الصّبار

، بقلم أنمار رحمة الله

لم تؤنسها فكرةُ شراء زوجها شتلةَ (صبّار) صغيرة،من مشتل مملوء بأنواع شتى من الأزاهير والورود.وحين تضايقت غمغم زوجها كعادته التي آلفتها - متهكماً - راح يصفها بـ (المرأة الغريبة الأطوار)،التي لا تفقه معنى الجمال. صارت تطالع زوجها من خلل النافذة المطلة على الحديقة الصغيرة،وهو يقتطع جزءاً من وقته،لرعاية الشتلة والنظر أليها.بالرغم من شكلها الأسطواني الشاحب، وفروعها المكتظة بالإبر. زوجها الذي أثبت العلم والفحوصات عقمه،يهرول صباحاً إلى عمله،وحين يخرج إلى باحة المنزل،يقف ناظراً للصبّار، متفقداً شكلها قبل خروجه.وحين يعود يقف الوقفة ذاتها،مستغرقاً الوقت،وكأنه يحييها،يلقي عليها السلام بقدسية ودهشة محبَّبة إلى نفسه!.ذات يوم وكالعادة،نهضت الزوجة من نومها،لترى من دون دهشة مكان زوجها على السرير خالٍ،ومن ثم تجول عيناها على طاولة المطبخ،متفقدة آثار جلسته،وبقايا طعام الفطور،على صحن يقبع وحيداً على الطاولة.أخرجت من صدرها كمية كبيرة من الزفير،مصحوباً بـ (أيه)،وجلست تجدول في ذاكرة رأسها الوقت والمشوار اليومي في المنزل. تأخر الزوج هذه الليلة،حيث جلست الزوجة تصبّر نفسها على تأخره ببرنامج تلفزيوني،أو حكاية قديمة أنعشت ذاكرتها،أو خطة مستقبلية تأتي بشكل عشوائي وترحل في نفس الوقت.لفت انتباهها شيء يتحرك ظله أمامها، بجسم متطفل عبر النافذة المطلة على الحديقة!.أدارت رأسها بسرعة،لترى رأساً،مدبباً،مليئاً بالإبر. (الصّبار...) هتفت واقفة،حيث وضعت أمامها الكرسي في رعب يهطل على قلبها كالشلال.شتلة الصبار كسرت النافذة وقد طالت،وازدادت غلظة، وتناثرت والإبر حولها كالنِصال.اقتحمت شجرة الصبار سكون المكان،وهي تلتف على الجدران،مقتفية أثر الزوجة،التي هرولت إلى جوف المنزل،وهي تصرخ مستغيثة.شجرة الصبار لم يوهنها الصراخ،بل اشتدت حزماً،وتقدمت زاحفة على الجدار،الأرضية،الطاولة،تتقدم ببطء وهي واثقة أن الزوجة لن تفر من قبضتها.كررت الزوجة الصراخ،حين اجتهدت في رفع صوتها،لعل منقذاً يهبط عليها في تلك اللحظة.الأدرنالين يتدفق،الصالة إضاءتها شبه معتمة،الزوجة ركضت وتوارت عن أنظار شتلة الصبار الزاحفة إلى الصالة.تمتمت الزوجة بعد أن عاد إليها نصف عزمها : ( سوف أجلس من النوم قريباً.يا له من كابوس مزعج!).لكن رشقة إبر متفرقة في فضاء الصالة،كانت كفيلة بإيقاظها،فقد توزعت الإبر على الجدران،وطالت البعض منها (الإبر) جسم

الزوجة.صرخت عالياً صراخاً خالطته نوبة هستيرية من البكاء : (أرجوك.. اتركيني ).زحفت شجرة الصبار العملاقة،حيث ملأت المنزل،بفروعها،أشواكها،نفثت من صمغها اللزج في أركان المنزل،وتسللت أصابعها المسورة بالشوك إلى الغرف.زحفت شجرة الصبار بعد أن هيمنت على المنزل،صوب الزوجة،التي غلّقت عينيها بشدة،وارتجفت أعضاؤها مرعوبة،ولم يفصل بينها وبين شجرة الصبار غير سنتيمترات قليلة،تحسست الزوجة رائحة الصبار،والصمغ النازل على شعرها،حين دلقت الشجرة كمية كبيرة منه عبر فمها المشوك.سبحت الزوجة بالصمغ،بعد أن سال على رأسها وأكتافها وجسمها،فصارت كشرنقة يكسوها صمغ لزج،يميل لونه إلى الصفرة، كان وثاقها وسلسلة قيدها الهلامية.فمها الذي سال عليه الصمغ،لم يعد قادراً على الصراخ،أو لعله استنفد كل طاقته في صراخه السابق !.تشجعت من جديد،وأقدمت على محاولة أخيرة للصراخ،الصراخ فقط كل ما تملكه تلك المرأة المكبلة بالصمغ.صرخت عالياً،وهي تماطل كمية الصمغ التي كستها،صرخت عالياً،تدفق الصراخ من جوفها كالبركان.في تلك اللحظة،أحسّت بنور عبر حاجز جفنها المغلق.فتحت جفنيها على مهل، تفاجأت بعد أن زال أثر الصمغ،واختفت شجرة الصبار من المنزل،وحين تحسست جسدها نظيفاً،ولم تُغرس في أجزائه الإبر،ولم يغطه الصمغ.نهضت على مهل،لتطالع مندهشة زوجها..زوجها الذي عاد إلى المنزل،ووقف هاتفاً بعد أن رآها على تلك الحالة،بجملة مليئة بالإبر: ( ألم أقل لكِ أنكِ امرأة غريبة الأطوار؟).