هجر منزل الزوجية والتزامات السلطة الأبوية

، بقلم عادل عامر

ومع التطور التكنولوجي الذي أفرز عدة تحولات التي مست جميع بنيات المجتمع والذي انعكست أثاره على الأسرة و بالتالي على وظائفها و مهامها كمؤسسة اجتماعية ، تؤثر وتتأثر بالمحيط الذي تتواجد فيه خاصة مع تغير وضع المرأة الاجتماعي و الثقافي المتمثل في خروج المرأة ميدان العمل الذي أدى إلى تغير دورها و مكانتها في المجتمع فقضاء وقتا طويلا في مجال العمل بعيدا عن البيت يؤثر على توازن الطفل إضافة إلى الصراع في الأدوار بين الرجل و المرأة الذي خلق نوع من التنافس بينهما و بالتالي فتعدد مسؤولياتها ومهامها أدى إلى عدم التوفيق بين واجباتها في تربية الأطفال و بين عملها كمرآة عاملة الأمر الذي تسبب في تقليص دور الأسرة وتحلل العلاقات التي تربط بين أفرادها فانعكس ذلك على تنشئة الطفل ومستقبله وتحولت مهام التنشئة الاجتماعية إلى مؤسسات.

يشكل النظام الأسري كمؤسسة اجتماعية نسقا من الأدوار الاجتماعية المتصلة و المعايير المنظمة للعلاقات الاجتماعية كما تعتبر شكل مصغر للمجتمع كونها أداة مدعمة لتماسك المجتمع ووسيلة للضبط و الرقابة الاجتماعية ، هذا بالإضافة الى أهميتها بالنسبة للفرد فهي تحدد الأدوار الاجتماعية للإفراد ومكانتهم عن طريق مجموعة من المعايير و القيم الخاصة بها و التي تحدد سلوك أفرادها لتحقيق هدف مشترك فالأسرة بصفة خاصة تميل الى التعبير عن نمط الاشباعات الحميمة و الدائمة للعلاقات الشخصية المتبادلة التي تتميز بالود و العمق و الشمول في محيط الأسرة في محيط الاشباعات الجزئية التي تحققها العلاقات خارج الأسرة ."فالأبوية تعني في أصلها اللغوي "حكم الأب"، وتعود في جذورها كمفهوم إلى الحضارة الرومانية، حيث كان رب الأسرة يملك السلطة المطلقة على كل من تحت ولايته من البنين والبنات والزوجات وزوجات الأبناء، وكانت هذه السلطة حكرًا على الرجال فقط، وكانت تشمل البيع والنفي والتعذيب، وكان رب الأسرة هو مالك أموال الأسرة وهو المتصرف فيها، وهو الذي يتولى تزويج الأبناء والبنات دون إذنهم أو مشورتهم ".
"وقد استخدم مفهوم "الأبوية" في الكتابات الحديثة لنقد سيطرة الأب داخل الأسرة، وكان الإنكليزي "روبرت فيلمر" في القرن السابع عشر أول من استخدم نموذج الأسرة الأبوية في تحليله لنظم الحكم، حيث رأى أن الحكومات المستبدة هي التي يعامل فيها الحاكم رعاياه كما يعامل الرجل زوجته وأولاده، وهو الطرح الذي انتقده "لوك" كاقتراب لتحليل الظاهرة السياسية، وإن لم يعارض سلطة الأب داخل الأسرة. ثم شاع بعد ذلك استأثبتنا ـهوم خاصة في الكتابات الماركسية عند ماركس وإنجلز، كما أنه يُعَدُّ مفهوماً محوريًّا في نقد النسوية لسلطة الرجل وبنية الأسرة والمجتمع "ويلاحظ أن بعض الكتابات العلمانية لم تفطن إلى بعد "الشورى" في الأسرة الإسلامية، فجعلت المقابلة بين الأسرة الممتدة الأبوية الاستبدادية والأسرة الصغيرة الديمقراطية، رغم أن الرؤية الإسلامية للأسرة تكفل من خلال الشورى وامتداد الأسرة ضمانة أكبر في عدم تجاوز أي من الزوجين حدوده".

"ويرتبط اختلاف الرؤية الإسلامية للأسرة إذًا عن الرؤية الغربية باختلاف الموقف من الدين، والعلاقة بين الرجل والمرأة التي تحكمها الرؤية الإسلامية".رعاية حقوق الصحبة، والتسامح وغض الطرف عن العيوب الصغيرة والأخطاء اليسيرة واليقظة والوعي المبكر للأعراض الأولى للخلاف، ويمكن اللجوء إذا كان الخلاف حول أمر جوهري يصعب التسامح فيه إلى الاستشفاع بقريب أو صديق أو التنازل عن بعض الحقوق أو الهجر أو التحكيم. تقول الروائية الإنجليزية الشهيرة "أجاثا كريستي": "

إنَّ المرأة مغفلة؛ لأنَّ مركزها في المجتمع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم؛ لأننا بذلنا الجهد الكبير للحصول على حق العمل والمساواة مع الرجل. ومن المحزن أنَّنا أثبتنا ـ نحن النساء ـ أنَّنا الجنس اللطيف الضعيف ثم نعود لنتساوى اليوم في الجهد والعرق اللذين كانا من نصيب الرجل وحده".ولقد فطنت المحامية الفرنسية "كريستين" إلى هذه الحقيقة حين زارت الشرق المسلم فكتبت تقول: "سبعة أسابيع قضيتها في زيارة كل من بيروت ودمشق وعمّان وبغداد، وها أنا أعود ذا إلى باريس.. فماذا وجدت؟ وجدت رجلاً يذهب إلى عمله في الصباح.

. يتعب.. يشقى.. يعمل.. حتى إذا كان المساء عاد إلى زوجته ومعه خبز، ومع الخبز حب، وعطف، ورعاية لها ولصغارها.

الأنثى في تلك البلاد لا عمل لها إلا تربية الجيل، والعناية بالرجل الذي تحب، أو على الأقل الرجل الذي كان قدرها. في الشرق تنام المرأة وتحلم وتحقق ما تريد، فالرجل وفّر لها خبزاً وراحة ورفاهية، وفي بلادنا، حيث ناضلت المرأة من أجل المساواة، فماذا حققت؟ المرأة في غرب أوربا سلعة، فالرجل يقول لها: انهضي لكسب خبزك فأنت قد طلبت المساواة.
ومع الكد والتعب لكسب الخبز تنسى المرأة أنوثتها وينسى الرجل شريكته وتبقى الحياة بلا معنى".وأثر ذلك كله على قيمة ومكانة الأب بين الأولاد حيث يؤثر فقدان الوالد أو الوالدة سواء بالطلاق أو الهجر أو الموت على حياة الطفل خصوصاً في مرحلة الطفولة أين يكون هذا الأخير بحاجة إلى رعاية خاصة وتنشئة اجتماعية سليمة توجه سلوكه في المجتمع وتجعل شخصيته قوية وثابتة.

كما توصلنا إلى أن أغلب الأطفال الذين اتخذوا الشارع كبديل عن الوسط الأصلي الأسرة) كانوا عرضة للتفكك الأسري في مرحلة الطفولة والذي غالبا ما كان يؤدي إلى غياب السلطة الضابطة للطفل والحرمان من الاستقرار النفسي والاجتماعي الذي يحتاجه الطفل في بداية حياته خصوصا عندما يتخلى الوالد عن مسؤولياته اتجاه البيت والأولاد وغالبا ما كان هذا التخلي من طرف الوالد صدفة كالهجر وأحيانا انقطاع رباط العلاقات الزوجية بين الأبوين عن طريق الطلاق"

فحدوث الطلاق في المجتمع يمس جميع الفئات ولكن بدرجات متفاوتة جدا، وحدوثه يؤثر كثيرا على الأطفال "والمعلوم أن كل فراق يسبب الألم والعذاب" ونتيجة هذا الألم والفراق يصبحون الأطفال ضحية لعدد من المشاكل التي لا حصر لها، تقول الباحثة الاجتماعية Louise في حديثها عن جرائم الأحداث "لا يوجد أطفال مذنبون بل الأطفال هم دائما الضحايا في الطلاق فالطفل في السنوات الأولى من حياته حصيلة العوامل الوراثية والبيئية التي تؤثر فيه ، وتتفاعل فيه باستمرار في ميدان لا تكاد توجد فيه بادئ الأمر أية مقاومة صادرة عن الطفل نفسه فهو في حاجة لكي ينمو إلى تلقي الآثار المادية والمعنوية في الوسط العائلي فإذا اختل توازن الأسرة فلابد أن يؤدي هذا الاختلال إلى اضطراب تنشئة الطفل بحياة صالحة فالطلاق يحرم الطفل من رعاية وتوجيه الأب والأم له وبالتالي يحرم من النمو العادي للأطفال مما قد يدفع به إلى كره أحد الوالدين وربما الاثنين معاً ويزداد حرمان الطفل هذا إذا كان صغير السن خصوصا لأن بعض الباحثين لاحظوا أنه "كلما كان الطلاق يصاحب سناً صغيرة للطفل من 2 إلى 12 عاماً كلما كانت الصعوبات أشد بالنسبة للطفل"

أن قضايا الإهمال العائلي لا تكون بتقصير الأب فقط, إذ يمكن أن يكون الإهمال من طرف الأم, فكثيرة هي القضايا التي دخلت أروقة المحاكم بسبب هجر الزوجة للبيت تاركة أولادها مع أبيهم بسبب خلافات عائلية, وكثيرا ما تكون في هذا النوع من القضايا الزوجة أجنبية

«إن القانون ينص أن التخلي عن كافة أو بعض الالتزامات الزوجية التي تقع على كل من الأب والأم تجاه الزوج أو الأبناء وبذلك تقتضي جنحة الإهمال العائلي بالنسبة للأب, كونه صاحب السلطة الأبوية في التخلي عن التزاماته في ممارسة ما يفرضه عليه القانون مع أولاده وزوجته وتقتضي نفس الجنحة مع الأم, كونها صاحبة الوصاية القانونية على الأولاد عند وفاة الأب», إن قانون الأسرة المغربي في العلاقة الزوجية الواضحة التي نصت عليها المادة 78 من قانون الأسرة والتي تنص أن الرعاية وحماية الأسرة تشمل التعليم, التربية, السهر على الحماية وحفظ الصحة, إضافة إلى ضمان حاجياتهم المعيشية التي تشمل الغذاء, الكسوة, العلاج والسكن أو أجرته, وما يعتبر من الضروريات ووفقا للعادة والعرف, ولكن هناك العديد من الحالات, أين ترفع الزوجة دعوى ترك المنزل العائلي على الزوج ولكن لا تقوم الجنحة بحقه, ومنه أحد الملفات, أين ترك المتهم مقر الأسرة, ولكن كان يصرف عليها رغم غيابه, ورغم أن هجره دام لأكثر من شهرين, إلا أن الجنحة لم تقم بحقه. عدم تسديد النفقة تكون عقوبتها السجن من ستة إلى ثلاثة أشهر وبغرامة مالية من 500 إلى 5000 دينار كلما امتنع عمدا عن تقديم النفقة ولمدة تتجاوز الشهرين, ولا يكون الإعسار الناتج عن اعتبار سوء السلوك, الكسل أو السكر عذرا مقبولا, مع العلم أن الشخص الذي لديه دين لا يكون ملزما بتسديد إيجار طليقته.
على الزوجة إثبات مدة شهرين من عدم أداء الالتزامات العائلية عادة ما تقع الكثير من النساء في إشكالية حساب الشهرين والتي يقول بشأنها المحامي أنها تحسب من تاريخ ترك المقر الزوجي والتخلي عن الالتزامات العائلية إلى تاريخ تقديم الشكوى, وهنا يقع على عاتق الزوجة إثبات مرور مدة شهرين من تركه للبيت وإثبات تخليه عن الالتزامات العائلية, وعن مدى إمكان انقطاع مدة شهرين بعودة الزوج مرة أخرى إلى البيت, أن مدة الشهرين المحددة قانونيا يمكن أن تقتطع في حال عودته إلى مقر الأسرة, و في نفس السياق أنه يجب أن تكون العودة عن نية صادقة, ويبقى للقاضي سلطة التقدير ما إذا كان رجوع ذلك الزوج فعليا أم مؤقتا. أن هناك بعض الظروف الخاصة التي يمكن أن ترغم صاحبها على ترك المحل الزوجي تكون إما ظروفا, مهنية أو صحية, و أن نفور الزوج من المشاكل أو نفور الزوجة من البيت تاركة أطفالها بسبب مشكل مع الحماة لا يعد سببا شرعيا, ويبقى متابعا بجنحة ترك المقر العائلي لمدة تزيد عن شهرين.
وفي قانون الأسرة المصري إنه لا يوجد أي حماية مقررة للطفل المصري فى مثل تلك الحالة! وكل ما عرفه قانون العقوبات المصري - القانون العام - أن يصدر حكم قضائي على الأب بالنفقة مشمول بالنفاذ المعجل ويتخلف عن تنفيذه، وبغير صدور هذا الحكم فى مصر لا توجد أية مسئولية على الزوج المصري مهما كان سلوكه معوجا، بان ترك الزوجة وطفلها دون رعاية أو تحمل عبء التربية، ومن ثم كان التشريع المصري قاصرا فى منح الرعاية والحماية للطفل إزاء أبيه الذي تجرد من كل مشاعر الأبوة وكل مظاهر الحنان بان ترك طفله دون رعاية بل هجر منزل الزوجية دون أعذار وتحلل من كل التزام ناشئ عن السلطة الأبوية أن التشريعات الأوروبية تولى اهتماما بالغا بجريمة هجران منزل الزوجة لصالح الطفل، فعلى سبيل المثال فان التشريع الفرنسي ينص على إن أيا من الأب أو الأم يهجر بيت الزوجية دون مبرر جسيم ولمدة تزيد على شهرين، ويتنصل من كل أو بعض الالتزامات الأدبية أو المادية الناشئة عن السلطة الأبوية أو الوصاية القانونية يعاقب بالحبس أو الغرامة ولا يمكن انقطاع أجل الشهرين إلا بالعودة إلى بيت الزوجية مصحوبة على نحو قاطع بإرادة استعادة الحياة الأسرية ويعاقب بذات العقوبة الزوج الذي دون مبرر جسيم يهجر زوجته رغم علمه بأنها حامل وذلك لمدة تزيد على شهرين.
أن الدعوى الجنائية فى فرنسا بشأن جريمة هجران منزل الزوجية لا تقام فى تلك الجريمة إلا بناء على شكوى الزوج الباقي فى منزل الزوجية كما أنها يجب أن تكون مسبوقة باستدعاء يوجه الى الزواج الغائب من جانب ضابط البوليس القضائي ويحرر به محضرا يدعى فيه هذا الزوج الى الوفاء بالتزاماته فى ظرف ثمانية أيام وإلا أقيمت ضده الدعوى. أن التشريع الأيطالى نص على جريمة هجران منزل الزوجية بقوله أن من يهجر منزل الزوجية أو يلتزم مسلكا منافيا لنظام الأسرة أو أخلاقها متى تهرب بالتبعية لذلك من التزامات المساعدة اللصيقة بالسلطة الأبوية أو الوصاية القانونية.
انه مما يدعو الى الدهشة أن التشريعات الأوربية استقت هذه الجريمة من أحكام الشريعة الإسلامية حماية للطفل مما يتعين معه إعادة النظر فى التشريع المصري وتنظيم تلك الحالة واعتبارها جريمة مستقلة عن الامتناع عن أداء النفقة وذلك حماية للطفل المصري من التشرد والضياع الناجمين عن هجران منزل الزوجية وتقصير الأب عن أداء واجبه نحو الإنفاق على منزل الزوجية والقيام بالتزامات السلطة الأبوية.

في العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية 1996 قامت الهيئة الأمم المتحدة بتقرير حماية على عدة حقوق ومنها ما تعلق بقانون الأسرة ومنها حماية الحق في العيش وسط أسرة وحماية الطفل من تعسف الإباء وهذا ما جاء في اتفاقيات كثيرة وغزيرة وهذا سببه الظروف المزرية التي وصل إليها العالم الآن خاصة في الدول السائدة في طريق النمو وهذه الاتفاقيات أو الحقوق المعلن عليها من طرف هيئة الأمم المتحدة اكتسبت الشرعية الدولية وهي ملزمة لكل الدول المنظمة إلى هيئة ويجب أن تكون نصوصها الداخلية متطابقة مع ما جاء في الاتفاقيات حتى لا تكون هناك اصطدام بين القانون الداخلي والقانون الخارجي وإلا رتب ذلك تنازع قوانين وما يؤدي إلى تقرير المسؤولية الدولية ومن بين بعض الاتفاقيات. -اتفاقيات منع والقضاء على كل أشكال التعسف ضد المرأة –1978-اتفاقية حقوق الطفل التي دخلت حيز النفاذ 1990


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف