السَّكينةُ الضَّائِعةُ محمد خالد الفجر

يُروى أنَّ أفلاطون كان يظنُّأنّ الإنسان في سابق عهده كان يسير على أربعٍ، ثمَّ انفصل نصفُه فصار يمشي على رجلين، ومنذ انفصالِه إلى نصفين، وكلُّ نصفٍ يسعى ويغذّ السّيرَ باحثًا عن نصفه الذي يكمِّلُهُ،فهذا هو سرُّ انجذاب الرجل للمرأة والعكس عند أفلاطون،أمّا إسلامُنا فجعلَ المفهومَأكثرَ دقةً وواقعيةً، ولخّص الغايةَ من هذا الانجذاب بكلمةٍ واحدة وهي السكينة.

فسِرُّانجذاب الجنسين هو الوصول إلى السكينة، وهذا يعني أنّه إذا اختفتِ السكينةُ اختفى التكاملُ وحلَّ محله النِّدية، وفي كلِّ علاقةٍ ربما تكون النّديةُ إيجابية، إلا في هذه العلاقة المقدَّسة فإنّ النديةَ مدمِّرة؛ ولهذا فإنّ رأس المشاكل الإنسانية اليوم يتبدى في العلاقات الزوجية، ولا يحقُّ لمجتمعٍأن يدّعي أنّه معافًى من هذه المشكلة سواءٌ في الشرق أم في الغرب، فالواقعيّةُ الصادقة تتمثلبعرضِ المشكلة كما هي،وليسبتزيينها بكذبِ الكلماتِ الخيالية التي وردت في الكتب، والتي ضخَّمَها بعضُ أدعياءِ التّأهيلِ الأُسَري.

ولكنَّ المهم الوقوفُ على السبب الأساسي للمشكلة،وهذا ما حاولته إحدى الإذاعات البريطانية،وقد وردت هذه المحاولة في كتاب (British Life)، الذي تحدَّثَعن كلِّ مفاصلِ الحياة في المملكة المتحدة، ومن هذه المفاصل مفصلُ الحياةِ الزّوجية، والسؤالُ الذي وجّهته الإذاعة هو: لِــمَيعزف البريطانيون عن الزواج؟ فكان أكثرَ الأجوبة منطقيةً جوابٌأتى من امرأةٍوقفت على أُسِّ المشكلة، حيث قالت في رسالتها:"قديمًا كان الرجلُ يهبُّ للعمل صباحًا، ويعود في قائلةِ يومه إلى بيته فيجد وجهًا صبوحًا طلقًا في استقباله وطعامًا شهيا على طاولته، وربّما في إحدى عوداته إلى بيته يكون قد تعرّض لمشكلةٍ مع مديره في العمل، فعندما يبدأُ بالحديث يرى قلبًا يحتوي مشكلته ويخفق معه، هذا القلبُ هو قلبُ زوجته التي تحاول زرعَ الابتسامةِ على محيّا زوجِها، فترسلُ إليه كيميا السكينةِ التي تجعلُهُ يحرِص يوميًّا على العودة إلى بيته ليبُثَّ همَّهَ، وليشاركها فرحتَه،أمَّا اليوم فإنَّ المرأةَ تذهبُ إلى العمل من ساعاتِ الصباح الأولى،وربّما تغادر البيتَ قبلَ زوجِها، وعندما يعودُ الزوجُ إلى بيته اليوم، فإنّ وجَدَ طعامًا مطبوخًا، فلن يكونَ على الطاولة وإنما في الثلاجة وعليه تسخينُهُ وتجهيزُهُ، وهذا مع شدّةِ ألمه، إلا أنّ الأكثر إيلامًا أنّه عندما يحاول أن ينفُثَ نفثةَ مصدورٍ بهمِّه ومشاكله العملية، فإنّ الصفعة التي سيتلقاها من لسانِ زوجتِه تتمثل في قولها: وهل أنا يعني لا أتعرَّضُ لما تتعرّضُ له؟ إنني بحاجةٍ للشكوى أكثرَ منك فأنت لا تُلاقي ما ألقاه.

هذه الحياةُ المليئةُ بغيومِ النّكَد جعلتِ الأزواج في بريطانيا يبحثون عن المرأة التي فُقدت من بيوتهم،فعكفوا إلى امرأة خارج البيت، وكانت هذه المرأة سكرتيرة مكتبه أو زميلته في العمل، أو صديقةً التقاها في مكانٍ عام، فيعقِد معها علاقةً عابرةً يعوِّض بها فَقْدَ الشُّعور بسكينةِ الأنوثة، التي غادرت عالم حياته الزوجية،وصار يرى في هذه المرأة التي يقضي معها ساعاتٍ من اليوم بديلاً مؤقَّتًا فرضتْهُ ضرورةُ النّكد، الذي سيطر على حياته الزوجية. فالمرأة اليوم صارت نِدًّا للزوج همُّها أن تكسِرَ رجولتَه وتشاركَهُ قوامَتَه، فماتتِ السَّكينةُ، وحلّ محلّها شبحُ الهمِّ والقلقِ، فغادر الرِّجال الزواج، ورأَوا في الجيرل فريند الحلَّ المسكِّنَ والبديل".

إن الذي وقفت عليه هذه المرأة البريطانية، هو أصدقُ من شيوخٍ رسمُوا واقعَ حياةٍ خياليةٍ ونسبوها للدين زورًا وبهتانًا؛ فأسهمُوا بخرابِ بيوتٍ كثيرةٍ من وراء نشرِهم لمفاهيمَ مغلوطةٍ، جعلت كثيراتٍ من النساء يحاجِجن أزواجهُنَّ بقولهن: رأيتَ ماذا قال الشيخ... فأصبح َكلامُعددٍ من الشيوخ بابًا من أبواب الخلاف لا بابًا من أبوابِ الحل.فلِمَلا يعرِضُ شيوخنا المشاكل بالصورة الصادقة السابقة، لا شكَّ أن هناك منهم من يُتقِنُ عرض هذه المشكلة، لكنّ الغالب في زمن الرويبضات الكثر من تراهم يلوون النصوص، ويعرضون زواجًا خياليًّا أقربَ إلى القصِّ الروائي لا الحياة الواقعية. وهذا إرضاءٌ للقنواتِ التي تملأ جيوبهم فيعرضون حياةً تُرضي أرباب المال، وتبتعدُ عن واقعهم هم أنفسهم. نعم كما قالت المرأة البريطانية جلُّ الرِّجال فقدوا المرأةَ في بيوتهم وحلَّ محلّها شكلُ امرأةٍ بقلب رجلٍ همُّه النِّديّة والتفوقُ على من كان قوّامًا ومديرًا لشراكةٍ اسمها الحياة الزوجية.