لكل صاحب أسرة وقرابة الزوجة أولاً!

، بقلم نضير الخزرجي

اشتهر على الألسن قول الناس للعريس الذي يدخل المملكة الأسرية من بوابة العزوبية: (منك المال ومنها العيال)، وقبل أن تأتي هذه الليلة التاريخية في حياة الزوجين، يكون الزوج قد مرّ بفترة عصيبة حاله حال الكثير من الشباب، وهي استحصال المال لتوفير مستلزمات الزواج، وكل شاب يدرك قبل غيره ان: (الفلوس تأتي بالعروس)، فلابد من توفيرها قبل أن يقدم على مثل هذه الخطوة التي ما عادت ميسرة في عالم اليوم.

ولأن في الزواج ايجاباً وقبولا، وفي الأعم الأغلب الأول من المرأة والثاني من الرجل، فالذي يقبل عليه أن يستحضر المال أو ما يعادله (المهر وأذياله)، وبشكل عام فإن الماكنة المالية قائمة في جيب الرجل فاعلة لا تتأثر بالقطع المبرمج للطاقة الكهربائية، ولذلك صارت له القيمومة في أحد أوجه مفهوم القيمومة ودلالاتها كما أشارت اليه الآية الكريمة: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) سورة النساء: 34.

وهذه المعادلة التي فرضتها سنّة الحياة، والطبيعة الجسمانية والنفسية لكل من الرجل والمرأة بحكم الخلقة والفطرة، حتّمت على الرجل أن يكون دائب الحركة في استحصال الرزق، فالعمل عز وفخر، وقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع) في التشجيع على العمل: (اغدو الى عزك فإن رسول الله قال: ملعون ملعون من ألقى كلَّه على الناس)، ولأن العمل من اجل الأسرة على غاية من الأهمية في حياة المرء، كان بمصاف الجهاد في سبيل الله، ولهذا ورد في الحديث عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم(ع): (من طلب الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله).

فالعمل لا يكون له طعم الجهاد ولا مذاق العز إن لم يُصرف ما يرشح عنه في موارده الطبيعية، فهناك نفقات تترتب على الرجل تجاه أسرته، ومن بخل على أسرته كان على نفسه أبخل، ومن قدّم الحرص والتقتير على من يستحق الصون والتقدير لم يحسن التدبير.

ولكن من يستحق النفقة؟ وما حجمها، ولمن الأسبقية لمن يعيل الزوجة والأولاد وجد الأولاد؟ هذه التساؤلات وغيرها أجاب عليها المحقق الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة النفقة" الصادر حديثا (2014م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت، من 56 صفحة تضمنت 124 مسألة فقهية مع 27 تعليقة ومقدمة بقلم الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.

بين الأخلاق والفرض

في كل معاملة وعقد هناك طرفان كحد أدنى يشتركان في إتمامها، في البيعة هناك بائع ومشتر، وفي الإجارة هناك مؤجّر ومستأجر، والزواج من ضمن العقود التي يشترك فيها الزوج والزوجة في تحقق عقد الزواج، فلكل معاملة استحقاقاتها المادية المترتبة لا تتم إلا بها، والنفقة جزء من هذه الاستحقاقات الواقعة بذمة الرجل تجاه الزوجة والقرابة.

فأين موضع الأخلاق من استحقاقات العقد المفروضة، فمهر المرأة فرض، والنفقة عليها فرض، واستحصال كامل الإيجار لبيت أو محل أو لغيرهما فرض، واستحصال الدين في وقته فرض؟

ولكن إذا جاء جليل الحال قليل المال خاطباً، فمن الأخلاق تزويجه بمهر قليل أو الى ميسرة لقول الخالق المتعال:(وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) سورة النور: 32، لأن عسر الحال ليس حالة ملازمة للإنسان الملتزم ولكن الأخلاق الحسنة صفة متأصلة فيه قابلة للنمو، قادرة على نشر شذاها في دائرة القريب والبعيد. واستحصال الإيجار قدر مقدر وفرض محتم، ولكن من الأخلاق أن يصبر المؤجّر إذا ضاقت الحياة على المستأجر، واستحصال الدين في حينه من المسلّمات والفروض الملزمة، ولكن من الأخلاق أن يصبر المستدين إذا تعسّر المال على المَدين، وكل هذه االسجايا الحميدة تدخل في باب التراحم، تشد من عضد المجتمع وتصلب من قاعدته.

والنفقة هي الأخرى، مع وجوبها وفرضها على الرجل تجاه عياله وأسرته، فمن باب الأخلاق والتراحم، مساعدة الرجل والوقوف الى جانبه إذا ضاقت عليه الحياة بما رحبت وتغلقت أبواب الرزق في وجهه، لأن الشد من أزر الرجل في محنته وبخاصة من القريبين منه يشعره بكرامته وأهمية وجوده في السراء والضراء. في المقابل فمن الأخلاق أن ينفق الرجل دون بخل أو حرص، لأن الخوف من الفقر هو الفقر بعينه، والذي يكون حريصا وبخيلاً على نفسه وعياله، فهو والفقير سيّان يأكل ما يأكل الفقير ويلبس ما يلبسه، لكن الثاني أكثر رجولة ومروءة فهو فقير لأنه لا يملك ولو ملك لأنفق، والأول فقير وهو يملك ولو ملك طلب الزيادة لا يشبع، هو والنار توأمان: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) سورة ق: 30، أما المنفق على من تحت جناحه دون خوف الفقر فهو يعمل بالأخلاق الى جانب الفرض، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد لشريعة النفقة: (إنّ مسألة الإنفاق بالأصل تعود إلى كرم النفس، فالكريم لا يبحث عن العوض بل يُنفق حُبًّا في الإنفاق والعطاء، والبخيل لا يُنفق حُبًّا في الإمتناع والأنانية).

وتأسيسا على الفهم الأخلاقي للإنفاق، فإن الفقيه الكرباسي يضع مجموعة شروط هي بمثابة مؤشرات على الإنفاق الذي يأخذ منحى الأخلاق قبل الفرض والوجوب، والدال على كرم المنفق:

أولا: أن يكون الإنفاق من طيب الخاطر، ففيه آثار طيبة، قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) سورة البقرة: 265.

ثانيا: أن يكون مما يُحبه المنفق، وقد قال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) سورة آل عمران: 92.

ثالثا: أن يكون الإنفاق دون رياء، فهو مذموم وخارج إطار الأخلاق الحميدة، وفيه قال تعالى: (والذين يُنفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله) سورة النساء: 38.

رابعا: أن لا يكون فيه مَنٌّ ولا أذى، وقد مدح القرآن مثل هؤلاء المنفقين بقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) سورة البقرة: 262.

خامساً: مع شدة الإهتمام بالانفاق عن طيب خاطر فلا ينبغي أن يدخل في باب الإفراط والتفريط، أي الإسراف في البذل أو التقتير فيه، فالوسطية هي الحالة المحبوبة، وفيها قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) سورة الفرقان: 67.

سادساً: أن يكون لوجه الله، كما قال تعالى: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) سورة البقرة: 272.

سابعاً: أن يكون في السراء والضراء، فالمرء يُعرف كرمه وطيب أخلاقه في الشدة، قال تعالى في وصف المؤمنين: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) سورة آل عمران: 134.

وبالطبع هناك مواصفات أخرى يمكن استخلاصها من التجارب اليومية أشارت اليها نصوص القرآن والسنة الشريفة، ولو أمكن العمل ولو ببعضها لأمكن خلق مجتمع متماسك، أما إذا مارس المرء جزءاً من هذه المواصفات مع من يجب الإنفاق عليهم من أهل بيته وعياله، فلاشك فإن المجتمع سيشهد أسرة متحابّة لها أن تنتج ناشئة صالحة تتسلق سلّم المستقبل والحضارة بكل ثقة، وفي هذا يقول الفقيه الكرباسي: (فيا حبذا لو كان إنفاق الرجل على زوجته وأقاربه يتصف بهذه الصفات الأخلاقية لتُخرجه من نفق الأنانية وظلمة التفوق والإستعلاء ليكون خالصاً من دون شوائب ليكوّن أسرة ملؤها السعادة حاضنة للخير والعطاء).

الزوجة أولا

والمفيد الإشارة إليه أنّ النفقة المعنية في "شريعة النفقة" هي المصاريف التي يجب على الرجل بذلها للزوجة ذات العقد الدائم، والأقرباء وهم: (الذين يشتركون في سلسلة عمود النسب سواء من جهة الأب أو الأم، ومن جهة الأولاد ذكوراً وإناثاً)، فالرجل ملزم تجاه الزوجة والأولاد والأبوين والأجداد والجدات والأحفاد والأسباط ضمن شروط، ولكن بالتأكيد ليسوا جميعاً على حد سواء، فالأسبقية للزوجة حيث ان: (نفقة الزوجة مقدّمة على نفقة الأقارب ومنهم الأولاد والأبوان)، وتتحقق النفقة بالموارد التالية: الأكل والشرب، السكن، الكسوة، التطبيب والمداواة، والخدمات العُرفية المُلزمة.

وفي هذه الموارد الخمسة من النفقة يُراعى فيها الشأنية والمكانة، فلا يُلزم الرجل المرأة العيش خارج شأنها ومكانتها بخاصة إذا كان ميسور الحال، ويعلق الفقيه الغديري على هذا الأمر بالقول: (فبلحاظ مكانته الإجتماعية وقدرته المالية كذلك مكانتها لابد أن يأخذ بعين الإعتبار تحديد النفقة)، بل حتى لو كانت الزوجة غنية فإن النفقة لا تسقط عن الزوج، بل وعلى الزوج احترام شخصية زوجته إذ: (لا يجب على الزوجة قبول النفقة من غير زوجها بالأخص إذا أدى ذلك إلى جرح كرامته) كما لا ينبغي للزوج أن يعتمد في النفقة على غيره، فالعمل بشرف خير من مد اليد بذل وإهانة حتى وإن كان من ذي رحمه، كما: (لا يجب عليها خدمة الزوج في الطبخ والتنظيف وغيرهما).

ولطالما وقعت الأسرة المهاجرة الى البلدان الغربية في مأزق النفقة، فهناك إزدواجية في التعامل مع المعايير الإسلامية والغربية، فبعض الأزواج ينحسر اهتمامه عن أسرته بحجة أن مؤسسات الضمان الإجتماعي تدفع للزوجة والأولاد نفقاتهم بخاصة إذا كانت الزوجة عاطلة عن العمل والأولاد في مراحل الدراسة، وفي المقابل هناك فهم خاطئ لموارد النفقة من قبل الزوجة عندما تطالب زوجها بالنفقة مع أنها تحصل على النفقة من الضمان الإجتماعي، فهي تريد الحصول على حقين بناءً على الفهم الإسلامي للنفقة الملزم به الرجل، وبناءً على الفهم الغربي للنفقة الذي أعطاها للمرأة العاطلة عن العمل أو الحامل او المرضعة أو المريضة، كما أعطاها للأبناء وهم دون سن العمل، ويرى الفقيه الكرباسي في مثل هذه الأوضاع انه: (في البلدان الغربية التي تدفع المساعدات للزوجة والأولاد تسقط النفقة عن الزوج، ولا يحق للمرأة مطالبة الزوج بالنفقة إلا مع النقص لو تحقق ذلك، ولا يمكنها عدم التمكين بحجة أن الزوج لا يدفع لها النفقة)، بيد أن الفقيه الغديري في المسألة الآنفة له رأيه، فعنده: (النفقة لا تسقط بالمساعدات الحكومية أو غيرها، فلها المطالبة بمكان الحق، إلا إذا كان الزوج مُعسراً بحيث لا يقدر على الإنفاق ووافقت على ذلك).

ويلاحظ في النفقة شرط التمكين، ذلك أن من شروط الإنفاق تمكين الزوجة نفسها في الفراش، وإلا سقطت النفقة، كما هو الحال مع الناشز، فالنفقة دون التمكين هو خلاف العدل ومعارض لمفهوم المعاشرة والحياة الزوجية، لأنه في مقابل وجوب النفقة على الزوج كما يؤكد الفقيه الغديري في مقدمة تعليقاته: (يتوجه التكليف على المرأة لتهتم بما يحتاج زوجها في أمر الاستمتاع وتمكين نفسها لذلك، فان امتنعت عنه تسقط النفقة، ولا تستطيع أن تطالب بها فتعدّ ناشزة للزوج وآثمة عند الله تعالى، لإن الإمتناع عن التمكين خروج عملي عن العدل، فعدل الرجل أداء واجبه بالنسبة إلى زوجته وهو الإنفاق، وعدل المرأة تمكين نفسها للاستمتاع)، نعم لا تسقط النفقة مع عدم توفر التمكين كما يؤكد الفقيه الكرباسي إذا للزوجة: (أسباب دينية أو اجتماعية أو عقلائية )

وفي الواقع إن عدم تفهم مقاصد النفقة ومواردها ولاسيما وان الأسرة المسلمة المهاجرة للبلدان ذات الضمان الإجتماعي تتعامل مع أنظمة اجتماعية خاصة بالضمان المالي غابت عن بلداننا الإسلامية رغم أنها من صلب الإسلام وكانت متداولة في العصور الأولى للإسلام، مما أوقعها في مأزق الإزدواجية لم تقع بها الأسرة الغربية لأنها أصلا تتعامل بنظام مدني واحد، وهذه الأزدواجية والفهم القاصر لحقوق الزوجية ساهم بشكل كبير في ارتفاع حالات الطلاق كما تعثر ميزان الزواج بين الشباب.

إن الوقوف على واجبات الزوج وحقوق الزوجة وعلى وجه التحديد ما يخص النفقة، يغني الأسرة عن الوقوع في الكثير من المشاكل والمآزق التي قد تنتهي الى الطلاق وتمزق وشيجة الأسرة، والأسلوب الذي يستعمله الفقيه الكرباسي في معالجة مسائل الحياة عبر سلسلة "الشريعة" هو أسلوب متميز في تناول المسائل اليومية ومنها النفقة وبتعبير الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري: (حاول المؤلف الفاضل آية الله الدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي أيده الله تعالى بذكر مُجمل أحكام النفقة بأسلوبه الخاص وبنحو مطلوب وحسن، فجزاه الله الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، وهذا الأسلوب لبيان الأحكام الشرعية كان مطلوباً في الحوزات العلمية والمجاميع الفكرية).


نضير الخزرجي

كاتب عراقي

من نفس المؤلف