"مستر ريبلي الموهوب": لعنة الموهبة وعذاب الضمير!

، بقلم مهند النابلسي

مجرد توقيع أنطوني منغيللا كمخرج لهذا الفيلم يثير الاهتمام والفضول، فهذا المخرج حصل على تسعة اوسكارات بتحفته السينمائية الشيقة" المريض الانجليزي" (منها جائزة احسن اخراج)، عاد منغيللا هنا فأقتبس فيلمه الجديد من رواية باتريشا هايسميث "السيد ريليه"، وذلك للمرة الثانية بعد ان تناولها المخرج الفرنسي الشهير "رينيه كلامان" بفيلمه "شمس كاملة" في العام 1959...بهذا الفيلم لعب مات ديمون دور البطل "الموهوب" القاتل، وهو نفس الدور الذي لعبه ببراعة لافتة الممثل الفرنسي الوسيم الشهير "آلان ديلون"، كما حل الممثل "جود لو" مكان "موريس رونيه" بدور الفتى اللعوب الثري اللامبالي "ديكي غرينليف"...ولكن منغيللا لم يسمح لنفسه باعادة اخراج الرواية ومجرد تصوير فيلم آخر، وانماحاول بجرأة وضع بصمته المميزة،وتقديم قراءة جديدة للرواية "المثيرة للجدل"، فوقع فيلما مختلف لحد بعيد عن فيلم "كلامان" بشخصيات ذات تكوين نفسي مختلف وأظهرها بجرأة لافتة بل وصادمة أحيانا!

كما أنه اشتغل بنفسه على كتابة السيناريو، وقدم ريبليه كانسان ضعيف هش، عصبي غير متماسك، لا اخلاقي وفاقد للقيم (مخالفا لصورته الظاهرة)، عكس ما ظهر بفيلم "رينيه كلامان" الأصلي كشخص لوطي خجول ومنعزل، كما أظهره وكأنه لم يقدم عبثا على قتل "غرينليف" هكذا بدافع ميله الاجرامي، بل لأنه (هذا الأخير) غبي وغد يهزأ منه باستمرار، ولا يتجاوب مع رغباته وأوامره...ثم يقدم على الاستيلاء على أموال ضحيته "المسكين"، ثم ينتقل لاقامة علاقة جديدة مع شاب لوطي حساس يعشق الاوبرا، ثم يقتله لاحقا ليغرق بعذاب الضمير!

تتطور حبكة الفيلم بطريقة شيقة تصاعدية، فبعد أن يدعو"ديكي" ريبلي لرحلة بحرية لسان ريمو، يتطور النقاش بينهما ويتعاركان ليقوم هذا الأخير بقتل صديقه الحميم بواسطة ضرب رأسه مرارا بمجداف، ثم يغرق القارب مع الجثة، وينتحل لاحقا شخصيته ويزور توقيعه وجواز سفره، كما يبدو وكأنه تقمص شخصيته ولبسه واسلوب ونمط سلوكه...ثم يستسهل الاجرام فيقتل كذلك أعز اصدقاء ديكي (بيتر سميث) عندما يكشفه، ويكاد يقتل أيضا صديقة "ديكي" (ميريديث مارج) عندما تكتشف بالصدفة خاتم ديكي بشقته...ثم نراه يبني بسهولة علاقة غرامية (غير مقنعة) معها...ثم تتحول القصة بعد ذلك الى "لعبة القط والفأر" حيث نرى القاتل المنتحل يسعى جاهدا للهرب من ملاحقة البوليس الايطالي ومن أصدقاء "ديكي" المقربين، ليتحول لفيلم اثارة ذكي نتابع فيه وحش عصري متمدن، ونكاد نتمنى أن ينجو بفعلته!لم يتمكن "ديمون" من مقاربة مستوى أداء "ديلون" المذهل بالنسخة القديمة، ولكنه يملك ابتسامة خبيثة طويلة وعينا نسر كاشفة ترسل وميضا خفيا مرعبا، وشخصيته غير مريحة وربما تكشف النقاب عن شخصية "كاريزمية" ولكنها غير مريحة، وهنا تكمن قوة الفيلم الذي يكشف حقيقة "معظم" الشخصيات الساحرة او الفائقة الجاذبية، التي تخفي باستمرار شيئا غامضا يتمثل بالاعتماد المطلق على الآخرين وبالرغبة الجامحة باستغلالهم والاستهتار بهم والتعالي عليهم، وقد يتطور الأمر للاجرام وسرقة "الحياة" وانتحال الشخصيات، فموهبة "التزوير والكذب والانتحال" قد تصبح "لعنة شيطانية"، اذا ما ترافقت مع شخصية جذابة آسرة لا تعرف الحدود ولاتقيم وزنا للقيم الخلقية والاجتماعية، وهذا ما يجب ان نحذر منه ونحاول اكتشافه!


مهند النابلسي

عضو رابطة الكتاب الأردنيين- عضو اتحاد الكتاب العرب

من نفس المؤلف