على الهواء مباشرة ً

، بقلم أسامة جودة

حقا ًً.. إن للموت جلالا ورهبة ومشهدا لا بد له أن يكون لائقا ًوعلى مستوى الحدث الجلل، اننى قررت أن الجأ إلى الموت كمفر أخير مما أعانيه، فالموت حصن منيع يقينى الوحوش التى تفترسنى ليل نهار، أبى المتجبر المتسلط لم تمنعه الظروف الصعبة التى نعيشها من أن يوبخنى كلما رآنى رغم معرفته بكفاحى المستمر وتنازلى عن كثير من احلامى من أجل لقمة العيش، زوجتى اللحوحة التى كلما استلمت اذنى انهالت طلباتها كأمطار الشتاء ولا امانع ابدا ً لكنى فقط اطالبها بالصبر ولكن هيهات، عملى الذى رست به سفينتى بعد ابحار بين سبع صنايع يشعرنى باننى كالطور الذى ربط بساقية تدور بلا نهاية.

الموت جميل.. الموت حالة رائعة.. الموت راحة وسكون، والآن على أن اعد واخطط ليخرج مشهد موتى كأحسن ما يكون فلا بد لى أن أموت موتة مشرفة، موتة يذكرها التاريخ، عملت كوب شاى مضبوط وجلست فى شرفة منزلى وسريعا انضبطت الخطة بين يدي، فقمت وفتحت حاسبى ودخلت للفيس بوك، صنعت حساب جديد باسمى ورفعت صورة مركبة لى وأنا أشير باصبعى النصر وضعت فى الخلفية صورة لإحدى مليونيات ميدان التحرير مكتوب عليها ( الثورة مستمرة..عيش – حرية – عدالة اجتماعية )، تابعت ذلك بالإنضمام فى كل المجموعات الشبابية الثورية التى سمعت عنها وتواصلت مع المشاركات المنشورة بها فعلقت عليها بحماسة ثورية شديدة وقمت بمشاركة مجموعة من الصور والتعليقات المناهضة لحكم العسكر والاخوان على صفحتى، صور ساخنة تثير مشاعر الثوار، بعدها خرجت للشرفة مرة أخرى وكتبت على الحائط ( يسقط حكم العسكر والإخوان )، علقت صورة ( جيفارا ) فوق السرير بجوار صورتى ( ابو تريكة ) و ( خالد سعيد ) وبذلك انهيت الجزء الأول من الخطة التى أرى الآن أنها ستؤهلنى للحصول على هذا اللقب العظيم الذى تمنيته على حق فى يوم من الأيام، ليس اليوم طبعاً، ألا وهو لقب شهيد، أرى الآن مشهد جنازتى وتشييع جثمانى الملفوف بعلم مصر وهو يدور فى ميدان التحرير بينما الأعلام التى تحمل صورتى ترفرف فى سماءه، تصاحبها هتافات حارة تعلو بالنداء ( الله أكبر)، مشهد مهيب ستتناقله كل الفضائيات على الهواء مباشرة ً، أرى الآن صورتى تزين كل حسابات الشباب الثورى على الفيس بوك، وسينشأ من أجلى العديد من المجموعات التى ستطالب بالقصاص من قتلتى، وسيصنع فنانى الجرافيتى لوحات فى أماكن عديدة لوجهى البرئ، اما عائلتى فستكون مطمع للفضائيات والصحف، ترى من سينجح أولا فى أخذ حوار مع والدى وزوجتى وهى تبكينى وتطالب بالثأر ممن قتلنى ؟!، سيقف الرئيس فى خطابة القريب ليقول : لقد قررت زيادة المبالغ المصروفة لأسر الشهداء بمبلغ خمسون ألف جنية.

مبلغ ضخم سيدفع الكثير لتقليدى لنيل مبلغ مثله، الآن استمع لهؤلاء المحللين الاستراتيجين والناشطين السياسين وهم تبارزون فى تحليل أسباب ما جرى وكيفية الخروج من الأزمة الحالية..أزمات.. أزمات..أزمات.
استفيق من غفوتى متعبا ً، انظر فى ساعتى لأجد الوقت قد تأخر كثيرا ولم يبقى على الصباح إلا قليلاً فسريعا ً ألقى بجسدى فى الفراش لألحق بقليل من النوم لأستعد ليوم غد.

قبل شروق الشمس سافرت للقاهرة لحضور مليونية اليوم، ذهبت وصليت الجمعة فى الأزهر وخرجت مع المظاهرة من المسجد فى طريقنا لميدان التحرير وأنا اهتف بحماسة وقوة،اعدادنا تزداد من شارع لآخر، حين وصلنا وجدنا الميدان مملوء عن آخره لا موضع لقدم هناك، نلتقط انفاسنا بصعوبة ونحن نهتف بحرارة واصرار، سعدت كثيرا ً عندما اقتربت من أحد المنصات المنصوبة على جوانب الميدان وحاولت الصعود اليها لكن بلا فائدة فالتيار الذى يحركنى أقوى من ان اسيطر على حركتى، بعد مدة وصلت إلى ركن خف فيه الضغط على وتحررت قليلا ًمن ضغوط الزحام وهنا كان على أن اصنع شيئا ً مميزاً يجذب عدسات الكاميرات، لكن القدر لم يمهلنى التفكير فيما اصنعه فقد جاءنا خبر هجوم البلطجية المأجورين على زملائنا الثوار بالقرب منا فى شارع ( محمد محمود ) فانطلقت افواج لنصرة من هناك ورحت اتسلح بحجر كبير ستحتاجه المعركة لاشك وانطلقت معهم وعندما بدأت فى تحطيم الحجر لأصنع احجارا ً كثيرة لألقيها على هؤلاء الخونة العملاء جاءتنى طلقة نارية من خلف رأسى لتخرج من جبهتى لأستقر سريعا ً بلا حركة لكن بدت على ملامحى مسحة فزع من مشهد ملك الموت وهو يدنو منى ليستقر عند رأسى.

تمت.