قضية الصراع العربي الإسرائيلي

، بقلم عادل عامر

ارتبطت بداية التسعينات بانهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي انتهاء الحرب الباردة، إلى جانب حرب الخليج الثانية وتأثيرها على المنطقة، حيث لم يعد الخطر مصدره غير عربي، فضلا عن الانقسامات العربيـة وازدياد دور الأطراف غير العربية مثل إسرائيـل وتركيا وإيران.

لقد مر النظام الدولي منذ اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي، وحتى الآن بمراحل تطور متعددة، ودخلت عليه متغيرات كثيرة طوال تلك الفترة، ولكن الشيء اللافت للنظر هو أن الوضع العربي في معادلة الصراع كان ينتقل دائماً من سيء إلى أسوأ، وكانت قدرة الدول العربية على استثمار التحولات التي تطرأ على النظام الدولي محدودة. ويرجع ذلك إلى انهيار الاتحاد السوفيتي وبالتالي انتهاء الحرب الباردة، إلى جانب حرب الخليج الثانية وتأثيرها على المنطقة، حيث لم يعد الخطر مصدره غير عربي، فضلا عن الانقسامات العربية واختلاف الدوافع والمصالح والأهداف اختلافاً بيناً. وهذا الأمر أدى إلى تدهور الموقف العربي في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وبالتالي قبول الدول العربية بالرؤية الأمريكية الخاصة بالحل السلمي.

وفي الوقت الذي يعانى فيه العالم العربي من التدهور استطاعت إسرائيل الاستفادة من انهيار الاتحاد السوفيتي، وتمثل ذلك في معالجة قضية هجرة اليهود السوفيت في سياق قضية حقوق الإنسان وفي إطار يسمح بإلغاء القيود المفروضة على الهجرة إلى الخارج بشكل عام.

وفي الحقيقة تقوم في الوقت الراهن معظم السياسات الخارجية للدول العربية تجاه عملية السلام على رفض سياسات الحكومة الإسرائيلية الرامية إلى تقويض عملية السلام، وإنكارها للمبادئ والأسس التي قامت عليها، وتنصلها من تنفيذ الالتزامات والتعهدات والاتفاقيات التي تم التوصل إليها، وعلى التمسك بالسلام العادل والشامل كخيار وهدف إستراتيجي على أساس المبادئ التي قامت عليها عملية السلام، وعلى التمسك بقرارات الشرعية الدولية في إطار الأمم المتحدة والعمل على تنفيذها.

وعلى الرغم من ذلك دخلت بعض الدول العربية في علاقات مع إسرائيل وبشكل كبير، دون أن يرتبط ذلك بإقرار العدل وبتطبيق الشرعية الدولية، مثل قطر وعمان والأردن وموريتانيا.

ثانياً: الشراكة الأوربية المتوسطية:

في الحقيقة يضعنا الحديث عن الشراكة الأوربية المتوسطية أمام طرفين: الأوروبي الموحد الذي ينتهج سياسة موحدة ملزمة لجميع أعضائه على الأقل في الموضوعات ذات الصبغة الاقتصادية، والجانب الآخر وهو الدول العربية التي تتعامل مع الجماعة الأوربية بشكل يكاد يكون فردياً، وإن جمعت بعضها بعض التكتلات الإقليمية وأهمها مجلس التعاون الخليجي. وبالتالي انعكس التطور الهام الحادث في الجماعة الأوربية بدخولها مرحلة الاندماج الاقتصادي الكامل ببداية عام 1993 على العلاقات العربية الأوربية التجارية والاقتصادية.

وتهدف السياسة المتوسطة للجماعة الأوربية إلى مساعدة الدول المتوسطية للدخول في الأسواق الأوربية، وتطوير إمكانياتها التصديرية ودعم برامج الإصلاح الاقتصادي وزيادة حجم التمويل الخارجي لنجاح الإصلاحات في هذه الدول، فضلاً عن دعم الديمقراطية وإرساء قواعد ومبادئ اقتصاديات السوق، فضلاً عن دورها السياسي في القضية الفلسطينية. وترجع هذه السياسة إلى الأهمية الإستراتيجية لحوض البحر المتوسط، والى تحديات وتهديدات الأمن الأوروبي النابعة من جنوب المتوسط.

وأياً كان الأمر فهناك عدد من التحديات التي ستواجه السياسات الخارجية للدول العربية الأعضاء في داخل هذا التجمع وخارجه، ومن أهم هذه التحديات، ما يلي:

1- تمثل مشاركة إسرائيل في هذا التكتل تحدياً كبيراً للدول العربية المشاركة في هذا التجمع بشكل عام وخاصة للدول التي في حالة مفاوضات تسوية مع إسرائيل.

2- تمثل مشاركة تركيا في هذا التجمع تحدياً في إطار العلاقات العربية التركية من ناحية وفي إطار التحالف الإستراتيجي التركي الإسرائيلي من ناحية أخرى.

3- تمثل رغبة الدول الأوربية في الانفراد بالدول العربية تحدياً قوياً وحقيقياً أمام المفاوض العربي في الحصول على امتيازات من جراء هذه الشراكة.

وفي الحقيقة اتجهت الدول العربية المعنية إلى تدعيم الشراكة الأوربية المتوسطية رغم التحديات التي تواجه هذه الدول، ولكن لا يوجد بدائل أخرى في ظل ما يشهده النظام الدولي من تكتلات اقتصادية، وفي ظل عدم قدرة الدول العربية على إنشاء تكتل اقتصادي يضم على الأقل غالبية الدول العربية.

ولا يعني ذلك عدم استجابة الدول العربية في سياستها الخارجية للتحولات العالمية، حيث توجد استجابة من بعض الدول العربية، كما أتضح ذلك في اهتمام السياسة الخارجية المصرية بضرورة إحراز تقدم في المفاوضات العربية الإسرائيلية، وباهتمامها بالدائرة المتوسطية والشراكة الأوربية.

وعلى الرغم من كون متغير النظام العالمي ليس هو المتغير الوحيد في التأثير على السياسة الخارجية للدول، وإنما هناك عدد كبير من المتغيرات التي تحكم هذه العملية، سواء متغيرات داخلية، أو خارجية إلا أن متغير النظام العالمي من أهم هذه المتغيرات انطلاقاً من أنه إذا كانت النخبة القومية تحدد ما الذي تفعله الحكومات، فان البيئة المحيطة تحدد ما الذي يمكن أن تفعله الحكومات.

وقد ارتبطت هذه التغيرات بتقليص مساحات حرية الحركة الخارجية التي كانت تتمتع بها الدول الصغيرة ومنها الدول العربية إبان القطبية الثنائية، وذلك لأن السياسة الخارجية للوحدات الصغيرة والمتوسطة أكثر قابلية للتأثر بالبنيان الدولي من السياسات الخارجية للوحدات الكبرى أو العظمى. وهذا يعنى تدهور مكانة الدول العربية في هذا النظام وتضييق هامش المناورة أمامها في الساحة الدولية.

وبالتالي، اتضح تأثير هذه التغيرات على قضايا العالم العربي بشكل كبير، خاصة في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي والشراكة الأوربية وغيرها. ورغم هذا لم تتكيف الدول العربية بصورة أكثر فاعلية في تفاعلها مع النظام الدولي. ومن مؤشرات ذلك تحرك كل دولة بمفردها في تفاعلها مع النظام الدولي، فعلى مستوى الصراع العربي الإسرائيلي اتجهت الدول المعنية بالصراع إلى التفاوض مع إسرائيل وفقا لمسارات ثنائية لا تشمل باقي أطراف الصراع، وترتب على ذلك اتجاه بعض الدول العربية إلى تطبيع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل.

هذا بالإضافة إلى ما يسمى بالعملية السلمية في الشرق الأوسط التي عملت على فتح جبهات عربية سلمية، تمثلت في المسارات العربية الإسرائيلية، ونجاح إسرائيل في تفكيك تلك المسارات إلى مسارات ثنائية بين كل دولة عربية على حده وإسرائيل، هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد أدى الغياب العربي المعنوي والمادي عن القارة الأفريقية دوراً كبيراً في التحول في السياسة الخارجية الموريتانية بإقامة علاقات مع إسرائيل خصوصاً بعد تأزم علاقاتها مع فرنسا التي كانت تعوض الغياب العربي. هذا بالإضافة إلى تدهور العلاقات الموريتانية مع دول الخليج العربي خصوصاً بعد تأييد موريتانيا للعراق في أزمة الخليج الأخيرة.

والواقع أن المعضلة الرئيسة وراء تشخيص التحول في المنظومة الدولية هي المفارقة بين واقع الانتشار النسبي لموارد القوة من ناحية، وظهور التفاعلات الدولية وكأنها محكومة بإرادة واحدة من ناحية أخرى. ويمكننا أن نلحظ صياغتين في هذا الصدد، الأولى ترى أن انهيار القوة السوفيتية في التنافس مع الولايات المتحدة يترك للأخيرة السيطرة على المنظومة الدولية، أي القطبية الواحدة، والتي تعنى في هذا السياق القيادة المنفردة للولايات المتحدة للمنظومة الدولية. أما القوى الأخرى فهي تابعة أو تالية للقوى الأمريكية. ومن الأدلة على ذلك انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بوضع "أجندة" المنظومة الدولية، وفشل الجماعة الأوربية في بلورة توافق سياسي أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة. فضلاً عن نجاح الولايات المتحدة في فرض مدخلها العسكري لحل أزمة الخليج وإجبار المنظومة الدولية على المشاركة التابعة في شن الحرب ضد العراق. وتعمد السياسة الأمريكية لتجاهل المصالح الأوربية والدور الأوروبي المشارك في كثير من المسائل الدولية والأزمات الإقليمية.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف