«سروال بلقيس» لصبحي فحماوي

في افتتاح ندوة رواية (سورال بلقيس) في منتدى الرواد الكبار- عمان- قدمت الأستاذة هيفاء البشير رئيسة المنتدى، كلمة ترحيبية بالمشاركين، وشكرت الروائي صبحي فحماوي على تبرعه بمبيعات الرواية كلها لمنتدى الرواد الكبار..
وقدم الروائي فحماوي المتحدثين، وكان أولهم أ. د. عزمي الصالحي..الذي تحدث عن توظيف الصور والمشاعر الجنسية في الرواية، وحاول الإسهاب في هذا الجانب، لولا أن الوقت لم يسمح بالاسترسال..وكان الروائي صبحي فحماوي، بصفته مديراً للندوة يقدم مداخلة من سطرين، بين المتحدث والمتحدث الآخر، ومما قاله:

" تسألونني لماذا تكتب كثيراً عن المخيمات، وكانت آخر رواياتك "سروال بلقيس" تصور حياة 24 ساعة فقط في المخيم؟ أقول لكم: ألا ترون معي أن معظم بلادنا العربية تحولت إلى مخيمات..ليست مخيمات الفلسطينيين وحدها، أو مخيمات السوريين في كل البقاع، أو السودانيين، أو الصوماليين، أو الليبيين، أو حتى مخيمات (البدون) التي لا بقاع لها من أقصى المشرق العربي، وحتى أقصى مغربه...ولهذا فكرت في كتابة رواية – جديدة في أسلوبها- تصور حياة أهل المخيم خلال 24 ساعة فقط، وهي روايتي الثامنة، بعنوان"سروال بلقيس". وبالفعل تمت الرواية، ووجدت دار نشر مرموقة تستقبلها، (مكتبة كل شيء- الحيفاوية) وتنشرها - من داخل فلسطين- بأسرع ما يمكن، فتأخذ هذا الصدى الذي ترون..

وقال فحماوي: "سروال بلقيس" رواية تصور تكاتف المرأة والرجل في تحمل أعباء التهجير وتجمع الشتات الفلسطيني في بوتقة المخيم.. كفاح المرأة للحصول على المتطلبات الأولى للحياة بعد شتات التهجير، وهي حب البقاء..لقمة العيش، وشربة ماء..المرأة كانت في قمة المسؤولية وهي تفرك خشم الأرض، وتقطف الأعشاب البرية، لتبيعها، ويقتات أفراد أسرتها بما تبقى منها .. وفي الجهة الأخرى كان الرجل يشتغل بالأشغال الشاقة ليحصل على القرش..ليطعم أفراد أسرته، ويمنع عنهم الموت جوعاً..في سنة 1951 لم يكن هناك فرصة عمل، ولا مصدر رزق سوى بقايا فتات تتصدق به "الأمم المتحدة ضدنا."

"سروال بلقيس" صورت معاناة أرملة الشهيد(حمدة المحمودية)، وكيف تستطيع أن تطعم أطفالها، وتكسو عريهم، وتحميهم نهاراً ، وتغطيهم ليلاً..وتساءلت: من يساعد أرملة الشهيد على مواصلة الإنفاق على أيتامه، وجعلهم يواصلون حياتهم بكرامة..حتى إذا دفع أحدهم، فقد يتحرش بالأرملة، بهدف الاعتداء عليها وأكل كتفها..

"سروال بلقيس" رواية اختتمت بقرار زوج بلقيس وابنها مقاومة هذا الذل والإهانة، وذلك بوضع القدم على طريق عودة المهجرين إلى عكا، وحيفا ويافا واللد والرملة.

كانت نهاية الندوة التي عقدت في منتدى الرواد الكبار حول هذه الرواية، أن جميع النسخ المعروضة قد بيعت، وتجمع الحضور -مشكورين- ممن لم يسعفهم الوقت لشراء نسخ، بطلب شديد..ولكن الكمية المعروضة قد نفدت كلها..

وقدمت د. نجود عطالله الحوامدة- من جامعة جرش ورقة بعنوان: الشخصية المحورية في رواية سروال بلقيس، فقالت: "من المهمات الشاقة التي تواجه الروائي، وهو يصنع معمار مشروع روايته، صنع شخصياتها، ولا سيما الشخصية المحورية أو الرئيسة، لما يقتضيه ذلك من إحاطة بالنزعات النفسية وطبائع البشر، وبالمواصفات الاجتماعية المتواضع عليها, وبما ينبغي للشخصية المحورية أن تتحلى به من صفات ومزايا، تؤهلها للسلوك الصحيح والمناسب مع سائر شخصيات الرواية،وبما يهيّئها للمشاركة الفاعلة في صنع الأحداث، وإدارتها بوصفها محور تشابكها وبؤرة تجمعها، ومكان تفرعها حتى تلتقي مرة أخرى في الزمن المواتي، وعبر تطور السرد، وتستمد الشخصية المحورية اهميتها من قبل كونها إحدى ركائز النص الروائي ،ولأنها الموكلة بإدارة الأحداث ،من خلال الزمان والمكان،فضلا عما يشكله عنصر الصراع والتناقض فيها من حفز لتنامي الأحداث وإثارة التشويق،ومن ثم فالشخصية تمثل لحمة النص الروائي ، ومنشأ الترابط بين عناصره.

وليس من المجمالة في شيئ، القول، بأننا نجد الشخصيات المحورية في اعمال الروائي صبحي فحماوي،تتمتع بالمواصفات الملائمة لدورها في الرواية، حتى غدت ذات وجود حقيقي وهويات ناطقة.

وليست رواية (سروال بلقيس) بدعا بين روايات الفحماوي الأخرى،بل هي نموذج لحيوية الشخصيات، ولوضوح الأبعاد النفسية والاجتماعية، التي تتمتع بها،والتي تلائم أجواء الرواية.

إن البيئة التي تدور فيها أحداث الرواية، من البؤس والشقاء على كل الصعد، بحيث يعسر أن يحتمل العيش فيها إنسان سوي، الا مضطرا أومنفيا، فكيف به، وقد كتب عليه أن يعيش طوال حياته، وأن تكون له أسرة ، وأن يولد ويربى، ويمارس كل فعاليات وجوده في مخيم يخلو من الماء،ومن الحمامات ومن مرافق النظافة،ومن فرص العمل،إلا إذا كانت من جنس الأعمال الشاقة، والأشق من ذلك، ألا تنأى عن هذا الإنسان مدنه الآمنة، التي أغتصبت منه إلا مسافة قليلة ظلت معها صور مساكنه الحبيبة فيها، بحدائقها وبساتينها ومعاملها، ومرابع طفولته وصباه وبها أحلامه شاخصة في مخيلته،تحضر بإلحاح كلما مرت به زوبعة معاناة، أو حزبته حاجة أو اضطهدته سلطة، وكثيرا ما يحدث ذلك.

إن الشخوص القادرة على أن تتحرك في هذه الأجواء، ينبغي أن يضبط حركتها إيقاع محكم، وإلا فقدت توازنها الخارجي في الأقل، ومن ثم فإنه ليس من اليسير على الروائي أن يوكل مهمات صنع أحداث روايته إلى الشخوص المناسبة،إلا إذا أوتي من البراعة ما يمكنه من ذلك.

ولئن ألقى الروائي مهمة بناء مجتمع الرواية على عاتق فريق من الرجال والأطفال والشباب والنساء،موزعا أحداثها على أفعال الرجال وحكاياتهم ومعاناتهم في العمل الشاق،فإن نصيب النساء عددا ومعاناة وفعلا، كان أكثر فظهرت: بلقيس وحمدة المحمودية وحليمة التركمانية وصالحة السمراء.

حتى إن الفصل الأول اقتصر على أحاديث النساء وحركاتهن وقضاياهن وعبثهن، ولم يظهر للرجال فيه من دور قطعا، أما بلقيس فقد استأثرت باهتمام الروائي كثيرا، فرصد تحركاتها،ووصف أفعالها ،ونقل أفكارها وأقوالها ورؤيتها لمجتمع المخيم ومشكلاته غير قليلة، فضلا عما صوره من حياتها وعيشتها ومستواها الاجتماعي قبل وجودها في المخيم.

ومع أن صورة بلقيس واضحة المعالم من خلال أحداث الرواية، إلا أن الروائي أراد تأكيدها فقدمها على أنها امرأة خمسينية،فوضوية عملاقة الطول،نحيلة، قوية العزيمة،تخرج كل صباح مع جاراتها إلى البرية.

ومن خلال هذا الزحام النسوي،الذي برزت فيه سجايا النسوة وطبائعهن وميولهن، تسللت بلقيس منسابة كالأفعى لتحتل مكان الصدارة، حيث دار كثير من أحداث الرواية ووقائعها حولها، وتنامى بعضها قريبا منها،ومن ثم اكتسبت ما تستحقه من حضور كثير متميز يناسب دورها المحوري.

لقد ظهرت مجموعة من شخوص الرواية، والتطرف والتوتر النفسي يطبعان تصرفاتها وأفعالها بالسلوك الغريزي والرغبات الجنسية والتعبير عنها، وفي التعامل بها في مجتمع الرواية بأساليب شتى، إلا أن بلقيس التى طبع الإعتدال سلوكها وتصرفاتها وحديثها.

وإذا كان سروال بلقيس ،عنوانا للرواية قد أوحى بأن لبلقيس شأنا في مشاهد الجنس وملابساته،في رواية معبأة بمشاهده وأحداثه المثيرة، فإن واقع بلقيس يكذب ذلك من خلال سيرتها المعتدلة وسلوكها اليومي المتسم بالقبول، والموقف الوحيد الذي يمكن أن يسلك في نظام الايحاء الجنسي سؤال صالحة السمراء ،صاحبة بلقيس عن فائدة ما تجنيه بلقيس من سروالها السميك، غير جمع حبات الزيتون، وتولت صالحة نفسها الاجابة، بتعليل من عندها:" إن الزيتون يحتوي على زيت يرطب ساقيها ويجعلهما ناعمتين وذلك ما يرضي زوجها"، مع تعقيب مصوغ بلغة جريئة،وليس في ذلك من بأس إذا وضع في الاعتبار أن بلقيس لم تكن المبادرة بالحديث الذي كان سؤالا وإجابة من عند صالحة، وإن لم يجاوز علاقة المرأة بزوجها، والحديث بمجمله لم ينل من ثقة بلقيس بنفسها، ووثوقها من سيرتها ومكانتها في مجتمع المخيم.

وإذا ما قورن محتوى السؤال والإجابة ببوح الأخريات، وحواراتهن الداخلية، وطرائق تعبيرهن عن مشاعرهن ظهر بًعدُ الإجابة عن أجواء الإثارة، وينبغي ألا ننسى نظرة بلقيس إلى سروالها الذي تفتخر به، لأنه أبعد شبح الجوع عن أطفالها، وتباهي به، بوصفه رمزا يتحتم على أولادها أن يعتزوا به ويرفعوه مثل العلم ، فهو وسيلة عيش ووسيلة كفاح، ومن المستحيل أن يكون رمزا لجنس ، أو وسيلة لإدارة أحاديث الإثارة.

لقد مرت بلقيس بمواقف فيها إثارة، كانت استجابتها لها تتسم بالهدوء والتلقائية، ولو أن غير بلقيس كانت قد مرت بها لكان رد فعلها مختلفا، مما يشير إلى سويتها والتزامها.

لقد أشاع هدوء بلقيس وحنوها على بيتها ،واستذكارها الوطن المحتل ،جوا من الولاء للوطن وشعورا بالحنين إليه، ثم ضرورة التفكير بالعودة إليه،وفي مثل هذا الجو المفعم بالولاء والإخلاص للأرض، رضع ولدها حليب الإخلاص للديار المغتصبة، والإيمان بالعودة، وتعرض جراء ذلك إلى مساءلة شرطة المخيم واحتجازهم له.

ومن خلال مجتمع مصاب بحمى الجنس،هو وحيواناته ونباتاته، ألا تبدو امرأة محصنة كبلقيس،بكل هذه المزايا والخلائق رمزا واعدا بإمكان العودة، واستعادة الحقوق وبعث الأمجاد؟!.

واذا لم تكن هذه الفضائل المميزة قد أسبغها الروائي،عن وعي على شخصية بلقيس ليصنع منها رمزا يكسر حدة المأساة ويكون بصيصأ من نور في نهاية نفق الهزيمة.

لقد بذل الفحماوي قصاراه ليجعل من بلقيس الشخصية القائدة في مجتمع نساء المخيم، وقد مهد قبل ذلك بأن ألقى شيئا من الضوء على مستواها الاجتماعي قبل الهجرة والعيش في المخيم، وأضاف إلى تأكيد صفاتها القيادية ، صفة نفسية مهمة، بأن جعلها متصالحة مع نفسها ومع واقعها في معيشتها في المخيم،ثم مع واقعها الخاص ببيتها ومع زوجها وأبنائها الذين كانوا يستظلون بسروالها المنشور في جنب خيمتها.

كان على بلقيس أن تعيش مع نسوة المخيم ، وأن تعمل معهن وأن تسعى وراء الأعشاب البرية، لكي تؤهل للتميز، على أن يصطبغ بعض سلوكها لما يرشحها لدور أهم، هكذا تقتضي لعبة البناء السردي التي أحكم صنعها الفحماوي بما يملك من براعة صناعة الشخوص،و هكذا ظلت بلقيس حية في ذاكرة المتلقي.

إن براعة الروائي في رسم أبعاد شخصية بلقيس المؤهلة لتحمل المسوؤلية الأسرية، وتوفير طعامهم مما تجنيه بمشقة ومجازفة، من حبات الزيتون والأعشاب البرية، واضحة ملموسة، بل مغرية للمتلقي بمتابعة حركات هذه المرأة وأساليب تعاملها مع الذين يحيطون بها، ويصنعون معها تفاصيل الحياة اليومية في المخيم.

واذا كان الفحماوي قد برع في رسم شخصية بلقيس بما يلائم ما أسند إليها من دور في الرواية، فإن هناك لمسة ذكية بثها في هذه الشخصية المحورية ،تتمثل في جعلها معادلا سلوكيا للشخصيات النسوية، في الرواية اللواتي طبعت سلوكهن تصرفات مشوبة بالنزق والرغبة في البوح قولا وفعلا أحيانا عن معاناتهن الروحية والجسدية.

ولا بد من الإشارة إلى براعة أخرى تتجسد في السروال الذي لازم بلقيس وأصبح علامة فارقة لها، بل علما مترجما لواقع حالها، هذا السروال شكل علامات ايهام للقارئ ، بأن أوحى له بدءا بأنه رمز جنسي أو إثارة، غير أن المتلقي لم يجن عبر رحلة الوهم إلا خلاف ما أوحى السروال الذي يمكن أن يكون تعبيرا عن أمل يشرق من بين سحب اليأس ليقول: إن ما ترون من إحباط وعلامات معاناة يمكن أن تتكشف عن أمل واعد، وهكذا يكون السروال علما ورمزا للكفاح والتحدي والصبر على المعاناة.

وفي النهاية قدم الناقد القادم من فلسطين خصيصاً للمشاركة في هذه الندوة، ورقة بعنوان:

دور الشخصيات في رواية "سروال بلقيس " الهمّ الفلسطيني:

مميزات الرواية: ثمة تعليقات كثيرة للراوي على أحوال الشخصيات وعلى نفسياتها، لكنه يترك للشخصيات التعبير عن أوضاعها بنفسها، فأنتَ تحسُّ مدى واقعيتها ومعاناتها من خلال التعبير عن واقعها المعيش في المخيم. وذلك خلافًا لكتّاب فلسطينيين ممّن تحدّثوا عن التهجير، فعكسوا مواقفهم الأيديولوجية إزاء النكبة وما نجم عنها من تهجير، كغسان كنفاني الذي حكم بالموت على شخصياته في "رجال في الشمس"، وألقى باللائمة على سعيد وصفية في "عائد إلى حيفا"، بسبب هروبهما من الوطن أثناء التهجير.

نقاط هامة:

1) دلالة العنوان: سروال بلقيس-مفارقة/ كسر للتوقعات
2) علاقة الأم بالأرض: أبطال الرواية من النساء
3) دور المرأة في تحمل أعباء الهجرة: المرأة الأرملة: حمدة المحمودية المرأة الأربعينية التي استشهد زوجها دفاعًا عن أرض الوطن وترك لها ثلاثة أطفال تقوم برعايتهم وإعالتهم في ظل غياب الأب.
4) الفترة الزمنية قصيرة، مع ذلك يعطي الكاتب مساحة واسعة للشخصيات للبوح والحديث؛ فهي شخصيات نابضة بالحياة والحركة والنشاط.
5) لا يذكر الكاتب اسم البلد المجاور الذي أقيم على هامشه المخيم، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ كل المخيمات في البلاد العربية المجاورة سواء، تعيش نفس الأوضاع المزرية البائسة، ونفس المعاناة الأليمة القاسية، وأنَّ الوطن العربي صار كله مخيمات لاجئين (من كل قطر مخيم)، وأن المأساة التي عاشها اللاجئون الفلسطينيون في الأعوام 1948 وحتى اليوم في مخيم اليرموك وغيره ، إنما يعيشها اليوم لاجئون عرب كثيرون. ولهذا تأتي رواية "سروال بلقيس" لتصور معالم (المخيم العربي الحديث)، وترسم عذابات، ومعاناة أهاليه.
موتيف الرزق في الرواية:
1) ذهاب بلقيس مع صاحبتيها حمدة المحمودية، وصالحة السمراء إلى الجبال قبل طلوع الشمس بكثير، من أجل قطف الأعشاب البرية من الطبيعة، كمصدر أساسي للطعام والقوت اليومي.
2) معاناة "أبو رزق" في العمل بالكسّارة، وظروف العمل الصعبة جدا، مقابل الأجر المتدني.
3) ليس صدفة أن يكون اسم ابنهم البكر "رزق"؛ لأنَّ الرزق وتحصيل لقمة العيش في ظروف المخيم الصعبة، هي أكثر ما يعانيه أهل المخيّم.
بلقيس:
بلقيس هي مثال للمرأة الفلسطينية البسيطة، القوية، المتحدية، المقاومة.
1) "ومن وسط هذا الجوع، قامت امرأة شجاعة اسمها بلقيس، امرأة فوضوية عملاقة الطول، نحيلة الجسد المجفف، محدودبةُ الظهر بعض الشيء، وذلك من تراكم أحمال الهجرة، التي أحنَت قامتَها الجبّارة، وهي جريئة، حادّة النظرات المنبثقة من روح حطَّمتها الأحداث، ولكنّها لم تهزمها [.....]، ولهذا تجدها جادّة التصرفات، دائمة المبادرة لعمل شيئ من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، في هذه الهجرة المرعبة، والتي لم تكن على بال أحد، ولو في الخيال" (22-23).

2) "أنا لا أفهم هؤلاء الذين نسمّيهم "وطنيين"، بينما هم يسموننا "لاجئين"، كيف يهون عليهم أن نجوع وهم يشبعون، وكيف يُصنِّفونا أننا ناس من الدرجة الثانية بسبب الهجرة، ويجعلون أنفسهم أكابر من الدرجة الأولى، وقد كُنَّا في حيفا ويافا وعكا أهل عِزٍّ وجاهن وزراعة وتجارة رابحة، وجمال أخّاذ، مثلنا مثلهم على أقل تقدير؟ ألا يعتقدون إذا استمروا بهذا التفريق أنَّ الاحتلال قادم على فلسطين كلِّها، وربما على بلاد العرب والمسلمين كلها، وأنهم سوف يصبحون، كما يقول أبو رزق، مثلنا لاجئين؟" (ص50)

3) لم يُطِل الوقوف أمامها، بل هرب مُسرِعًا، ونفذ بجِلدِهن مختفيًا بين الأشجار، وهو خائف من أن تكون هذه المرأة مجنونة[...] أمّا هي فتنفست الصعداء، وشعرت بقيمتها الإنسانية، ويقدرتها على (المقاومة)، وبأنها بهذا التحدي قد خرجت من التابوت [....]، ولهذا ابتعدت وهي تُحَدِّثُ نفسها بأنَّ (المقاومة) وليس الاستسلام، هي خير وسيلة للبقاء (ص59).

4) "وتصرُّفي هذا يا صالحة لا يُعتبَر سرقة، بل هو أخذٌ من أموال الأغنياء ولو بالقنص، وتوصيلها للفقراء المعدَمين، مثل أولادي وأولاد اللاجئين[.....]، هذا سروال بلقيس يجب أن يرفعه أولادي مثل العَلَم، ويمشوا تحته، لأنه هو الذي يُطعِمُهم ويُبعِد عنهم شبح الجوع" (62-63)

أبو رزق:

ما هي الوسائل التي انتهجها أبو رزق من أجل التخفيف من معاناة التهجير؟

1) الحكواتي:

وما أن ينتهي تسابق انتهاء الطعام في أقل من ربع ساعة، حتى يتمدّد أبو رزق وهو يضحك، ليفتح أنفسهم على المشاركة في الضحك، بهدف الترفيه عنهم بعد هذا الشقاء الأليم بين نيازك صخور الكسارة، فتتوجه عيونهم وآذانهم وأذهانهم نحو الحكواتي أبو رزق، الذي يتحفهم كل يوم بحكاية جديدة، لا تعرف من أين يأتي هذا المشرَّد الطيب بها. صاروا في كل تجمّع كهذا يتوقعون حكاية من حكاياتهن التي تشبه التحلاية بعد طعام لا يزيد على حد الكفاف" (ص78)

2) الفكاهة:

يتناسى أبو رزق مشاكل الكسارة وما يكسِرون، إذ يحاول مساعدة الآخرين من زملائه على النسيان، وهو الملعون يحبّ أن يفضفض ويضحك، فيُضحِكُ الآخرين معه، وقد يكونُ مرَحُهُ هو وسيلته الوحيدة لنسيان هموم الهجرة القاتلة، وسياسته تلطيف الجو، لعلَّ الذي يحاول نسيان مآسيه مؤقَّتًا، يجد مخرجًا لها، أفضل من الذي يستمر في التفكير فيها، وهو متوتر منفعل مشدود (ص124)

3) التشبث بحلم العودة:

"عاد الأب وابنُه صامتَين من دون حوارن ولكنَّ الأبَ كان يحتضنُ ابنَهُ ويشدُّهُ على جسدِهِ، وهو يقول له إنَّ عودتَهُم إلى فلسطين هي عنوان حياة وعقيدة، ومسألة حياة أو موت، فيسأله ابنه رزق:" تُرى كم شهر باقي لعودتنا إلى بلدنا يابا؟" فيقول الأب:"كم شهر؟ كم سنة؟هذه عِلمُها عند الله. ولكنَّ الله يقول:"وقل اعملوا فسير اللهُ عملَكُم..". يجب أن نعمل يا ولدي لنحقق العودة" (ص180)