من يسجد على السجادة السوداء...

، بقلم عبد الجبار الحمدي

ضائعا تموج به خطاه دون ان تروم مساحة او بقعة ارض، فقد دنى من الوحل حتى استقر الى قاعه، وود ان يبقى فيه لولا حقد دفين يقتنيه إرثا عبر اصلاب تقاذفته منيا اسودا على اسرة اهتزت الى أن فاح فجورها بمواثيق اولاد زنا... شرع يتفحص الوجوه التي يراها تسير الى جانبه ومن على بعد، إنها صفيقة باردة لاهية لا يعول عليها، يبدو ان البذخ او اللامبالاة تمكنت منهم فبات أهل هذه المدينة دعاة أزياء ملونة في كل شيء حتى البيوت والشوارع صارت عبارة عن اطياف خيوط لقوس قزح...

ركن الى زاوية قريبة عند المسجد الرئيس الكبير الذي يعتبر معلما بارزا فيها... كان الباب مغلقا ساعتها فانتظر، حتى برهة قبل ان يكون الآذان وإذا بالباب يفتح ليخرج منه شيخ نظيف الملابس ذو ذقن تكاد تصل سرته، التقت عينه بعين الشيخ الذي قرف من منظره لكنه سرعان ما قفز من مكانه قائلا:

شيخي الجليل هل لك من صدقة إني جائع اقسم بالله لم اذق طعم الاكل منذ ايام...

لكزه الشيخ سادا انفه من رائحته النتنة وهو يجيبه: ابتعد يا هذا الله يعطيك، إذهب هناك بعيدا فإن رائحتك وقذارتك توسخ المسجد هيا اذهب قبل ان يأتي المصلين...

لم يشعر إلا وهو يتدحرج على الارض، كانت السقوط مؤلما لقد اضر بأضلاعه ورضها...ابتعد الى الجانب مكث يحملق بالشيخ ويهز رأسه...

كانت العطايا تنزل عليه بكثرة، فرح لسذاجة وربما إيمان الكثير من الناس فيبدو ان قلوبهم مليئة بالرحمة وهذا نادرا ما يراه في بشر الوطن الجديد فإن نتانتهم تكاد تكون اضعاف مضاعفة عن نتانته هو...

في ذلك اليوم وبعد ان فكر كثيرا اختفى عن رقعته السوداء الأثر، تلك التي خلفها وراءه حين يرونه الناس وهو يصلي دون ان يدخل المسجد، كون القائم عليه يمنعه لقذارته، البعض لام الشيخ والكثير تكلم وراء ظهره، لكن... لم يجروأ احد على مواجهته بما فعله من خطأ فالشعور بالذنب او كسران الخاطر لا يتعدى خطوات تبتعد عن ارض المسجد...

حتى كان يوم مناسبة دينية الجمع فيها غفير جدا، المكان مزدحم، دخل عليهم شيخ وقور جليل يحيط به الطيب الصناعي الذي يرتديه كباقات زهر يوزعها على من يمر بجانبه، ودون شعور كان الجمع يتنحى عن مكانه موسعا الطريق للشيخ الجليل والتساؤل يكاد يقرض اناملهم قبل فضولهم الى أن وصل الصف الأول، جلس بعد ان ادى تحية الاسلام على الجميع... لفت منظر دخوله شيخ المسجد، الذي رحب به على طريقته الخاصة كونه منشغلا بوقوفه على منبر الخطابة... كانت الكلمات رنانة تودي مرة الخلق في النار ومرة الى الجنة، ومرة تُسَميهم المارقين والفجار وهلم نعتا حتى تزبدت شفاه الشيخ وعجز عن ايجاد وسيلة يجعل من القادم الجديد ان يتفاعل معه... برغم كل ذلك كانت التساؤلات بين الجمع الحاضر تنتشر حتى وصلت اقرب الجالسين إليه فساله : على الرحب والسعة يا شيخ يبدو انك لست من هذه المدينة ؟؟!
التفت الشيخ قائلا: لا لست منها ولكن جذور لي قديمة عاشت في هذا المكان الطاهر الطيب...

هلا عرفتانا بأسمك يا شيخ؟
ابتسم للسائل: إني أدعى ابو الاسود الشيخ ابو الاسود
مرحبا بك ايها الشيخ ابا الاسود، وبرغم الاستغراب من الاسم إلا انه انتشر كالنار في الهشيم بين الحاضرين حتى انه تنامى الى مسامع الشيخ على المنبر.. فعرج بحديثه عن المدينة واهلها والصلات الانسانية ثم اشار الى ابا الاسود وهو يقول: لقد زارنا هذه الليلة رجل بل شيخ جليل يدعى ابا الاسود وحقيقة اقول أني اول مرة أراه في هذه المدينة ويا حبدا لو عرفنا على نفسه بعد نزولنا من المنبر ...
كان مؤشر الاستغراب قد وصل ذروته عن شيخ المسجد!!! فَقصَرَ حديثه ونزل مهرولا يمسك بيد ابا الاسود مرحبا به جاحظا عيناه غائرا في عمق نفسه يريد استخلاص سيرة حياته فبادره ابا الاسود قائلا:
السلام عليك يا شيخ عمر وعذرا لحضوري دون اشعاركم بذلك كون المسألة لا تتعدى امور مكتبية، استغرب من كان ملتفا حولهما دون معرفة القصد!! لكن الشيخ عمر ادرك ان هناك ما يريب حول هذا الشيخ... ساعة من الامر علم الجميع انه سيحل محل الشيخ عمر، وقد خيره بين ان يبقى مساعدا له او يرحل الى حيث يريد التأكد من حقيقية التغير، بيد ان الشيخ عمر لزم نفسه ورضخ للامر الواقع بعد ان رأى ان هذه الشيخ قد تبعه بعض من الرجال يتشحون السواد مثله تماما وهم يجلونه اكثر من اللازم...

كان قد عزم على ان يلقى فيهم خطبة، وقد اشار بذلك الشيخ عمر عبر مكبر الصوت أن يخبر اهل المدينة ان يحضروا الى وليمة كبيرة احتفاءا بتنصيب الشيخ ابا الاسود إماما للمسجد وخطيبا...

كانت النفوس رغم الخير الذي ترفل فيه الى أنها فقيرة، تبحث عن الذي لا يكلفهم مالا ولا عانة، اكلوا شربوا اغدقوا بالحديث والضحك حتى اغلق باب المسجد عليهم وركب المنبر ابا الاسود قائلا:
دون مذياع او مكبر صوت... أنصتوا وَعوا إني قد وليت عليكم من قبل نفسي واشهد ربي وربكم إن لمست او شعرت بأن أحدا يحيد عن طريقي لاقصمن ظهرة وأيتم عياله واخيط وجهه من جديد ...

دب الذعر بين الجميع الغفير وهمهمات مما ادى الى قيام البعض بالتذمر علنا مطالبته بأي حق يدعي عليهم فأين الحكومة؟؟ وأين القانون...؟؟؟ لم يشعر إلا وصفعة على القفا قلبته على من هم حوله مخرجينه الى الفسحة القريبة من ابا الاسود وهو يصرخ وجعا... مما دعا الشيخ عمر ينهض ليقول: ماذا تفعل يا شيخ ابا الاسود؟ إنك تنتهك حرمة المسجد بفعلتك هاته... ما أكمل جملته إلا ووجد نفسه على الارض هو الآخر...
فقال ابو الاسود: إعلموا ان الدين لي والوطن لي ... وانتم وما تملكون لي فأنا قبلتكم التي ستولون إليها يا إمعات الزمن، فقد لبثت بعيدا انتهز فرصة وجود عاهات مثلكم سهل قيادتها وأقسم بأمعان القتل فيكم وانكج رجالكم قبل نساءكم، وغدا ستؤول كل مقاديركم وحياتكم وما تملكون لي أنا شيخكم ابا الاسود فالانسان خليفة الله في الارض وانا هو الخليفة على رعاع مثلكم.

قام الشيخ عمر محاولا ان يردع ابا الاسود إلا ان ضربة في رقبته بنصل غدر انهت حكايته والى الابد... اما البقية فقد هاجت تصرخ وتتباكى...

وابا الاسود وحاشيته يهشون على شياه بنصول على الصمت بل الخَرس، وحتى يستتب الامر له نحر من يعارض قتل من يجابه، وقف عاتيا يمرر الفساد يمنة ويسرة فشهد الامر من شهد..مرت الشهور وقد بات كل شيء مستباح فالنكاح بات وسيلة لكثرة مجون ونهب صار لهو من كثرة مطلقي الذقون، ألزم رايته ان تكون سوداء ولباسه اسود كأنما يريد احياء موتى الزمن الخبيث .. اجبر اهل المدينة ان لا يتركوا فرضا للصلاة ومن يترك متعمدا فهو كافر وملحد بما يؤمن به ابا الاسود.. والغريب في ختلات ليل وجبن من سماع همس يتساءل البعض ترى ما هو دين وملة ابا الاسود؟؟؟
شرعت الناس بالهرب على قدر ما تستطيع ... شُرِدت النساء يُتمت الاطفال إلا ان شعار الخلافة لا زال باقيا بعيدا عن يد القانون والدولة، لقد اشترى جهنم كفرا والزم من معه الجنة بألوان حمراء تراق بكثرة، علها تكون وسيلة الدخول الى ما يغذي عقولهم من سواد... ليعبدوا ويوحدوا ابا الاسود الذي اشترط ان تكون سجادته سوداء كونه يعشق عبارة من لبس وجلس وسجد على السواد سبى العباد.