قراءة نقدية

«حاصرت كلي» للشاعر الفلسطيني حسام أبو غنّام

، بقلم لؤي نزال

لقد نجح الشاعر حسام أبو غنّام أن يسير بي وسط حروفه رغم عنّي لأن الجمال يُتبعُ من اللحظة الأولى، أرهقتُ وأنا أسير بدربِ حروفهِ لألملم ما بعثره مني في سراديبِ قصائده وحيثيات جمالياته، إن من أصعب الأمور أن تكون ملزماً على انتقاء الجميلة من الجميلات واختيار أي روائح العطرِ أكثر عذوبةً ورقّةً ليبعثرنا بين بوحه وقناني عطوره...
حاصرني حسام بين أسلاكِ كلماتهِ بارادتي وطواعيةً منّي، فمن يدخل هذه الغيبوبة الشعرية يحس أنه ضمن عالم آخر مختلفٍ تماماً عن عالمنا، بعيداً عن التكلف والتعقيد بسهلٍ ممتنع، بمّسٍ شعري غريب قلّما نجدُه.

"حاصرت كلّي" هي باكورة مخاضات حسام الأدبية، صدر عن دار موزاييك للترجمات والنشر في عمّان، يتكون من 48 نصّاً شعرياً بين التفعيلةِ والعمودي، تتمازج قصائده بين حبِّ الوطن وحبِّ الأنثى ولعلك أحياناً لا تستطيع أن تفرق في القصيدةِ الواحدةِ بين المزجين..

الحبّ في شعر حسام:

الأنثى والحبيبة والعشق في قصائد غنّام لها رونقٌ مختلفٌ عن كثير من قصائد الغزل لدى الكثيرين.. ينتقل حسام بحروفه لحبيبته ليجعلني أشعرُ أنه يبني جسراً من هذه الحروف ليصلها ويعانقها كما عانقها كثيراً في نصوص عمله، فلا أكاد أراه ينظر للجملة الغزلية جسماً كما يراها روحاً وإلهاما، فقصيدة "محضُ أنثى" تشير إلى هذه الروحانية العالية،إلى أن مرّ بي في حالة الشقاء التي يعيشها أي عاشقين كما في نصّهِ "لا تعبري، مروراً باسقاطات المجاز اللذيذة في نصه " النبضة الستين" التي حاولت كثيراً أن لا أنبهرََ أمامنجم سيأفل وقمر سيخسر نوره ومقعد سيختفي عنه عاشقان، لتحالف عجيب غريب بين روحين، ثم تركه لها لتختار في نصّهِ "أعددتُ كأسكِ"، ثم أكاد ألمح نصّاً درامياً بكل عناصره أمامي في قصيدة "الياسمين" من الشخوص للحوار للمشهد العام، أما قصيدة "عصفورة" فهي تضحيةٌ عشقية بكل معنى الكلمة، فالحب هو الخروج من العزلة، والحب هو ثلاثتهم مع القصيدة، وما هو الحب في قصيدته "العشق"، إضافة إلى العديد من النصوص الوجدانية الأخرى في العمل.

الموت في شعر حسام:

يتناول شاعرنا مشهد الموت كثيراً في نصوصه سواءَ منفرداً أم ضمن نص ما،
فمن سوداوية "أراني صريعاً" التي امتلأت باللاتفاؤلِ واللاأمل راجياً الموت فيها، فنص "خرجت مني" هو مسّ غريب من حالة تهامٍ ليست عادية لخيال ليس ضيّقاً أبداً، إلى نص"فلسفة الموت" الذي يكمل به حالته في الوصف، أما نصّه "سأنجو" فهو مزج جمالي رائع يحكي عن حالة الموت عشقاً وحواره مع الموت هنا للوصول إلى النجاة والذي أعطى النص بعداً جمالياً آخر، ثم قصيدة "يمر القطار" وقصيدة "سأبدأ موتي"، ثم يعطينا ربطه بين ميراثه الشعري وحببته الوحيدة التي يحق لها وراثته في نصّه "التركة".

النرجسية عند حسام:

لم أرَ نرجسية حسام الشعرية كثيراً في قصائده إلا بين طيات النصوص، باستثناء نصان نرجسيان هما " العاشق النرجسي" و "أنا الـ لا" والتي اعتبرتها نرجسية جزافاً لفخره بشعره فرغم كل اللاءات التي وردت في القصيدة إلا أن "أنا اللاقصيدة" هي الوحيدة التي استوقفته حتى لا يكمل، أما نصه الآخر فهو يتفاخر بنفسه وشعره أمام حبيبته ليصل بنا في نهاية النص أن كل هدفه أن يقول بأن قصة الحب لا تكتمل إلا بعنصريها الأنثوي والذكوري وأن لا يترفع أحدهما عن الآخر.

الأرض والوطن...

لقد مثلّ "أنا كالذئب" نقداً لاذعاً لحالة الناس بشكل عام منذ بدء الخليقة حاملاً كل أخطاء البشرية وفسادهم وقبحهم، و "ذات صيف" التي يتكلم عن العالم العربي بها بشطل مبطنٍ نوعاً ما وعن حالة التخبط الفكرية وضياع قضيةٍ (ما)،
أما "صيقي نادل البار 2" فهي جلدٌ لاذ للمتسلقين على شجرة الأدب واللذين ينجحون في مجتمعنا العربي بشكل عجيب وقد ذكرني ببيتين لنزار قباني:

شعراءُ هذا اليومِ جنسٌ ثالث
فالقولُ فوضى والكلامُ ضبابُ
يتكلمونَ مع الفراغِ فما همُ
عجمٌ إذا نطقوا ولا أعرابٌ
يتهكمونَ على النبيذِ معتقاً
وهمُ على سطح النبيذِ ذبابُ

أما القصيدة التي سأفرد لها أكثر من غيرها في هذا الباب فهي قصيدة "براءة إبليس" والتي تأملت فيها كثيراً وبشكلٍ عميق - لغايةٍ تخصني- ولأتمكن من السير في وحيها فلقد اقترف الشاعر حواراً تاريخياً منذ آدم حتى اليوم بالسهلِ الممتنع ليقول لنا بأن الإنسان أشد وطأةً على الإنسان من الشيطان، وهي دعوة فلسفية للتفكير بماهية الداخل البشري ومدى تناقضات الإنسان الداخلية... وأنا سأقول هنا على لسان القامة الشعرية مظفر النوّاب "قتلتنا الردةُ أن الواحدَ يحمل في الداخل ضده"