المضحكات المبكيات في

البحث العلمي بمصر المحروسة

، بقلم محمود سلامة الهايشة

يقام مؤتمر علمي في تخصص من المفترض أنه تطبيقي، يخدم المجتمعَ بشكل مباشر، ينظمه مركزٌ علمي متخصص، ولهذا المركز العلميِّ أفرُعٌ كثيرة منتشرة على مستوى الجمهورية، والأهداف الرئيسية التي أنشئ من أجلها هذا المعهد العلمي هي ثلاثة محاور: بحثية - إرشادية - تدريبية، يُعقد المؤتمر لعدة أيام في أفخر القاعات، ويقيم الباحثون في أحد الفنادق، ويتم إلقاء عشرات بل مئات الأبحاث العلمية في مجال التخصص، وينتهي المؤتمر بجلسة ختامية، يُقرَأ فيها توصيات المؤتمر، وتؤخذ فيها لقطات تذكارية، ويتصافح الجميع، ويتواعدون على التواصل، والتعاون العلمي، ويرجع كل باحث إلى بيته، ويقوم بكتابة ذكرياته عن المؤتمر على جدار صفحته على الفيسبوك، وماذا كان شعوره وهو يقف يلقي بحثه، وعن الصديق الجديد الذي تعرف عليه بالمؤتمر، ويتبادل مع الأصدقاء الجدد عبر الفيسبوك الصور واللقطات.

كل ما سبق ليس فيه أية مشكلة، فهذا إقرار لواقع حدث، ويحدث، وسوف يحدث، ولكن المشكلة أننا كمجتمع ننتظر الاستفادة من توصيات ونتائج الدراسات العلمية التي تمت ونُشرت، وتكلفت الوقت والجهد والمال، لكن هيهات، انتهى كل شيء بمجرد انتهاء فعاليات المؤتمر، ولن أكون متشائمًا وأقول: بل انتهى قبل أن يبدأ!

ويظل المواطن المسكين الذي لا حول له ولا قوة، ودافعو الضرائب ينتظرون من هؤلاء الباحثين أن يأتوا بحلول علمية تتميز بالسهولة واليسر في التطبيق، وتقليل التكاليف، ورفع الإنتاجية، والاكتفاء الذاتي من تلك السلعة، أو ذاك، على الأقل، وأضعف الإيمان عدم الاستيراد، ولن نقول - حتى نكون موضوعيين وغير حالمين -: التصدير، ولكن وللأسف تُنشَأ تلك المراكز، ويعيَّن فيها جيوش جرارة من الباحثين، صحيح لم يصل معدل ونسب الإنفاق على البحث العلمي في مصر حتى الآن إلى المستويات المطلوبة حتى لأقرب الدول النامية، ولكن يظل العمل الفردي أو شبه الفردي، وعدم التعاون الحقيقي المثمر الخلاق، والانغلاق، والشللية، والتربيط العلمي - هو أبرز السمات المميزة للبيئة العلمية المصرية!

ويقول سائل:
ما دليلك على كلامك هذا؟ أين الدليل المادي والبرهان الجلي على صحة ما تدَّعيه؟ أبتسم وأقول: إذا كان العاملون في أفرع المركز البحثي لا يعلمون شيئًا عن إقامة المؤتمر، إلا من القلة القليلة من المقربين الذي يعلمون، ويشتركون، ويتفاعلون مع تلك الفعاليات السرية العلمية التطبيقية، فكيف لمؤتمرٍ المفروضُ أنه لخدمة المجتمع المحلي أن يخرج عنه شيء يفيد، ولا يعلم العاملون في المركز العلمي الذي يقيم وينظم المؤتمرَ عنه شيئًا سوى من وسائل الإعلام وبالصدفة؟ فهل نتوقع أن يستفيد أي شخص، أو مؤسسة، أو كيان بهذه الدولة شيئًا من تلك الأوراق المكتوبة والمطبوعة في كتاب المؤتمر؟ أعتقد أن المستفيدين من هذا المؤتمر هم أصحابه المدَوَّنة أسماؤهم داخل كتابه وفقط، وفي النهاية نقول: في رعاية الله وأمنه إلى أن نلتقي بكم في مؤتمرات علمية سرية أخرى، والبقاء لله في البحث العلمي ببلدنا، ونكتفي باستيراد العلم والمعرفة والمنتجات، ونكتفي باستهلاك ما يُنتجه الآخرون!