حرب المبادرات الإقليمية

، بقلم سامي الأخرس

الصورة الداخلية:

في الصورة الحقيقية تعيش غزة حالة من المحرقة الحقيقية، وحرب لا مسبوقة ضد الأطفال والبيوت الآمنة، حيث لم يترك العدو حقدًا إلا نفثة على جثامين أطفال غزة وشعبها المحاصر منذ ثمانية سنوات، واضعًا كل بنك أفلاسه في مهاجمة المنازل والأطفال، وكل شيء حي ومتحرك في غزة، مستخدمًا سياسة حرق أرض المعركة، ليقدم الكيان وحكومته لشعبه إنجاز في ظل حالة الفشل الذريع استخباراتيًا وعسكريًا في هذه الحرب التي يشنها دون أي مبررات يمكن اختلاقها له سوى مبرر عقيدته الهمجية والصهيونية القائمة على القتل والذبح والتدمير، وعكس الصورة هناك حالة من التلاحم والانسجام غير المسبوقة بين شعبنا الفلسطيني ومقاومته، التي لا زالت تقدم في الميدان منجزات كبيرة وهائلة، أهمها الإنجاز الأهم التي يمكن للقارئ استدراكه من خلال قدرة المقاومة على تقييم الحربين السابقتين، والخروج بأفضل النتائج من علاج القصور والسلبيات وهو ما يتجلى في القوة التي تقود بها المقاومة معركتها الاستخباراتية والأمنية، سواء على الأرض في غزة أو مع الكيان، وحالة الانسجام والتوافق بين قوى المقاومة والشعب، ما يؤكد أن المقاومة هيئة أرض المعركة ومناخها وأجوائها بشكل يتوافق مع قدراتها وامكانياتها، وكذلك اليأس الذي أصاب شعبنا من المفاوضات العقيمة التي لم تتقدم شيئًا، وكل ما تحققه مذابح في غزة وحصار، وتفتيت للضفة الغربية واستغوال في القتل والتفتيت، وتهويد القدس بوتيرة أعلى من كل المراحل.... وهو ما منح المقاومة الغطاء الشعبي والوطني رغم حجم التضحيات المهول التي تقدمه غزة من أطفالها ومقوماتها الحياتية، وبناها التحتية المنتهية الصلاحية قبل الحرب بفعل الحصار المستمر والمتواصل، فدمرت آلة الموت الصهيونية ما تبقى من هذه البنى التي كان بعضها صالح لاستمرار الحياة.

مصر:

تقدمت مصر كعادتها المتعارف عليها، ورعايتها للملف الفلسطيني منذ أن ابحرت سفينة عرفات من بيروت لقاهرة السادات، ومنحت مصر صك الرعاية المنفرد بالقضية الفلسطينية، بمبادرة سريعه لوقف العمليات والحرب ضد غزة، ولكن مصر اختلفت عن مصر مبارك، ومصر مرسي، حيث لأول مرة تقوم مصر بتقديم مبادرة للكيان وحكومته ويوافق عليها تلقائيًا عكس المتعارف عليه صهيونيًا بأنه دائم هو من يرفض، وهو من يتمترس خلف عنجهيته المعتادة، ولم تعرضها على قوى المقاومة، ومصر هنا أرادت ضرب كل العصافير بحجر واحد، حيث أنها أرادت تأكيد رعايتها للقضية الفلسطينية، وتقديم نفسها كمنقذ للشعب الفلسطيني، ولجم العدوان عليه، وكذلك تصفية حساباتها مع جماعة الأخوان المسلمين من خلال احراج المقاومة الفلسطينية، أو بالأحرى حركة حماس، حيث أنها وضعت حماس بالزاوية، إن وافقت حماس بذلك تكون مصر أحرجتها أمام شعبها الذي يقدم تضحيات وأثبتت لهم أن حماس أو المقاومة لا تعبأ بالتضحيات عند مصالحها السياسية والحزبية، وتعريتها شعبيًا ووطنيًا، وإن رفضتها تكون القت بالكره في ملعبها وأحرجتها عربيًا ودوليًا، وحملتها مسؤولية نتائج العدوان المتصاعد، والذي يهدد باجتياح بري غير محمودة عواقبة ربما يؤدي لاحتلال غزة أو إعادة احتلال وبذلك انتهاء حكم حماس لغزة عمليًا، وهو يأتي ضمن حلقات الإرعاب لحركة حماس، ولكن مصر وأدواتها الإعلامية وإن نجحت جزئيًا في تثوير الرأي العام المصري وبعض الإعلام المحلي ضد المقاومة، إلا أن شعبنا الفلسطيني وقف مع مقاومته بغضض النظر عن لونها الحزبي، أو عن عواطفه تجاهها حزبيًا فتكاثف الفتحاوي مع الحمساوي مع الجبهاوي مع الجهادي وشكلوا ظهرًا صلبًا للمقاومة خاصة وأنها ثابتة في الميدان، وتقدم أنموذج انتصاري فعلي على الأرض، بل تمتعت بقدرات مهولة ومفاجئة لكل الأوساط بما فيها الصهيونية من تكتيك المباغتة والهجوم برًا، وبحرًا، وجوًا من خلال طائرة أبابيل(1)، ووضعت كل الأطراف في ورطة فعلية وحقيقة حتى أن بعض الأطراف عدلت من مسارها الإعلامي، وكلما تقدمت المعركة كلما ثبتت المقاومة أكثر وحققت نتائج أكثر، وحظيت بدعم شعبي أكثر ليس فلسطينيًا فحسب، بل وعربيًا ودوليًا. وهذا لا ينفي أن هناك تدخلات من بعض القوى الرافضة للمتغيرات المصرية الأخيرة بعد عزل مرسي وحكومة الأخوان المسلمين، ولكن هذه الضغوطات كانت بالنسبة للمقاومة حالة تماثلية مع مطالبيها الشرعية، بما أن المبادرة المصرية جاءت لذر الرماد بالعيون، وعاملت الجلاد والضحية بنفس المبدأ، بل أنها اضافت سابقة خطيرة بعبارة مبهمة" تحت الأرض" أي بالمعنى تجريد المقاومة من قدراتها وقوتها، وهي سابقة خطيرة ومعقدة تؤكد على نوايا خبيثة لمن صاغ المبادرة والهدف منها سياسيًا وعسكريًا، ومحاولته إعادة غزة للمربع الأول عام 1994 أي ترويضها وتحويلها لشرطي أمني لصالح الكيان الصهيوني، والإبقاء على الحصار والمعاناة لأهل غزة، وعدم التعرض لممارسات الكيان ضد محرري صفقة شاليط رغم أن الضامن مصر لهذه الصفقة، وتركتها للمفاوضات وهي لعبة صهيونية بامتياز لأنه طرف يجيد المراوغة والمماطلة وتسويف القضايا كما فعل ويفعل مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، والرئيس الحالي محمود عباس.

وبذلك تكون مصر قدمت ورقة أو مبادرة لأول مرة يتم رفضها شعبيًا وبالاجماع، ويكون موقف المقاومة والشعب متماثل على قلب واحد" لا لمبادرة" لا تنهي معانيات شعبنا الفلسطيني في غزة، وتغل يد الالة الصهيونية عن القتل والذبح لغزة.

قطر- تركيا:

وجدت قطر وتركيا فرصة سانحة لها لمقارعة مصر، ومباغتتها من خلال التأكيد على أن الساحة الفلسطينية لم تعد حيزًا وحيدًا لحركة مصر وإرادتها، فلوحت بورقة أخرى أدعت أنها مقدمة من المقاومة الفلسطينية، وتتضمن شروط المقاومة لفرض تهدئة مع الاحتلال والعدوان الصهيوني، وهي تتضمن شروط أكثر صلاحية وعدالة للحياة من مبادرة مصر، حيث أنها تتضمن ست بنود رئيسية تستهدف رفع الحصار عن غزة، وإعادة الحياة إلى غزة بعد حصار ثمان سنوات، وثلاث حروب عانت منها غزة الموت والقتل والتدمير، وتتضمن المبادرة القطرية أو ورقة المقاومة- حسب الأدعاء- بندًا هامًا وهو تغيير الراعي من مصر إلى واشنطن، وهنا لا ينصب الأمر ضد مصر فقط، بل أنه حمل وجهين الأول: تغيير رعاية مصر لعملية التهدئة، ويعني صفعها صفعة كبيرة، والثاني: فتح باب لحركة حماس للانفتاح على واشنطن وفرض على الأخيرة التعامل معها، حيث أنها تعتبرها من المجموعات الإرهابية المحظورة، وهذا ربما يشكل رافعة للولايات المتحدة وحركة حماس كالرافعة التي أحدثتها اجتماعات تونس عام 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تصنف كإرهابية في العرف الأمريكي، واستطاعت ترويض الحالة وتغيير مسار المنظمة إلى أوسلو....
أيّ أن مبادرة قطر حملت في طياتها أهداف سياسية كبيرة جدًا، وأهداف حياتية لغزة تعيدها للحياة، وبكل الأحوال رغم كل ما يحيط من شبهات بالمبادرة القطرية – التركية إلا أنها تحمل أماني وأمنيات وشروط المقاومة وأهل غزة على الأقل، وهي بكل الأحوال أكثر عدالة من مبادرة مصر.

المقاومة الفلسطينية:

من الخطأ اختزال المقاومة الفلسطنية في حركة حماس لوحدها، ففي الميدان كل شرائح وفصائل شعبنا تخوض حربًا ضروس ضد العدوان، كلًا حسب قدراته وإمكانياته، وعليه فإن المقاومة الفلسطينية في هذه الحرب أدركت عمق قوتها وقدراتها وظروفها الجغرافية، وعلى الأرض، وحالة الإلتفاف الشعبي حولها، وعليه حاولت أو تحاول أن تحقق أهدافها السياسية من ناحية، وأهداف شعب وأهل غزة من ناحية أخرى، لكي تقول لهم أن تضحياتكم لم تذهب سدى، وهو ما يطمئن شعبنا حتى راهن اللحظة، ويزيد من ثقتهم بمقاومتهم ويعمق أجواء الثقة المتبادلة بين الطرفين، خاصة وأن هناك فصيل لا يقل عن حركة حماس هو الجهاد الإسلامي يتوافق هذه المرة مع اشتراطات شعبه، وطموحاته ويدرك أن هذه الحرب لن تكون نتائجها السياسية محمودة إن لم تحقق رغبات مقاتليه وشعبه بآن واحد، وعليه فأداء الجهاد الإسلامي هذه الحرب على المستوى السياسي مختلف وإن كان يحاول أن يخلق أجواء وطنية وحدوية من جهة وتقارب عربي من جهة ثانية، أي لعب دور الوسيط الوطني والمقاوم بين كل الأطراف...

فمقاومتان هذه الحرب حققت هجوم شامل على كل المستويات على مستوى المقاومة قدمت هجوم تكتيكي واستراتيجي حمل بطياته عشرات الرسائل للجميع، أهمها للعدو الصهيوني أن المقاومة لم تعد مجموعات عشوائية بل هي قوة لها من الامكانيات والقدرات ما يؤهلها للصمود بل وللتقدم في المعركة على كل المستويات، واستطاعت كتائب القسام أن تقدم رسائل بحرية عبر كوماندز قاعدة زيكم البحرية، ورسائل جوية عبر اطلاق طائرة أبابيل، ورسائل برية عبر عمليات الإنزال خلف خطوط العدو والاشتباك معه والعودة لقواعدهم سالمين غانمين، وكذلك حركة الجهاد الإسلامي التي فجرت دبابة صهيونية وغنمت رشاشها وعاد مناضليها بسلام، وكذلك باقي الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة فتح وفق القدرات والإمكانيات المتاحة، كما قدمت رسائل سياسية للجميع بما فيها السلطة الفلسطينية بأن المقاومة لم تعد رقم استثنائي يتم تجاوزه سياسيًا بل لديه رؤية واشتراطات سياسية وقدرة على المناورة السياسية، وهو ما تحقق لأول مرة بأن تقول المقاومة"لا" لمبادرة لم تحقق اشتراطاتها وطموحات شعبنا وتضحياته، وهذا يعتبر حدث ومتغير هام وكبير في المعادلة القادمة من العملية السياسية برمتها.

كل هذه القوة لم تحققها المقاومة الفلسطينية من صمودها على أرض المعركة فقط، بل من استمزاجها لحالة الدعم والاسناد العام والشامل من كل قطاعات شعبنا الفلسطيني لها، وهو الغطاء الأقوى للمقاومة وقادتها مفكريها.

السلطة الوطنية الفلسطينية:

بدأت السلطة الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح الحرب بحالة شرذمة وتخبط ولم تقرأ الحالة جيدًا، فكانت متخبطة وصامتة، ولم ترتق لمستوى المعركة، والانسجام مع قطاعات شعبنا الفلسطيني، واتضح ذلك من التصريحات المتخبطة من متحدثي فتح الإعلاميين، ومن تأخر تحرك حكومة التوافق الفلسطينية التي تحركت بعد تسعة أيام على حياء، وعزلت نفسها عن غزة وما يحدث بغزة مكتفية بالتنديد والشجب فقط، إلا أن الرئيس محمود عباس أيضًا تأخر في التحرك، وباعتقادي الشخصي أنه ارتكب خطأ في أنه توجه لمصر لصياغة مبادرة أو التدخل، فالرئيس هنا يمثل جموع الشعب الفلسطيني ويقوده، وكذلك يمثل واجهة سياسية للمقاومة، كان الأجدر به أن يتوجه للمقاومة ويستمع لها ويتوافق معها على اشتراطاتها والاشتراطات الوطنية وينطلق منها ليفاوض هو العدو مباشرة، مع الاستعانة بمصر أو بأي قوى أخرى، ويمثل الواجهة السياسية مع قادة الفصائل ومنظمة التحرير الفلسطينية وحكومة التوافق للحالة الوطنية الفلسطينية، وأن يكون شريك وليس وسيط بين المقاومة ومصر من جهة، وبين المقاومة وبعض القوى الإقليمية من جهة أخرى...
إلا أن السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح عدلت مسارها في الفترة الأخيرة والتحمت مع جماهير شعبنا ومقاومته في خندق الحرص على المصالح الوطنية والفلسطينية، وهو الذكاء الذي قدمه النائب محمد دحلان حيث أنه من اليوم الأول صرح بانتهاء الخلاف مع حركة حماس والإلتقاء على المصالح الوطنية وضد العدوان، بل وصرح من قلب القاهرة أن من حق المقاومة رفض أي مباردة ظالمة.

المستقبل:

أعتقد أن المستقبل يحمل في طياته كثير من الخطورة، وكثير من التفائل، حيث أن الحرب الحالية لن تكون حرب كأي حرب، ونتائجها العسكرية والسياسية ستكون أكثر ايجابية على القضية الفلسطينية، وربما تطلق فعليًا يد حكومة التوافق الفلسطينية لخلق أجواء مصالحة حقيقة تعيد للدم الفلسطيني حقه، والحفاظ على تضحيات هذا الشعب الصامد الصابر على أمل التحرير والنصر....

ومخطئ بل يعيش بحالة طوباوية من يعتقد أن هذه الحرب حرب تحريرية ... هي مجرد جولة من الجولات مع العدو الذي لا يؤتمن... تتطلب من المستويين المقاوم والسياسي التقييم الفعلي والعملي لنتائج هذا العدوان والإنطلاق في رؤية استراتيجية مشتركة ومتوافقة وطنيًا لصياغة ملامح المشروع الوطني المستقبلي، ونسخ من الذهنية الحزبية شعارات بالية لم يعد لها مكان، وخاصة شعار استفراد قوة فلسطينية بأنها صاحبة المشروع الوطني والمحافظة عليه، فهذا شعار سقط وبالتقادم ولم يعد له حياة سوى بمخيلة من يعشقون بناء الوهم لشعبنا ... اليوم نحن في عملية وطنية متعددة الرؤوس..