طارت معْزى

، بقلم مصطفى عبا

انتفض فجأة في الفراش كمن نسي نفسه وهو يسمع صوت عزُّوز يوقظه من النوم:

ـ وا تَّا نوض آصاحبي أوْ! راه العشرة ديال الصباح هذي...

فرك عينيه وقد أصابه هلع شديد هو الوحيد الذي يدري مصْدَره.

أطل على صاحبه من تحت الفراش فرآه قد وضع مستلزمات الفطور التي أتى بها من الطابق السفلي الذي يشغله باقي أفراد عائلته. قارورات البيرة الفارغة لا تزال متناثرة على الأرض. فرك عينيه وهو يفكر كيف سمح لنفسه بالمبيت في غرفة واحدة رفقة هذا الشخص المعروف بشراهته الجنسية المَرَضية، حتى أن أبناء الدرب سموه "عزُّوز المكبوت". إنه شخص-ما عدا ذوي قرباه في الدم- لا يضيره أن يضاجع على حين غرة، بالحيلة أو بالقوة أحيانا أيَّ إنسان أو حتى حيوان بانت له فيه الضربة، لاسيما إذا جمعهما معاً مكان واحد، وخصوصا حينما يقوم ذكره ويعمى بصره. آنذاك يصبح كل شيء عنده سيان... يجمع الحَب والتِّبن، كل شيء لديه كيف كيف.

أكثر من ذلك: قيل عن عزُّوز إنك في حال ما قدَّر الله أن شاطرتَه غرفة نومك أو غرفة نومه أو جمعكما النوم معاً في أي مكان آخر فإن الشيء الأكيد هو أنك في صباح الغد الموالي ستستيقظ لتجِد نفسك قد أصبحتَ بدون مؤخرة، وفي أحسن الأحوال تجد ما تبقَّى منها فقط.

فكّر في كل ذلك غارزًا نظراته في عزُّوز متحسسا عجيزَته السمينة التي وجدها لا تزال في مكانها الطبيعي دون أن يطرأ عليها أي تغيير.

تنفس الصعداء وهو يلعن الشراب الذي جمعه بهذا الشخص وجعله ينام في غرفته بعد أن أصابت منه الثمالة وطرا.
أَحسَّ كأنه وُلد من جديد، حمد الله على سلامته ولعن الخمرة، ثم استجمع أطرافه للتو كالمذعور ونهض واقفا بينما عيناه تسكبان جامّ اللعنات على رفيقه وابن دربه الذي كان يصرخ:

ـ وا تَّا نوض آصاحبي، راني قريت فيك وجه الله وصافي. نوض ها الفطور موجود، مالك عاطيها غير للنعاس؟
سوّى هندامه وشعر رأسه بسرعة عشوائية دون أن تغادر عيناه صاحبَه، وقبل أن يغادر المكان مهرولاً ردَّ عليه:
- عاطيها غير للنعاس؟ آخويا اللهمّ نعطيها للنعاس ولا نعطيها ليك أنتَ!!! يالله... كان هنا. تْهلاَّ.

توضيح لا بد منه:

لما كان صاحبنا يغادر الزقاق مهرولا بشكل غريب، محاولا بكل ما استطاع من جهد أن يتسلل دون أن يراه أحد استطاعت بعض الأعين التي لا تنام ولا تخفى عليها خفية أن تلتقط صورته وهو يسير مستعجلا كما تسير البطة وهي "تلوِّز" يمنة ويسرة مفرجة بشكل واضح ما بين قائمتيها...

كانت هيئته تلك دليلا كافيا بالنسبة للآخرين على أنه بات في حضرة "عزُّوز المكبوت" وأن هذا الأخير فعل به فعلته ما في ذلك ريب.

وما هي إلا ساعات قليلة حتى شاع الخبر في أرجاء الحارة وتجاوزها إلى ما وراء ذلك.

أخذ الكل يسخر منه ويلقبه بكل ما يخطر على باله من الأسماء والصفات، دون أن يتيح له فرصة الدفاع عن نفسه، ولذلك لم يكف عن الصراخ في وجه كل من صادفه:

- واتُّوما غا سولوني آش وقع بعدا يا أولاد الحرام! مالكم كَفَار بالله؟

وكإجابة على محاولة "الإنكار" كان بعضهم يسأله مستهزئاً:

- كَالَكْ ياك؟ (في إشارة إلى حكاية الحمار والسبع ملك الغابة).

ورغم مرور الوقت ظل محط سخرية الجميع. قاوم وصمد، ولكنه ما فتئ أن يئس ولم يعد يطيق صبراً، فقرر الاختفاء ومغادرة الحيّ إلى غير رجعة.

قيل إنه "حرگ" إلى فرنسا أو بلاد الطاليان والله أعلم.

وبه الإعلام والسلام.