... طاردوه حتى حدود آيتْ ملّولْ... تمكنواْ منه... قتلوه ثم قيّدوه بسلك حديدي صدئ وألقواْ بجثته في "مرفأ المتعة"
يحكي تلك التراجيديا وهو يلهو بشرابه ومن حين لآخر يغنّي أغنيته "اللئيمة".
مثل هذا النوع من الحكي لا أحبه. هل يُعقل أن نحكي قصة بطل حارب الفساد حتى الموت بمسحة "فلكلورية"؟ القصة الموجعة تستوجب الحكيَ الموجع. ولمّا سألته:"هل اتّحدَ أهل سوس فيما يشبه العصبة لإجبار الشرطة والقضاء على اعتقال ومحاكمة قتلة البطل؟ أجاب:" عينيه كْلاهُم إسلمانْ... أورحماسْ كي يسرقواْ... ما كانواْ ليه إيمداكولنْ... لّي ياخدواْ بورلْوي حقّو..."
ـ لنرحلْ؛ قال.
ـ إلى أين؟
ـ إلى لا بوليسْ... أترى أولئك الثلاثة؟ هُم منهم.
في صورايا الصغيرة حيث يجلس بعض الأدباء والنقابيين والمحامين والسياسيين، صافح احْمادْ كومحانْدْ الجرسون مُحْمّادْ إمزّينْ. وما كدنا نتخذ مجلسنا حتى أتانا بأربع قناني سْطورْك مع "قطعة" لوبيا.
ـ من أنت آسّي احماد؟ قلت.
ـ من أنت آسّي عمر؟
بدأ يلعب معي لعبة "واشْ شفتي الديب؟..."
ـ أنا مساعد مترجم وليس لي أيّ انتماء حزبي.
ـ وأنا مساعد محامي ولي انتماء حزبي.
ـ أنا لا أحب التكلّم في السياسة.
ـ أنت تتكلّم في السياسة الآن.
ـ أنا لا أهتم إلا بالترجمة.
ـ أنا أهتم بالترجمة وبكل شيء: أصوم وأفطر. ألبس الجلباب والكوسْيم. أحارب المخدرات وأشرب البيرة. أدع المساجد وأصلي على الموتى. أحتقر الشعوذة وأحب التداوي بالأعشاب. أنبذ الحرب وأساند حركات التحرر. مسلم ولائكي. مخلص لزوجتي وعاشق للنساء. لا أدخن وتعجبني رائحة الكيف. أحارب الرشوة وأقبل البقشيش. أكره الثقافة الرسمية وأستمتع بأدب الصعاليك. أدرس التاريخ ولا أومن به...
لم يكن الرجل تافها كما قالت لي نفسي قبل قليل. إنه جملة من المفارقات والتعقيدات. إنّه المغرب الذي يشرب لكي يعيش. إنه ذلك الأنا الآخر الذي لستُه، ولهذا أحببته.
ـ هل يمكن أن أسألك عن حلمك؟
لم يجب على الفور. غنّى أغنية أخرى غريبة، ثم قال:
ـ حلمي أن أربح مالا كثيراً.
ـ وماذا كنتَ لتفعل به؟
ـ ابني داراً للأدباء الحقيقيين ليتناقشواْ في أمور الأدب والثقافة وليبدعواْ فرادى وجماعات، وليطوّرواْ أعمالهم الأدبية، وليساهمواْ في بناء المغرب الواحد المتنوع.
ثم دخل في أغنية أخرى لم أفهم منها كلمة بيد أنّها شجية. أغنية لا تعترف بالحدود اللغوية، لغتها الوحيدة هي "الإنسانية".
احْماد كومْحاندْ ساذج؟ ماكر؟ ضحل؟ عميق؟ لا يهم. المهم أنه إنسان.