رُؤى ثقافيّة «١١٨»

أنا أفكّر، فالله، إذن، موجود!

، بقلم عبد الله بن أحمد الفيفي

إذا كان (رينيه ديكارت) قد قال: «أنا أفكّر؛ فأنا، إذن، موجود»، فإنه يمكن القول، بناء عليه: «أنا أفكّر؛ فالله، إذن، موجود»! فلو لم يوجد في الوجود من دليل على وجود الله سوى وجود العقل المفكّر، لكفى به دليلًا! بحيث تصحّ مقولة ديكارت تلك، التي استثبتَ بها من وجوده هو بوجود تفكيره، على وجود الله سبحانه. فنتيجة تلك المقولة التلقائيّة هي: أن يَثبت وجود موجِد هذا التفكير وموجِد موجِده أيضًا، أي موجِد الإنسان. ذاك بأن العَدم لا يوجِد الوجود، ناهيك عن أن يكون هذا الوجود وجودًا مفكِّرًا، خلَّاقًا، مبدِعًا، مولِّدًا، موجِدًا بذاته هو الآخر. إنها حتميَّة منطقيَّة، مقدّمتها العقل، ونتيجتها وجود موجد العقل: الله تعالى. إذا انتفى أحد طرفيها، انتفى مُلازِمه. وحاصل المسألة: أن نُكران الله نكرانٌ مباشرٌ للعقل.
ويترتّب على الإيمان بوجود الله، الإيمان تلقائيًّا بالنُّبُوَّات والرسالات. «ذَٰلِكَ أَنْ لَمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ، بِظُلْمٍ، وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ.» (الأنعام: ١٣١). ويُلحظ هنا أن الآية نصّت على أن الهلاك «بظُلم»؛ أي أن الله لم يكن ليُهلك القُرَى إلّا بظُلم، ولم يكن مُهلك القُرَى وأهلها غافلون، دون نذير. وإلَّا أيُّ إلٰه هذا الذي لا يأبه لخلقه، ولا يتواصل معهم؟! وهو ما يُجيب به القرآن عن اللادينيّين، الذين يؤمنون بالله ويُنكرون الأديان والأنبياء، فيطعنون تاليًا في ما آمنوا به أوّلًا، مصوِّرين اللهَ على غير ما ينبغي له. «وما قَدَرُوا اللَّـهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِذْ قَالُوا ما أَنزَلَ اللَّـهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، قُلْ: مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وهُدًى للنَّاسِ؟ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ، تُبْدُونَهَا وتُخْفُونَ كَثِيرًا! وعُلِّمْتُم ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ ولا آبَاؤُكُمْ. قُلِ: اللَّـهُ! ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون! وهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ولِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ ومَنْ حَوْلَهَا. والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُون. ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا، أَوْ قَالَ: أُوحِيَ إِلَيَّ، ولَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ، ومَن قالَ: سَأُنزِلُ مِثْلَ ما أَنزَلَ اللَّـه؟! ولَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ في غَمَرَاتِ المَوْتِ، والْمَلَائِكَةُ باسِطُو أَيْدِيهِمْ: أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِما كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُون». (سورة الأنعام). ولذلك فالمعادلة الذهنيَّة التي يحتمها العقل كالآتي:

1- عقلًا، لا يمكن أن يكون الكون صدفةً، بل لا بدّ له من مبدع. وإذا صحّت فرضيّة الانفجار العظيم (The Big Bang Theory)، فما الذي انفجر؟ بل مَن الذي فجَّر؟

2- إذا سلّمنا بوجود الموجِد، لزم من ذلك- عقلًا وخُلُقًا- اهتمامُه بما أَوْجَدَ، وربوبيّته إيّاه.

إن العقل الملحِد يتأمَّل الكون عادةً وكأنه خارجَه، مع أنه صنيعته، كما يزعم هو. وفي هذا تناقض. إذ لا يُعقل أن يكون الكون ناتج انفجارٍ عبثيٍّ، ومحض صدفة، بلا تدبير، ولا حكمة أُولى، ومع ذلك يتخلَّق عن العبث عقلٌ إبداعيٌّ مدهشٌ، وعن الصدفة تدبيرٌ رائعٌ، وعن اللا حكمة غايةُ الحكمة، أي: يتخلَّق عن اللاعقل عقلٌ خلّاقٌ، فيغدو باحثًا، ومكتشفًا، ومحلِّلًا، وعالِمًا، وحكيمًا، وفيلسوفًا، ومبدِعًا ممتازًا، وحَكَمًا على الكون نفسه، مَوْلِدًا، وسيرورةً، وصيرورة. لكأن هؤلاء، إذ ينفون الإلٰه (العقل الأول) الذي خلق عقولهم، إنما يؤلِّهون عقولهم هم! كلّا، فإن العَدَم لا يخلق الوجود، والصدفة لا تخلق المعمار المحكم، واللا عقل لا يخلق العقل. العقل قائل، أزلًا أبدًا: إن كل مصنوع مفتقرٌ إلى صانع(1)، إبداعًا ورعاية. ومن ثَمَّ فالعقل الإنساني هو أكبر برهان على وجود العقل الأوّل؛ العقل الفاعل، كما سُمِّي قديمًا، واجب الوجود. ونفيُ أحد العقلَين نفيٌ منطقيٌّ مباشرٌ للعقل الآخر.

على أن الشعور بهذا المأزق قد حمل بعض الملحدين على أن يشكِّك في السببيَّة نفسها، وفي قوانين العِلْم التي تَهدي إلى الاعتراف بالحكمة، وتنفي العبثيَّة والصُّدْفِيَّة. وذلك كالأميركي (ديفد ميلزDafid mills)، صاحب كتاب ـ«كَوْنٌ مُلحِد Atheist Universe»ـ، ـ(2004، 2009)ـ. فميلز ينكر مبدأ السببيَّة، ليُريح دماغه من أسئلتنا السابقة! لكنه بذلك يُلغي دماغه وأسئلته معًا! وهو يفعل ذلك لمجرّد عدم معرفته بالسبب، بزعمه. ضاربًا مثلًا بأن تعطُّل سيارته لن يُنقذه منه قول الميكانيكي: إن هناك سببًا ما وراء تعطّلها! وما دام الأمر كذلك، فلا سبب، هي تعطّلت بلا سبب! فيا لسذاجة المنطق وخيبة المَثَل! وبالمِثْل سنقول نحن القراء أيضًا: ما دام قد تعطّل عقل ميلز، وبلا سبب يعرفه أيُّ ميكانيكي، وبلا مبدإٍ ما للسببيَّة، فليس هناك سببٌ يجعلنا نقرأ كتابه هذا، أو نحمله على محمل الجِدّ، فهو مجرد هذيان، لا معقوليَّة وراءه، ولا هدف له، ولا مصداقيَّة فيه، بل لا سبب لكتابته، ومن باب أَولى لا سبب لقراءته! إنه بمنطقه هذا ينفي نفسه، ببلاهةٍ يظنّها عقلًا، ويشطب كتابه، ويلغي عقله! وهكذا يفعل بعضهم، بلا حياء، فقط ليتوصَّلوا من هذا إلى إنكار العِلْم، ثمّ إنكار العقل، الذي قلنا إنه لا يُلحِد بوجود الله إلّا مَن سَفِه عقله، فألحد قبل ذلك بوجود عقله! وما دامت الغاية الإلحاديّة قد باتت لذَّةً لا تُقاوم، ولا سبيل لاعتناقها بوجود العقل، فليذهب العقل إلى حيث ألقت! لكنهم في الوقت نفسه يُسقطون بهذا، أوّل ما يُسقطون، طرحهم؛ لسان حالهم: نحن مجانين، وكلامنا كلام مجانين، لا عِلَّة له ولا معلول؛ فالحقّ كلّ الحقّ على من يُعيرنا التفاتًا أصلًا. من هنا، فكأن الإلحاد قد صار لدى هؤلاء غايةً نفسيَّة، تبرِّر كلّ وسيلة توصل إليها. إنه الإلحاد للإلحاد، لا بحثًا عن الحق!
والحُجَّة المنطقيّة التي يُدلي بها فلاسفة الملاحدة- وهي في الواقع لا تحتاج إلى فلسفة ولا إلى فلاسفة؛ لأنها بدهيّة على لسان كلّ طفلٍ نؤوم- هي: ما دمنا نؤمن بالسببيَّة في المادة، فمن أوجد الله؟ وهو سؤال طفوليّ بدائيّ، يتقمّص جُبَّة الفلسفة الفضفاضة! إنه يقيس الخالق على المخلوق، ليجعل معاييرَ عالم السببيَّة، الذي نحن جزء منه- بل العقل جزء منه- معاييرَ لما فوق عالم السببيَّة، بل لمن أوجد عالم السببيَّة ابتداءً، وأوجد قوانين العقل ابتكارًا، لكي تكون قوانين صالحة لإدارة حياتنا. فهل قانون الخالق كقانون المخلوق؟! وهل من المنطق أن نُجري مقاييس عالمنا البائس، وتعقّلاتنا فيه، على عالمٍ مُفارِقٍ، بل هو العِلَّة الأولى في وجودنا، ووجود العِلل، ووجود عالمنا، وعقولنا، ومعارفنا، بقوانينها جميعًا؟! لقد تسنَّى للإنسان، مثلًا، أن يكتشف أن قوانين سارية على الأرض- ما كان الإنسان يتصوَّر اختلالاها في مكانٍ آخر من الكون- هي غير سارية على كوكبٍ قريب، كالقمر، ومن ذلك قوانين الجاذبيَّة، مع أن الأرض والقمر من موادّ متشابهة، وهما في الكون نفسه، وفي المجرة ذاتها. فكيف، إذن، والاختلاف المفترض بين العالَمين، (عالم الخالق للكون والكون الذي خَلَقَ)، اختلافٌ نوعيٌّ، جذريٌّ، بل هو التضادّ، لا الاختلاف فقط؟ هل مَن صنعَ المصباح الكهربائي- على سبيل النموذج- هو المصباح الكهربائي؟ أم قوانين المصباح الكهربائي هي قوانين (أديسون) شخصيًّا؟! وبالقياس، لا يَصدق في عقلٍ، يستحقّ هذا الاسم، أن يكون مصباح الكون هو موجد نفسه، ولا يصحّ أن قانون السببيَّة- الذي هو تعليلٌ بشريٌّ للظواهر الطبيعيَّة- مطَّرِدٌ بإطلاق، على الطبيعة وما وراء الطبيعة، على المخلوق والخالق؛ أي على عالَم السببيَّة وخالق عالم السببيَّة. ولا يتقبّل هذه المصادرات إلّا عقلٌ طفوليٌّ، لا يرى أبعد من مسلّماته الأوّلية، والمشتقّة من بيئته الخاصَّة. فإن قال ملتبِسٌ أو ملبِّس: ها أنت ذا تتّكئ على السببيَّة حين يتعلّق الأمر بوجود الكون، حتى إذا تعلّق بموجِد الكون، نفيتَها! قيل: فَرْقٌ تضادّيٌّ بين وجود الجماد والحيوان والنبات، ووجود الله، خالق كلّ شيء؛ فَرْقٌ تضادّيٌّ بين (عالم السببيَّة) (ومبدع عالَم السببيَّة، بوصف هذا العالَم بعض أدوات إبداعه)، فاعقل!

لقد توالت الاكتشافات في الكون، وترادف التطوّر المعرفي به، منذ (إسحاق نيوتن)، و(جيروجور مندل)، و(ألبرت أينشتاين)، وغيرهم، تواليًا وتطوُّرًا كانا حريّين بأن يحملا العقل الصادق على الإيمان بأن ما كان بالأمس ضربًا من المستحيل، وكان خارج العقل، ثم أصبح بجهدٍ بشريٍّ محدودٍ في متناول العقل والتصديق، لهو الديل الساطع على أن العِلم، مهما بلغ، يجهل أكثر ممَّا يعلم، وأن العقل البشري ما زال طفلًا، ومتواضعًا جِدًّا حيال أسرار الكون والخلق، ناهيك عن الخالق، وأن القَطع الواثق بمعرفة كلّ شيء، وإقفال أبواب الاحتمالات، ونوافذ الإجابات عن الأسئلة الأزليَّة، ما هو إلَّا حماقة بشريَّة، تتناسل في أثواب مختلفة الألوان والطُّرز والتفاصيل، لا تتعلَّم من تاريخها المعرفي. تظلّ تتكرّر عبر التاريخ؛ لأنها لا تمثِّل في الواقع إلَّا اغترارًا بدائيًّا بالإجابات التي توصَّل إليها الإنسان في حقبةٍ من الزمن، وَفق معطياته وتقنياته المتاحة، ليأتي عصرٌ آخر فيكشف عن مدى بدائيَّة تلك الإجابات، إن لم يكن مدى سخافتها وخطئها المضحك! وتلك سيرة العقل البشري المغرور، الذي يدّعي في كلّ عصرٍ أنه قد فهم كلّ شيء! وسيرته تلك آيةٌ على أن الأمر في النهاية أكبر من العقل نفسه. بل أكثر من ذلك، أن العِلْم الطبيعي، ما هو إلَّا محاولة بشريَّة لوصف لوحة الكون، وتعقّلها، واقتراح قوانين وراءها، وضوابط تحكمها. لكن هل تلك القوانين والضوابط هي الطبيعة نفسها؟ أم هل قوانين الطبيعة الكامنة فيها هي نفسها القوانين المرسومة على الورق؟ كلّا، إنْ هي إلَّا أسماء سمَّوها، وأوصاف ارتأوها! إن اللوحة أكبر وأكبر، واللعبة أوسع وأعقد، والأسباب- بما في ذلك الأسباب الفيزيائيَّة- ما تزال غامضة، وما اهتدى إليه هذا الطفل لا يعدو ملاحظة الألوان والأضواء والحركات، ومن ثَمَّ السعي بعقله إلى تحليلها وتفسيرها، واقتراح افتراضات يمنطقها حولها، بحسب ما يتيحه له عمره المحدود، وأدواته المحدودة. وبإجابة القرآن هاهنا: «قُلْ: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شاكِلَتِهِ؛ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا. ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ؟ قُلِ: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وما أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.» غير أن الإنسان ما يفتأ يقفز قِرديًّا إلى السقف، بين حين وآخر، فَرِحًا أمام كلّ بارقةٍ ملحوظة جديدة، صائحًا: «وجدتُها، وجدتُها!» وهو لا يجدها ليبني عليها دائمًا، بل قد يجدها، ليُغلق الباب خلفه، قائلًا: هذه هي، لقد كشفتُ أصول اللعبة، ولم تعد ثمّة زيادةٌ لمستزيد، وكلّ ما عداها «حديث خرافة، يا أُمَّ عمرو»! وأولئك هم سفهاء العلماء، لا العلماء العلماء، فالعالِم الحقّ يحترم المعرفة، وتزيده تواضعًا، وبحثًا عمّا بعد، وعمّا وراء، وبلا انتهاء.

(1) وهذا ما عبّر عنه العارف (الأفضل الخونجي)- في ما نقلَ عنه (التلمساني، عفيف الدِّين، (1997)، شرح مواقف النِّفَّري، تح. جمال المرزوقي (القاهرة: مركز المحروسة)، 171)- حيث قال عند الموت: «نهاية ما وصلتُ إليه أني علمتُ أني لا أعلم شيئًا، غير مسألة واحدة، وهي: كون هذا المصنوع مفتقر إلى صانع.»-[الكاتب: أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي، عنوان الموضوع: «أنا أفكّر؛ فالله، إذن، موجود!»، المصدر: صحيفة «الراي» الكويتية، الثلاثاء 5 أغسطس 2014، ص19].