مفهوم الجاسوسية الرقمية

، بقلم عادل عامر

تحتفظ إدارة الهجرة في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول الكبيرة بمعلومات تفصيلية تقريبا عن أي شخص في العالم، تكون قد حصلت عليها بطرق مختلفة منها تقديم طلبات الزيارة أو حتى الدخول إلى الحواسيب المركزية المختلفة في عدد من الدول التي تحتفظ بمعلومات عن المواطنين، ونقل تلك المعلومات بالتراضي أو ربما بالقرصنة. لم يعد احد في هذا العالم يمكنه أن يمتلك معلومات يدعي أنها سرية، متى ما خرجت من عقله وأصبحت مسجلة على حاسوب فهي مشاعة نظريا، يستطيع أي جهاز أو شخص أو مؤسسة مهتمة ولديها القدرة التقنية أن تحصل على تلك المعلومات في لمحة بصر. بل أصبح للإنترنت مفعول مرتد، فتحصل على المعلومات الكثيرة المتوافرة بعض القوى التي تستخدمها لمصالحها، ومرة قال السيد حسن نصر الله زعيم «حزب الله» في لبنان: إننا نحصل على المعلومات في تصنيع بعض الأسلحة والمتفجرات من الإنترنت! وهو قول صحيح بالنسبة إلى عدد كبير من المنظمات حول العالم. فقد دارت عجلة الأمن لتغير ما يميز الاتصالات المعولمة من تفوق غربي بحت إلى مشاركة من العالم البالي أو العالم الثالث، وقد تكون المشاركة سلبية، ولكنها مشاركة. فما أريد به سيطرة تستخدم أيضا للانعتاق.

السرعة في تطور وسائل الاتصال أصبحت معروفة للجميع اليوم، فمنذ سبعة عشر عاماً فقط عندما بدأت محطة الـ «سي إن إن» الأميركية بثاً تلفزيونياً أصبح يعرف بالبث المعلوم وقد امتلأت اليوم فضاءات العالم بآلاف المحطات التلفزيونية المعولمة في سباق للسيطرة الثقافية والاقتصادية، وبدا وكأن هناك إعادة تركيب للرأسمالية وتوليد مصادر ربح جديدة، وأصبح الاتصال صناعة تضاهي ما لعبته صناعة الفحم أو الحديد أو حتى النفط في الأعوام الأخيرة، بل أصبح للعالم جهاز عصبي مركزه هناك في الغرب وتتحرك الكثير من رغباتنا على وقع شهواته.

إذا كانت المعرفة تشكِّل ضرورة للإنسان كي يواكب عصره كعنصرٍ واعٍ ومؤثِّر في دائرة وجوده، فإن معرفة دائرة المخابرات تشَكّل ضرورة قصوى لإنسان العصر، ذلك أن الجاسوسيَّة تبلغ حدًا من الأهميَّة يجعلها تقرِّر مصير الشعوب والدول، عرف الإنسان منذ القِدم أهميَّة أنشطة المخابرات والجاسوسيَّة وخصوصًا جمع المعلومات وتحليلها، والتي بنتيجتها نهضت شعوب وأمم، وتقوَّضت دعائم أخرى انطلاقا من مدى إتقانها لفنون الحصول على المعلومات، وحسن استخدامها، وبخاصة تلك التي تحتاجها في استمراريتها وتعزيز وجودها. يعتبر جهاز الموساد أحد أكثر أجهزة المخابرات السريَّة غموضًا في العالم، وتحوطه السلطات الإسرائيليَّة بكتمانٍ شديدٍ، لدرجة أن أسم رئيس هذا الجهاز لا يُعلن إلا بعد أن يصبح الرئيس السابق للموساد، فهذا الجهاز يشكّل الخط الدفاعي الأول الذي تعوِّل عليه إسرائيل في القيام بعمليات التجسُّس والتصفية الجسديَّة ومكافحة عمليات المقاومة. ينصبُّ الهدف الرئيس للموساد على الدول العربيَّة والمنظمات التابعة لها والمنتشرة في أنحاء العالم، كما يتركَّز نشاط عملائها أيضًا في الدول الغربيَّة والأمم المتحدة. ستخدم تسمية عميل في العادة للدلالة على الأشخاص الذين يعملون في أسفل الهرم الإستخباراتي وهم عادة من الأجانب ويُعتبرون أدوات لتنفيذ عمليات جهاز الاستخبارات في الخارج، ولا يُستخدم مصطلح عميل لوصف المحترف في جهاز الاستخبارات، لذلك فإن السيطرة على العميل تُعتبر ذات أهميَّة قصوى لأنها تعني تقيُّد العميل بتعليمات جهاز الاستخبارات الذي قام بتجنيده ويعمل لحسابه. تُستخدم الوسائل الماليَّة بلباقة كعنصر دائم للسيطرة على العميل وبخاصة بالنسبة للمستغلين من العملاء في الحرب النفسيَّة والعمليات شبه العسكريَّة حيث لابد من توافر عنصري السيطرة والمودَّة الشخصيَّة، وعندما تنتفي الحاجة للعميل أو لا يعود مرغوبًا فيه تتُمّ عملية إنهاء التعامل معه واستبعاده على الرغم من حساسيَّة الموضوع وقطع العلاقة سواءً كان بشكل ودِّي أو عدائي. تكون إجراءات إنهاء علاقة العمل مع العميل عادة عبارة عن عمليَّة تفاوض لتسوية المسائل الماليَّة وتخلّيه عن المطالبة بأي شيء بعد ذلك ويبدو ظاهريًا أن التسوية الماليَّة تتوقّف على الخدمات السابقة التي أدَّاها العميل، إلا أنها في الحقيقة تكون على أساس تفادي الضرر الذي يمكن أن يسبّبه العميل إذا لم يكن إنهاء العمل معه بناءً على طلبه، وهنا تظهر أهميَّة السيطرة على العملاء ومناورات الحديث عن الوفاء والإخلاص ووحدة الهدف.

يرى باحثون أن هناك ارتباطا عاطفيًا بين جهاز الاستخبارات وعملائه، فإهتمام ضابط الاستخبارات بالعملاء الذين يعملون معه وبأُسرِهِم في أثناء غيابه ومواصلة الإنفاق عليهم يعكُس حال من الارتياح النفسي لدى العميل خصوصًا وأنه يعمل في مجال لا مساومة فيه نظرًا لاحتمال مواجهته الموت أو السجن مدى الحياة في حال انكشاف أمره، وهو يحتاج لضمانة قويَّة تساعد أسرته على مواجهة الأعباء، فالعميل معرَّض وبشكل دائم لإنهاء عمله مثلما هو معرَّض لانكشاف أمره وإعدامه أو سجنه أو موته في ظروف غامضة نتيجة صراع الاستخبارات أو فقدانه قدرته على توفير المعلومات لسببٍ أو لآخر. في جميع الحالات، يسعى الجهاز الذي طوَّع العميل إلى بناء علاقة دائمة معه لتجنُّب تحوُّله إلى عميل مزدوج، وبخاصةٍ إذا كان يحتفظ بأسرارٍ مفيدةٍ ومهمةٍ. لذلك يتُم إسكاته بالتهديد عند الضرورة، أما إذا كان العميل على درجة كبيرة من الأهميَّة فتتم مساعدته لبدء حياة جديدة في بلد آخر. تلقت إسرائيل حوالي 800 ألف مهاجر من الاتحاد السوفييتي السابق، وأدت هذه الهجرة إلى ارتفاع نسبة العلماء والمهندسين فيها، لتصل أواخر التسعينيات إلى رقم قياسي عالمي، هو 135 عالماً أو مهندساً لكل 10 آلاف نسمة. وكان لهؤلاء دور بارز في دفع عجلة الصناعة المعلوماتية، لكن، لم يكن لهم أن يفعلوا ذلك، لولا وجود التخطيط السليم، والدعم الأميركي المفتوح الذي يجب أن نعترف به، بل وأن نضعه قيد الدراسة. ونعدد في ما يلي، بعضاً من العوامل الرئيسية التي جعلت من الصناعة المعلوماتية الإسرائيلية، إحدى أكثر الصناعات المعلوماتية تطوراً على مستوى العالم، إلى درجة دفعت شركات كبرى في عالم تقنية المعلومات، إلى التهافت على إسرائيل، والاستثمار فيها، بالموارد المادية والبشرية: وجود الجامعات والمعاهد التقنية المتخصصة في المعلوماتية: كان لجامعات ومعاهد، مثل معهد Technion في مدينة حيفا، دور بارز في تقديم العقول المختصة في تقنية المعلومات.
وتشير بعض الإحصائيات إلى أن هذا المعهد، قدم عدداً من المهندسين والتقنيين، يعادل العدد الذي قدمته كل من جامعة Stand ford، ومعهد MIT في الولايات المتحدة الأمريكية، لتغذية صناعة المعلوماتية بالعقول الخبيرة. وكانت هذه المعاهد نقطة مركزية، لنشوء صناعات معلوماتية مهمة. اعتماد خطط تجارية مبتكرة، لدعم المشاريع المعلوماتية: معلوم أن إنشاء شركة جديدة في عالم تقنية المعلومات، أمر محفوف باحتمالات الفشل، في هذا الخضم الهائل من الشركات التي تستخدم إنترنت، للوصول إلى الأسواق العالمية، متخطية كافة الحواجز، ومطيحة بأي شركة جديدة منافسة، أينما كانت.
تنبه الخريجون الجدد في المعاهد التقنية الإسرائيلية إلى هذا الأمر، فاعتمدوا أسلوباً تجارياً مبتكراً، لدفع شركاتهم الصغيرة إلى السوق العالمية، يعتمد على تكوين تجمعات من كل الشركات الصغيرة، التي تمتلك أفكاراً، أو مشاريع، معلوماتية مبتكرة، في مواسم محددة، ومشاركة هذه التجمعات في أجنحة مشتركة، ضمن أكبر المعارض العالمية المختصة في تقنيات المعلومات، لعرض أفكارها على الشركات العالمية، وطرح فكرة رعاية المشاريع أو المشاركة في تمويلها. وأدى هذا الأسلوب إلى دخول معظم الشركات العالمية، العاملة في سوق تقنية المعلومات، مثل مايكروسوفت، وإنتل، وهيوليت باكرد، وكومباك، وIBM، وAOL، وLucent، وCisco، و3Com، وMotorolla، وTexas Instruments، وComputerAssociates، وGeneral Electic، وشبكة Cnet، وYahoo! وغيرها الكثير، إلى سوق تقنية المعلومات الإسرائيلية، وتبنيها شركات إسرائيلية صغيرة، أو تمويلها بعشرات، أو مئات، الملايين من الدولارات.
لكن، ما سبب التفوق في مجال أمن المعلومات تحديداً؟!القوات المسلحة الإسرائيلية، منبع لخبراء أمن المعلومات: تختلف سنوات الخدمة الإلزامية العسكرية، في الجيش الإسرائيلي، عنها في الكثير من دولة العالم، إذ تعتبر فترة تطوير لخبرات المختصين في مجال أمن المعلومات. ويعتبر هذا الأمر من أهم العوامل المؤثرة في دفع تطوير الحلول الأمنية، والتطبيقات المتعلقة بأمن المعلومات في إسرائيل. فيكفي أن تعلم أن شركة Check Point الإسرائيلية، التي تقدم أكثر حلول أمن المعلومات انتشاراً في العالم، والتي وصلت حصتها في إحدى السنوات، إلى 44 في المائة من سوق الجدران النارية في العالم، هي شركة طورها ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي، يدعى شارون كارمل، مع بعض زملائه. وقد قضى هؤلاء فترة خدمتهم الإلزامية، في تطوير أنظمة كمبيوترية لمحاكاة ساحات القتال، وتطوير وسائل ربط شبكات كمبيوترية عالية الأمان! ويقول كثير من رؤساء شركات أمن المعلومات في إسرائيل، أن سنوات الخدمة الإلزامية الثلاث، تُعرّف الجندي إلى كثير من التقنيات الحديثة، وتتيح له الفرصة للتعامل معها، وتشكل أرضاً خصبةً لعمليات ابتكار التقنيات الحديثة، التي يمكن تطبيقها تجارياً، بعد إنهاء الخدمة الإلزامية. ومن أهم المجالات التي تفوقت فيها الشركات الإسرائيلية، مجال برامج أمن الشبكات كالجدران النارية، حيث لاحظ الوافدون الجدد إلى سوق المعلوماتية الإسرائيلية، أهمية أنظمة الشبكات وتطبيقات إنترنت، ومدى انتشارها، فركزوا إنتاجاهم على هذا المجال، وظهرت شركات مثل Alladin، و Check point، قدمت منتجات عالمية. ولاحظوا أيضاً، أهمية التشفير في عصر إنترنت، فأجريت دراسات عديدة في هذا المجال، أدت إلى ظهور عدد من التقنيات العالمية، مثل تقنية RSA الشهيرة للتشفير، التي تنتجها شركة RSA، والتي تستخدم في كثير من مواقع التجارة الإلكترونية، والتبادلات الإلكترونية في إنترنت.


عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبيرفي القانون العام

من نفس المؤلف