فاكانس

، بقلم مصطفى عبا

ـ هاهاهاهاهاها! رائع يا أستاذ! والله اشتقنا إليك يا صاحبي... هاهاهاهاها!

ـ قرأت نصوصك الأخيرة... هاهاهاها... رائع... رائع... أنت فخر لنا... هاهاهاهاها...

ـ والله وعرة تلك القصة القصيرة!... نسيت عنوانها... ولكنك كنت تطرح فيها موضوع.... (يشد رأسه بكلتا يديه لكي يتذكر)...

تكاد الطاولة تختنق من كثرة المزدحمين حولها وتكاد تنهار تحت ثقل القارورات الفارغة والمليئة فوقها... هاهاهاهاها... الصخب في كل مكان هنا... أصدقائي يحتفون بي! عدتُ قبل أيام ككل سنة من "منفاي" الذهبي في المهجر... "اشرب يا مصطفى! والله حتي تشرب هذه على حسابي... لا تضرب حسابا. اشرب... وااااااااااااااا عبد الرحمن! هات واحدة للأستاذ عافاك (الله)...

تشرب. يدور الحديث حول كتاباتك التي يتناولها الأصدقاء ولا يبغون موضوعا غيرها... عبد الرحمن يملأ الطاولة بالقوارير... هاهاهاهاها!....

ـ أستاذ مصطفى! والله يا خويا نسيت أوراقي في الدار... شوف! خلص أنت هذه الليلة وغدا على حسابي...
تنهق أنت (لأنه أكْثَرَ من المديح على نصوصك):

ـ لا عليك، كلكم ضيوفي... و...

وتستأذن للخروج لحظة في اتجاه أقرب شباك إلكتروني لاستخراج مبلغ معين.

و... طن طرن... طن طرن... طن طرن....

يبدأ العسس في التصفيق علامة انتهاء السهرة وقرب إغلاق حانة "بوليو" (الموقع الجميل). عبد الرحمن يطالبك بتسديد ما استُهلِك.... "هاك يا خويا عبد الرحمن! خذ!"

يقبلك عبد الرحمن لأنك كالعادة كريم معه. انفض كل من كان حول الطاولة التي أخذت تتنفس الصعداء... العسس يصفقون لكي يخلي الزبناء المكان.

تنهض. تتبين طريقك نحو باب الخروج. تسمع صوت "نادية "عوجة الفم: "هاي هاي هاي... الأستاذ هنا وأنا ما شفتوش!... هاهاهاهاهاها... واكيف حالك آحبيبو؟... كيف حال البُنيّة وأمها... هاهاهاها...". وهي تقبل خديك مرحبة تدس بيت ثدييها ورقة كانت تائهة في جيبك. تسمعها تدعو لك بكل خير وبركة و...

و... طاكسييييييييييييييي!

يتوقف الطاكسي ويسألك سائقه عن وجهتك. تتبين أن لحيته تكاد تلامس صدره وأن شاربيه محلوقين فتجيبه بكثير من الحرج: "هاهاهاهاهاها... ظننتك عمي... سامحني يا أخي في الله... هاهاهاهاها!". قطب ما بين حاجبيه، بصق على عجلة القيادة وطار كالبرق ساخطا...

ـ أين كنت؟

ـ دعيني أنام سيلتو پلي...

ـ تنام فوق صدري... بين نهدي كطفل؟ ثم... ألم تر كم في الساعة الآن...

ـ أحبك. بين نهديك أحس بالأمان.

ـ تريد أن ترَقِّدني بلازمتك هذه "أحبك"! لا يا مصطفى... متى تتعقل؟

ـ نحن في عطلة يا حبيبتي...

ـ الله يعطيك الحَبَّة... أبعد عني... الطفلة كانت مريضة الليلة... بلغت حرارتها 39 درجة وأنت تضرب الطاسة مع أصدقائك المعلمين والمعلمات وبنات الـقـ.... سر بعد مني....

أحمل نصف الفراش وأغير الغرفة. أغط في سبات عميق لا يوقظني منه إلا:

ـ ألو! هذا حميد صحيبك آخويا مصطفى... شوف ضروري أراك الآن.

يراني الآن: المسكين محتاج لألف درهم لأن أمه وابنه وعمته وجده ووووو... (فهمته) ولم يجد غيري أنا لكي يحل مشكلته. طيب. أتجه إلى أقرب شباك بنكي. أسحب مبلغا ما . "هاك آخويا حميد". يقسم بأنه سيرد لي الأمانة بعد غد. لم أره منذ تلك اللحظة حتي الآن.
ـ هاهاهاهاها.... والله يا أستاذ مصطفى ليلة البارحة كانت رائعة في حضرتك... شوف هذه على حسابك... راك عارف. آخر الشهر هذا...

ـ هاهاهاها اشرب، اشرب مع رأسك... لا تضرب حسابا....
تئن الطاولة تحت ثقل القوارير وتختنق بسب الازدحام حولها.... هاهاهاهاهاهاها.....
ـ أستاذ! الليلة على حسابك... أوكيه؟... والله غدا... أنا... كل شيء على حسابي... كلكم ضيوفي غدا... غدا أطلبوا ما تشاءون... لقد جاءتني الترقية... هاهاهاهاهاها....

يبدأ العسس في التصفيق علامة انتهاء السهرة. عبد الرحمن يبصبص لي بذنبه كجرو جائع لكي يكون "الپوربوار" في المستوى الذي يريد. تنتابني نزوة كرم. أفرغ ما في جيبي وأناوله إياه. قال لي بأن أمه العمياء في حاجة إلى "الفونتولين" في انتظار أن يقضي الله أمرا كان مقضيا....

سمعتُ صوت "عوجة الفم" وأنا أتسلل بين الكراسي والطاولات التي تراكم بعضها فوق بعض: "هاهاهاها.... أستاذ والله ما شفتك حينما أتيت.... تعال تعال واخا غير نبوسوك... هاهاهاها... ". شدتني إليها وهي تقبل عنقي (بنت الحرام)... بجد هذه المرة!

ـ سميرة! أختي! والله ما بقى عندي ريال. عندك الوقت أروح لشباك البنك وأرجع؟

ـ هاهاهاهاهاهاها... سر آخويا حتى إلى تونس، أنا في انتظارك... أمثالك هم اللي ناقصينا... ڨيت ڨيت ڨيت!
أهرول كقرد. أعود. أناولها ورقة نقدية. ألح عليها في شراء كتب ولعب لطفلها الذي تحدثت لي عنه ولم أره قط.
طاكسيييييييييييييييييييييييييييييييي!

ـ إلى أين آ خويا؟

ـ إلى داري آ خويا... هاهاهاهاهاهاها...
ـ أنت دين أمك سكران وأنا طالع لي الدم سر تقوَّد أنت ودارك... تفوووووووووووووو...

انطلق كالبرق.
ـ مصطصفى! مصطفى! واااااااااااااااااااااااا مصطفى؟
صوت أليف يناديني من بعيد وهو قريب. أستيقظ بالتدريج.
ـ مصطفى...
ـ من أنتِ؟
ـ يا ويلي! أنا مسعودة. زوجتك. مالك نسيت؟ طوال الليل وأنت تهدي وحرارتك كانت مرتفعة. سامحني، اضطررت لإدخال ذلك الشيء في مؤخرتك لكي أقيس الحرارة. الحاجّة نفْسُها سمعت هذيانك وصعدت حتى إلى هنا لكي تطمئن عليك. ماذا شربت البارحة؟
ـ حرارتي لم تكن مرتفعة... أنا الذي كنت مرفوعا...
ـ قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... راك خلعتينا....
ـ هاهاهاهاها.....
ـ مصطفى.... ياك لا باس؟
ـ هاهاهاهاها....
أتصبب عرقا. أنا جائع. للأكل. للجنس. للخروج من هنا. للكتابة. وخصوصا لمجالسة أصدقائي (الأساتذة) الذين يحبون كتاباتي ونصوصي ويمدحونها كل ليلة في حانة "بوليو".
أتسلل خفية عن زوجتي وأمي. أهرع إلى أول شباك بنكي لكي أسحب مبلغا يكفيني وأصدقائي للسهر هذه الليلة. أُدخِل البطاقة في الشباك الأتوماتيكي وأنتظر ما ستعكسه الشاشة:
ـ تحية سيد مصطفى عبَّا. أدخل رقمك السري من فضلك.
أُدخِله وأطلب المبلغ الذي أريد. بعد لحظات يأتيني الجواب:
ـ رصيدكم غير كاف لسحب المبلغ الذي تطلبونه.
ثم يرتسم على الشاشة كف ككف الملاكم مع استقامة أصبع الوسط منتصبا كأنه أَيرٌ (القلاز) وتحته هذه العبارة:
"الآن اجلس على هذا يا السِّي عبّا!"