«طريق العدو»:

ضمن فعاليات أيام الفيلم الجزائري

، بقلم مهند عارف النابلسي

أبدعت الشخصيات الرئيسية الخمس بهذا الشريط اللافت (فوريست ويتييكر بالدور الرئيسي (وليام غارنييه) وكل من ايلين بورستاين، هارفي كايتل، لويس كوزمان، بريندا بليثين) باداء الأدوار بحرفية عالية وجاذبية شيقة وبلا مبالغات وميلودراما مجانية، وربما فتح هذا الشريط المجال لتسليط الأضواء مجددا على حالات العنصرية "المقنعة" وهاجس "الاسلاموفوبيا" المنتشر في الغرب عموما، وهذا يعطي قيمة مضافة للفيلم، كما ساعد استخدام اللهجة المكسيكية على اضفاء مسحة "وثائقية"، كما أثبت الممثل الأسود الشهير "فوريست ويتييكر" امكاناته الفريدة بتقمص هذا النمط من الشخصيات المضطهدة المأزومة والمعذبة، مما يؤهله لأدوار رئيسية جديدة قادمة تمكنه ربما من الاستحواذ على الكاميرا وحصد الجوائز. يتحدث هذا الفيلم عن وليام غارنييه (فوريست ويتييكر) الأمريكي الأسود المعتقل منذ ثمانية عشر عاما بتهمة قتله لمساعد الشريف ببلدة على الحدود المكسيكية، والذي اعتنق الاسلام حديثا أثناء وجوده بالسجن، واطلق صراحه بشروط لحسن سلوكه، وحيث يحاول اعادة بناء حياته والسعي للحصول على عمل شريف، اقتداء بالممارسات الاسلامية الصالحة ببيئة "كارهة" للاسلام وعنصرية!

يحتوي هذا الفيلم الشيق على لقطات مبتكرة وبعضها يتمائل مع مشاهد من فيلمي "لا بلد للرجال العجائز وحدث ذات مرة بالأناضول"(وجهة نظر شخصية)، سواء من منظور التصوير البري للافق الممتد او الصحراء المقفرة اولمزرعة الأبقار المنعزلة، او للجثث الملقية بالبرية... او من حيث اسلوب الملاحقات وتصعيد الأحداث الدرامية باتجاه تراجيدي غيرمتوقع!

كما أن تصوير ممارسات البطل المسلم حديثا (وليام غارنييه) كان شكليا وطقوسيا، فهو يتقن الوضؤ تماما باسلوب تغلغل الماء لأصابع اليدين وغسل المرفقين بالماء، ومن حيث مناجاته لربه بالدعاء لكي ييسر اموره ويفرج كربه، كما انه يستخدم دوما تعبير"الله" الاسلامي، فالله المقتدر هو الذي سيتيح له الفرص بالرغم من محاولات الشريف (العنصرية-الدينية) الحاقدة لملاحقته وطرده من مزرعة الأبقار! لكننا لا نفهم سبب قيامه بالنوم مع صديقته المكسكية الجميلة الطيبة قبل أن يعقد قرانه عليها رسميا، وقبل أن يتأكد من موافقة أهلها على هذا الزواج، بالرغم من أن الاسلام يسمح بالزواج من كتابية، كما أننا لا نفهم سبب تناوله للنبيذ في النادي الليلي مع صديقته ولا رقصه معها باسلوب غربي لا يقدم عليه مسلم متدين كما حاول طوال الشريط ان يقنعنا!

كما انه يفقد اعصابه بصورة مفاجئة لمجرد قيام احد زملاءه بالنزل برفع صوت جهاز التلفزيون، ويقدم بشراسة على فتح باب الغرفة ويحطم جهاز التلفزة بلا ادنى رقابة ذاتية او شعور بالخطأ، حتى تقوم مراقبة السلوك (المتعاطفة معه) "اميلي سميث" المسؤولة عنه بانقاذه من ورطته وحثه على شراء جهاز جديد...ونحن نعلم ان الاسلام يقود جوهريا للسكينة والسلام الروحي والتحكم بالذات والأعصاب (...والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس)، كما نراه يتفقد كتابا غامضا أثناء تناوله لطعامه وحديثه مع الشريف المستفز، ونتوقع ان يكون اسم الكتاب "الشريعة" بينما الأجدر بالمسلم ان يقرأ "القرآن" بغرفته منفردا وخاصة وان غارنييه يعيش ببيئة "عنصرية" كارهة واستفزازية، وحتى لو كانت هذه العيوب والأخطاء تكمن بالقصة فالأصل ان يقوم المخرج وكاتب السيناريو بتصحيحها (مقتبس عن رواية بعنوان: رجلان في البلدة)، لا أن يقع أسير النظرة الاستشراقية المغلوطة عن الممارسات الاسلامية، كما أن الممثل اللامع البارع المتقمص تماما لمعالم الشخصية...كان الأولى به ان يبذل جهدا اكبر لتعلم بعض الكلمات والجمل العربية الصحيحة لكي نفهم ما يقول، بدلا من التعاويذ الغريبة التي كان يتحدث بها احيانا والتي لا تمت بصلة للصلاة او للتعابير الدينية العربية!

ولكن بالحق فكل هذه الملاحظات لا تنفي وجود لمسات ابداعية وتشويقية ساحرة أضفت على الشريط فرادة درامية ونكهة سينمائية خاصة، تصاحبت مع كاميرا ولقطات آخاذة وموسيقى تصويرية معبرة وجاذبة.

كذلك فنحن لا نفهم حقيقة سر انجذاب الفتاة السريع لغارنييه بمجرد لقاؤهما العاجل بالبنك أثناء فتحه لحساب بنكي، ولا لسر موافقتها الارتباط به بالرغم من كون عائلتها كاثوليكية وهو الذي اعتنق الاسلام حديثا، وبدون ان تعرف الكثير عن ماضييه، ولا لسر حماسها بوضع صورة الحرم المكي بصدر منزلها...ويبدو سبب اقدام الصديق المافيوزي القديم على تعنيفها وضربها الشديد غير مقنع تماما، وبعد جدال سريع متوتر، وخاصة وانه تابع بمثابرة وصبر المحاولات لاقناع غارنييه للعودة للعمل مع عصابة ميكسيكو القديمة والمباشرة بتهريب المخدرات والفعل الجرمي! وبالرغم من حرص مراقبة سلوكه على تسهيل اموره واعطائه الفرص وتنديدها بسلوكيات الشريف "العنصرية" وملاحقته لغارنييه، الا اننا نجدها تتجاهل اصرار الشرير (لويس كوزمان) على ملاحقة جارنييه وحثه واغرائه للعودة للعمل ثانية مع العصابة...
ينجح الشريف أغاتي اخيرا بمساعيه للثأر من غارنييه الذي اغتال مساعده قبل 18 عاما، ويضيق عليه "سبل أكل العيش"(كما يقولون بالمصرية الدارجة)، ويساعد بطرده من مزرعة الأبقار(وحرمانه من راتب جيد) ويجعله يدفع الثمن عاليا، ولكنا أيضا لا نعرف سبب اقدام غارنييه على هذه الجريمة ببداية الشريط!

أما اللقطة الأخيرة من هذا الشريط فهي تستدعي التأمل واستحواذية، فبعد ان يهاجم غارنييه خصمه "الجديد" المافيوزي بضراوة بواسطة صدم دراجته النارية بسيارة هذا الأخير الرباعية فجاة، نراه يخرجه عنوة ويوسعه ضربا وركلا، ثم يزهق روحه بواسطة ضربه بحجر كبير مرارا على رأسه حتى يحوله لجثة هامدة، ويبدو وهو يضربه وكأنه ينفس كل غضبه وحقده على هذا العالم الكريه الذي عذبه و لم يتفهم ظروفه وبؤسه المزمن وضياع عمره، ثم يخلع جاكيتته(فهو يلبس البدلة الرسمية طوال الفيلم)، ثم يفك ازرار قميصه ويخلع ربطته الخانقة، ونراه يذهب لبركة مائية راكدة بالجوار وينظر للماء وكأنه سيهم بالوضؤ كعادته، ولكنه يستنكف عن ذلك ويعود فينظر للافق والسماء بالمشهد الأخير المعبر الذي ينطبع بالذاكرة!


مهند عارف النابلسي

قاص وكاتب أردني

من نفس المؤلف