ما لم يقله ماوكلي !

، بقلم نوزاد جعدان جعدان

لم يكن الكاتب البريطاني روديارد كبلينغ يتجاوز التاسعة والعشرين من العمر حين كتب رائعته كتاب الأدغال الذي يتضمن إحدى أشهر قصصه التي ذاع صيتها ونالت شهرة واسعة حتى تحوّلت إلى فيلم رسوم متحركة؛ حكاية ماوكلي فتى الأدغال الذي تقوم الذئاب بتنشئته ويكبر وسط الغابة حتى يصبح كائناً يتألقم سيكولوجياً وفزيولوجياً مع نمط الحياة في الغابة.

كانت الهند ترزح تحت وطأة الاحتلال البريطاني في تلك الفترة التي خطَّ كبلينغ قصته، في إسقاطات مباشرة على المؤسسات الإنسانية بمعناها المجازي التي تقبع في مجتمع الغابة، ونبذه لكل أشكال العصر الصناعي. فالغابة عند كبلينغ ما هي إلا إشارة رمزية للمجتمع الهندي وطبقة الفلاحين وتمجيد لحياة الفطرة، علاوة على التوظيف الجمالي لقطيع الذئاب؛ بوصفه انصهاراً لكل الطبقات الاجتماعية في بوتقة واحدة، وليست الإحالة الضمنية لبنادق الصيادين ودخان الرصاص إلا إشارة إلى رمزين أساسيين: الاحتلال البريطاني من جهة الذي يسعى إلى طمس كل ملامح الحياة الطبيعية، والثورة الصناعية التي تمخضت عنها مؤسسات الموارد والبرجوازية والآثار المدمرة على سيكولوجية الفرد، فضلاً عن الخراب الذي حلَّ بالبيئة الطبيعية.

لم تكن قصة ماوكلي تهليلة للأطفال وإنما هي ثورة غير مباشرة على أساليب الظلم التي كان يتبعها البريطانيون بحق الشعب الهندي والعنف الذي رافق الثورة الصناعية؛ فكان ثورة على ثورة، وإن كان العدم أول سلالم الوجود، فإن كبلينغ استهل بالنظرة العدمية ليثبت وجودية الفرد وكينونة الإنسانية ونبذه للحياة الراديكالية والطبقية التي تدفع الفرد للاغتراب إلى مجتمع الغاب والنزوح إليه تفضيلاً على المجتمع الإنساني، ولكنه لم يدرج ضمن تصنيفات كولن ويلسون اللامنتمية، أو أساتذة نانسي هيوستن العدميين؛ وذلك لنظرته الطوباوية الحاضرة في خاتمة قصصه وإن كانت قصة ماوكلي أكثرها حضوراً.

فالخلاص لهذا الشعب ـ الرسالة الضمنية للشعب الهندي ـ كي يتطور هو سلاح العلم في توظيف جمالي للرمز إلى الفتاة الريفية التي تبدأ بتلقين ماوكلي مبادئ القراءة والحساب، وأن التطور ومجاراة الركب الحضاري معقود على الصفوة (النخبة المثقفة) في الشعب ذاته، فالفتاة ما هي إلا إحدى قريبات ماوكلي من المجتمع المحلي وليست من الغزاة، والإحالة الضمنية للبساطة في التطور البشري قائمة على حضارة المحبة والتفاهم وليس على ثقافة الغزو والسلاح.

وبين كل هذه الأدغال والمتغيرات التي نحياها في ظل الثورة التقنية ومؤخراً ما نستطيع تسميته الثورة الذكية وثورة وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت تخلق فجوة كبيرة بين الإنسانية والنزوع نحو الدموية والعزلة والتجرد من المشاعر النبيلة؛ هل أصبحت الغابات أرحم من المجتمع الإنساني الذي نعيشه؟ وهل ستبقى أدغال روديارد كبلينغ ملاذاً للفارين من كل أشكال الغزو التقني؟ ولعل السؤال الأهم الذي يمر في واجهة الزمن الحاضر؛ كيف نوائم بين هويتنا الإنسانية وبين التنقية واستغلالها بطريقة تفيد البشرية دون أن ننحط بها إلى مستويات دنيا لا تليق بمنتج المجتمعات الإنسانية؟